في منتصف تشرين الثاني نفذ الجيش الإسرائيلي غارة جوية واسعة علنية ومعلنة في سوريا. وكما وصف الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، جاءت العملية رداً على ساحة عبوات ناسفة قرب استحكام 116 في هضبة الجولان، التي زرعت بتوجيه من وحدة 840 التابعة لقوة القدس الإيرانية، التي تستخدم متطوعين سوريين في الأعمال الإرهابية. أصاب الجيش الإسرائيلي ثمانية أهداف وبينها مخازن للوسائل القتالية، بطاريات صواريخ أرض – جو، وقيادة قوة القدس وقيادة الفرقة 7 السورية، في أثناء ذلك، قتل عدد من الجنود السوريين والإيرانيين. وذلك بينما قيادة الشمال في تحفز مضاعف منذ تموز الماضي حيال حزب الله بعد الهجوم الذي نسب لإسرائيل في سوريا والذي قتل فيه ناشط من المنظمة.
زعيم حزب الله، حسن نصر الله، طرح في حينه معادلة ستجبي المنظمة بموجبها ثمناً بحياة الإنسان رداً على كل ناشط للمنظمة يقتل في لبنان أو سوريا. وبالفعل، حاول حزب الله عدة مرات “تصفية الحساب” مع إسرائيل، ولكن دون نجاح. وهكذا مثلاً، في آب أطلق قناصة حزب الله النار نحو قوة من الجيش الإسرائيلي على الحدود اللبنانية قرب المنارة. ورد الجيش الإسرائيلي من الجو وهاجم مواقع لحزب الله مجاورة للحدود في لبنان (بخلاف الرد في حدث سابق: تسلل خلية قناصة حزب الله إلى هار-دوف والتي سمح الجيش الإسرائيلي لأعضائها بالفرار). وقال اللواء أمير برعم، من خريجي المظليين الذي يقود المنطقة الشمالية، إن الهجوم استهدف الإيضاح لحزب الله بأن: “فقدت موقعين على نار بلا مصابين. لنعلمك كيف ترد على نار مع مصابين”. وبالتوازي، نسب لإسرائيل عدد آخر من الهجمات ضد قواعد قوات إيرانية في سوريا، وهي بمثابة إشارة لنصر الله بأن المعادلة التي طرحها لا تردع إسرائيل. ولكن التوتر لم ينتهِ وقد عاد ليشدد منذئذ بأن الثمن لم يجبَ بعد.
صحيح أن التوتر يدار حتى الآن “على نار هادئة” ولكن مثلما حصل في الماضي، سواء في ساحة الجنوب أم الشمال، فالطرفان على مسافة بضع خطوات عن التصعيد الكفيل بأن يتطور إلى حرب. وبشكل يشبه السلوك بين إسرائيل وحماس، يبدو أن إسرائيل ومنظمة “حزب الله” تبنتا المفهوم الذي يعتقد بأن التصويت سيتلخص في بضعة أيام قتالية يمكن احتواؤها وإدارتها بشكل منضبط. ولكن احتمال ضرر التصعيد في الساحة الشمالية، والذي يفوق بقدر كبير حجم الضرر الذي من شأن حماس أن تلحقه بإسرائيل، يمكن أن يؤدي بإسرائيل وحزب الله أن يجدا صعوبة في التحكم بالتطورات ومنعها من أن تتحول إلى معركة واسعة.
إن كل فحص لوضع إسرائيل الاستراتيجي يجب أن يدرج، إلى جانب هذا التوتر المتواصل، متغيرات إضافية، بينها عملية الانتقال بين إدارة الرئيس ترامب وإدارة الرئيس المنتخب جو بايدن، والتي يمكن للولايات المتحدة في أثنائها أن تهاجم أهدافاً إيرانية في المنطقة (سواء كرد على هجوم على قواتها في العراق وشرق سوريا أم بهدف ضرب المشروع النووي) بتطور كفيل بأن يجر رداً إيرانيا بواسطة فروعها ضد إسرائيل أيضاً. وكل هذا بينما تتصدى إسرائيل لوباء كورونا والأزمة السياسية.
إسرائيل دولة قوية، مع منظمات حكم مستقرة وتؤدي مهامها، ولكن الشلل السياسي في عملية اتخاذ القرارات، بما في ذلك في مواضيع الأمن، يمس بجاهزية جهاز الأمن لتصعيد أمني. منذ إقامة الحكومة، قبل أكثر من نصف سنة، لم يرتب ويجاز قانون الميزانية، بما في ذلك ميزانية الدفاع، ولم تتقرر مشتريات الأجهزة والوسائل القتالية الجديدة، ولم تقر الخطة متعددة السنين التي عرضها رئيس الأركان أفيف كوخافي “تنوفا”. وكما أشار مدير عام وزارة الدفاع، اللواء احتياط امير ايشل، مؤخراً، فإن ملاءمة عمليات التأهيل، بما في ذلك شراء وتلقي وإدراج منظومات قتالية أو طائرات جديدة، يستغرق وقتاً، وإسرائيل تستخدم جزءاً من طائراتها، المروحيات مثلاً، في ما يتجاوز جداً ما يقصده المنتج.
إضافة إلى ذلك، وكما كشف في سياق الرحلة الأخيرة لرئيس الوزراء نتنياهو إلى السعودية، وكذا في المسيرة السياسية التي أدت إلى توقيع “اتفاقات إبراهيم”، فقد أقصي وزراء كبار وهيئة الأركان ولم يشاركوا في الإعداد والمسيرة نفسها. إن الخطاب السليم الدائم المتواصل بين الحكومة والجيش هو عنصر حرج في قدرة إسرائيل على اتخاذ قرارات حيوية في المجال الأمني بالنسبة لبناء القوة، وليس أقل أهمية من ذلك – في مجال استخدام القوة. في حالة التصعيد بالشمال، فإن قدرة قادة الجيش ومسؤولي القيادة السياسية عل إدارة حوار سريع ومرتب، يقوم على أساس الثقة والمعرفة، هي أمر حيوي لقدرة إسرائيل على إدارتها بنجاح.
على هذه الخلفية، ينبغي الترحيب بإصرار رئيس الأركان كوخافي على تنفيذ أجزاء حيوية من خطة “تنوفا”، وكذا إجراء المناورة متعددة المنظومات “سهم فتاك” في نهاية تشرين الأول، التي كانت تمثل معركة في أكثر من ساحة وتنفذ بمشاركة قوات الاحتياط. إلى جانب هذه المناورة، جرت تدريبات أخرى لقوات النظامي والاحتياط وأخرى مستقبلية ستجرى في الأشهر القريبة القادمة.
إن القوة الجوية الإسرائيلية ناجعة وفتاكة، تعرف كيف تعمل في إطار هجمات كبيرة على نحو خاص. وتبلور في سلاح الجو مفهوم الضربات، بحجم ودقة عاليين، حين يكون على كل ضربة أن تحدث دماراً وضرراً للعدو يتجاوز توقعاته لقدرات ونوايا الجيش الإسرائيلي. وستوجه هذه الضربات لمنظومات العدو الحرجة لأدائه العملياتي وتنفيذ استراتيجيته، مما يؤدي إلى إخفاق متعدد المنظومات وإجباره على توظيف معظم مقدراته في الدفاع وإعادة الترميم.
وبالمقابل، يحتمل بالتأكيد إلى جانب القوة الجوية أن تكون إسرائيل مطالبة بجهد بري استكمالي، عدواني وسريع يضرب نشطاء العدو في مناطقهم، ويخلق في أوساطه إحساساً بالملاحقة وانعداماً لليقين كما يكشف أهدافاً لهجوم دقيق بالنار. ، في المناورة البرية، كما هو في مفهوم الجيش، انكشفت فجوتان مركزيتان في السنوات الأخيرة: القدرة على توفير رد على نار المقذوفات الصاروخية والصواريخ نحو الجبهة الإسرائيلية الداخلية، والقدرة على حرمان العدو بسرعة وبتواصل من قدراته في مراكز ثقله. وبالتالي، تبلور لدى الذراع البرية في الجيش الإسرائيلي مفهوم مناورة يتمثل بالتثبيت، والكشف، والجمع، والضرب، والهجوم. وبموجبه، ستوفر للقوات المناورة قدرات استخبارية وكشف مضاعفة، بحيث تتمكن من العثور على العدو، وضربه، وحرمانه من القدرات من خلال النار الدقيقة والمناورة السريعة والفتاكة. في كل الأحوال، إن المجالات الواسعة في لبنان والمناطق المدينية المكتظة في قطاع غزة ستستوجب استخداماً لحجوم واسعة من القوات، وبالتأكيد في حرب متعددة الجبهات، ومن هنا أيضاً استخدام قوات الاحتياط، إذ إن الجيش النظامي وحده لن يكفي. وهنا تكمن فجوة ثالثة في جاهزية الجيش الإسرائيلي ألا وهي أهلية القوات. ومن أجل أن تكون للجيش الإسرائيلي قدرة برية مؤهلة، رغم الاضطرارات، فعليه أن يتدرب خشية أن تجد إسرائيل نفسها مع جواب ناقص على التهديد.
في حديث أجراه عشية المناورة، في الجليل، مع قادة لواء المظليين، قال رئيس الأركان كوخافي: “لا يمكن الانتصار على أعدائنا بدون المناورة”، وحذر من وهم أن المعركة التالية ستقع بعد زمن طويل، وقال للقادة: “استعدوا لأن تقع هذه غداً”.
إلى جانب مستوى الجاهزية العالي، فإن عادة التدريب المعقولة هي تحد للجيش الإسرائيلي من يوم تأسيسه، وذلك لأن الجيش يعيش على نحو دائم تقريباً في مواجهة مع تهديدات ملموسة. ولكن خوض التدريبات في ضوء وباء كورونا هو تحد مركب، إذ إن للاضطرارات العادية التي يعيشها رجال الاحتياط، ولا سيما الحاجة للمناورة بين متطلبات الرزق والعائلة وبين الخروج إلى الاحتياط، تضاف إمكانية الإصابة بالمرض في أثناء التدريب. وهذا تخوف مسنود، لأنهم أصيبوا ومرضوا في بعض من التدريبات.
ومع ذلك، كما قال رئيس الأركان، فإن أعداء إسرائيل لن يراعوا اضطرارات كورونا أو غيرها من الاضطرارات السياسية. وعليه، فإن على الجيش الإسرائيلي أن يرتب في أقرب وقت ممكن نظاماً واضحاً يتضمن تعويضاً مناسباً لمعالجة المرضى أو من اضطروا للبقاء في الحجر في أعقاب تدريب الاحتياط، والإصرار على إجراء التدريبات. مثل هذا الترتيب سيوضح لقوات الاحتياط بأنهم ذخر مهم في نظر الجيش، ويعزز ثقتهم به، كما سيزيد أهمية التدريبات في نظرهم. إن إجراء التدريبات، إلى جانب النشاط الهجومي والمبادرات من الجيش الإسرائيلي في الساحات المختلفة، يعزز صورة الردع الإسرائيلية ويوضح جاهزيتها للمعركة وإن كانت لا تتطلع إليها.
وختاماً، رغم التقدير السائد بأن خطر الحرب متدنٍ، في الوقت الحالي بالذات، ولا سيما حتى استقرار الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة، من الحيوي الحفاظ على مستوى أهلية وجاهزية عالية للجيش تمهيداً لتطورات غير متوقعة، ولا سيما حيال المحور الإيراني – الشيعي في الساحة الشمالية، بما في ذلك لبنان، سوريا وغرب العراق. للجيش الإسرائيلي دور الراشد المسؤول، وبالذات في هذا الوقت عندما نجد أن اتخاذ القرارات السياسية وقدرة الحكم في إسرائيل تدار بمستوى منخفض. إن جاهزية وصورة عملياتية عاليتين وبارزتين ستساعدان على ردع عناصر المحور من محاولات طرح تحديات أمنية فظة في وجه إسرائيل تكون ذات إمكانية تدهور إلى معركة شاملة.
بقلم: غال بيرل فينكل
نظرة عليا 9/12/2020