إسرائيل في “مثلث ترامب”.. بين “نجاح الاغتيال” والتوجس من الرئيس المقبل

حجم الخط
0

ثمة خط جديد أكثر قتالية من المعتاد سُمع في تلك الإحباطات الصادرة من القدس لوسائل الإعلام منذ اغتيال عالم الذرة الإيراني محسن فخري زادة، وتظهر فيه إسرائيل كلاعبة رئيسية، وقادرة على كل شيء في الشرق الأوسط. وإن قدراتها الاستخبارية والعملياتية (كما تم التعبير عنها في العملية في إيران المنسوبة للموساد) تمكنها من إملاء سير الأمور. وإذا أرادت ستفعل مرة أخرى ضد أهداف إيرانية، وإذا لم ترغب فهي قادرة على تشويش استئناف المفاوضات حول الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة بعد دخول الرئيس المنتخب جو بايدن إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني.

  أشار رئيس الحكومة نتنياهو بنفسه إلى تورط إسرائيل، “لا يمكنني أن أبلغكم بكل شيء”، قال عندما لخص نشاطاته الأسبوعية بعد بضع ساعات من عملية الاغتيال. الوزراء الذين أجريت معهم المقابلات منذ ذلك الحين عادوا إلى لعبة التظاهر الدارجة: “لا نملك أي فكرة عمن فعل ذلك، لكن…”. من وراء الكواليس هناك خلافات داخل القيادة الإسرائيلية: أما زال هناك مبرر لسياسة الغموض أم من الأفضل تحمل المسؤولية عن عمليات كهذه على فرض أن الجميع يعرفون أصلاً؟

رئيس معهد بحوث الأمن القومي، الجنرال احتياط عاموس يادلين، كان الأكثر مباشرة من بين الذين ردوا. بعد أن قال هو أيضاً أنه لا يعرف المسؤولين عن العملية، أضاف أمس لـ “صوت الجيش” بأن من عمل في طهران كانت له عين أو ربما اثنتان موجهتان لواشنطن. وحسب قوله: “إذا رد الإيرانيون فسيأمر الرئيس ترامب جنرالاته بالعمل ضدهم، وإذا لم يردوا فثمة إمكانية لإعاقة بدء المفاوضات أمام بايدن”.

العملية نفسها تثير الإعجاب العملياتي في العالم. في “نيويورك تايمز” اقتبس بروس رايدل، شخصية كبيرة سابقة في الـ سي.آي.ايه: “هناك حالات قليلة تظهر فيها دولة ما قدرات بأن تضرب بدقة كهذه في مناطق دولة العدو، هذا أمر غير مسبوق. لا يبدو أن إيران تنجح في منع ذلك”. والسؤال هو: هل تستطيع إسرائيل استغلال نجاح العملية في الساحة السياسية؟

هل ستوافق إدارة بايدن على العملية، وربما على خطوات أخرى كحقيقة منتهية، أو في مرحلة ما، ستقرر بتذكير إسرائيل بعلاقات القوى الحقيقية. مع كل الاحترام للتعاون الاستخباري والعسكري بين الدولتين، الذي تعزز مؤخراً بفضل العلاقات الممتازة بين نتنياهو وترامب، فإن إسرائيل ليست شريكة متساوية الحقوق للولايات المتحدة. هذه أمريكا التي تحول لإسرائيل مساعدات أمنية بمبلغ 3.8 مليار دولار في السنة وليس العكس.

الرئيس السابق باراك أوباما ضبط نفسه على كثير من الإهانات والاستفزازات من جانب نتنياهو، لكن كان هناك حالات قام فيها بمحاسبته لاحقاً، خاصة بعد أن هاجم نتنياهو علناً الاتفاق النووي في خطابه في الكونغرس في صيف 2015. عملية الاغتيال هذه واجهت انتقاداً شديداً من عدد ممن عملوا في إدارة أوباما. حافظت إدارة بايدن القادمة حتى الآن على صمت مدو. لا الرئيس المنتخب ولا نائبته ولا وزير الخارجية القادم نبسوا ببنت شفة. هذا لا يعني أنهم مروا مرور الكرام على الحادثة. على إسرائيل الافتراض بأن دفتر واشنطن مفتوح وثمة من يسجل.

اهتمت الإدارة الحالية بأن تسرب وبأسرع وقت بأنها لا تقف من وراء العملية في شرق طهران، بل إسرائيل. وليس من الواضح بالضبط ما الذي يحدث في مثلث ترامب ووزير الخارجية مايك بومبيو، الذي زار إسرائيل مؤخراً مع إظهار الدعم الكبير لنتنياهو، والجنرالات. ترسل واشنطن رسائل صغيرة مشوشة يجد الإيرانيون صعوبة في حلها. مؤخراً تم التحدث عن نقل حاملة طائرات وقاذفات ثقيلة إلى منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ولكن تم التوضيح بأن هذا يتعلق باستعداد لتطبيق توجيهات ترامب بإخراج باقي قوات الجيش من العراق وأفغانستان. والأهم من ذلك هو ما الذي يريده ترامب نفسه، وما هي درجة إصغائه لما يحدث بين إسرائيل وإيران في الوقت الذي يحتج فيه على الظلم الذي لحق به، حسب قوله، في الانتخابات.

هل ستختار إيران الرد؟ معظم المحللين يعتقدون بأنها سترد. الضرر الذي أصابها أكبر من أن يقابل بصمت، كما أن ذلك حدث بعد إحراجين آخرين شديدين – اغتيال الجنرال قاسم سليماني في كانون الثاني والتفجير الذي حدث بالمنشأة النووية في نطنز في تموز – وتحملت الولايات المتحدة المسؤولية عن العملية الأولى، أما الثانية فقد نسبتها وسائل الإعلام إلى إسرائيل، التي لم تؤكد ولم تنف. للإيرانيين قيود تكتيكية: في 2012 و2018 وفي هذه السنة أيضاً، عندما حاولوا تنفيذ عمليات انتقامية بسرعة ضد إسرائيل إلى حيز التنفيذ، مالت الأمور إلى التشوش. وهناك مسألة التوقيت – هل سيبرر رد سريع، حسب رأيهم، التورط مع ترامب قبل دخول بايدن إلى منصبه؟

إن تصريحات الشخصيات الرفيعة في نظام طهران منذ عملية الاغتيال كانت عدوانية وتهديدية جداً. في إحدى الصحف المقربة من حرس الثورة، نشرت دعوة لضرب ميناء حيفا. لا تستبعد إسرائيل أيضاً احتمالات أخرى، منها إطلاق صواريخ بالستية وصواريخ كروز وهجوم بطائرات بدون طيار أو محاولة تفجير سفارات في الخارج. أمس وقع جميع أعضاء البرلمان في طهران على دعوة لاستئناف نشاطات تخصيب اليورانيوم بما يتجاوز قيود الاتفاق النووي وبمستوى أعلى من 20 في المئة. لهذه الدعوة قيمة إعلانية في الأساس، لكنها نشرت بموازاة الدفع قدماً بتشريع حول هذا الشأن. على الرغم من أن الأمر يتعلق بتجاوز الاتفاق النووي، إلا أن إيران تجاوزته في السابق قبل أكثر من سنة عندما بدأت بتخصيب اليورانيوم بمستوى 4.5 في المئة رداً على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق.

يجب ألا ننسى هجمات السايبر. في أيار، تم الإبلاغ عن محاولة إيرانية للمس بمنشآت المياه في إسرائيل، ومؤخراً تم الحديث عن مزيد من المحاولات لهجمات سايبر، التي تم كما يبدو إحباطها بنجاح، ضد مواقع للمياه والبنى التحتية للطاقة في إسرائيل.

إن ميزة نشاطات كهذه –مقارنة مع هجوم بواسطة مليشيات في العراق أو سوريا– تكمن في الحفاظ على مجال شكلي للإنكار. وعلى أي حال، يبدو أن هناك لاعباً إقليمياً واحداً غير متحمس لأن يخدم الإيرانيين بهذا. صحيح أن “حزب الله” قد أظهر أسفه على رفيق السلاح فخري زادة، لكنه لم يتطوع لهذه المهمة. وبناء على ذلك، فإن أحد زعماء حزب الله صرح في نهاية هذا الأسبوع بأنه لم يصب أحد من مقاتلي المنظمة في الهجمات الأخيرة التي نسبت لإسرائيل في سوريا. بكلمات أخرى، إغلاق الحساب هنا شأن إيراني، وربما هو من شأن نظام الأسد وليس من شأننا.

بقلمعاموس هرئيل

 هآرتس 30/11/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية