«استعادة الأمل». «نهاية الكابوس». انتصار البشريّة». «بداية النهاية لكوفيد – 19». هكذا عنونت الصحف الكبرى، بعدما أعلنت بريطانيا أنها ستبدأ برنامجا واسعا للتلقيح ضد فيروس كورونا بداية من الإثنين الماضي، في وقت دخلت أوّل مواطنة بريطانيّة تتلقى اللقاح عالم الشهرة، بعدما تصدرت صورها نشرات الأخبار في غالبية تلفزيونات العالم، وستأخذ الملكةُ إليزابيث الثانية جرعة علنيّة ً، كما لو كان اللّقاح انتصاراً عسكريّاً لبريطانيا على غرار انتصار الحرب العالميّة الثانية، فيما تحوّل وزراء الصحّة حول العالم إلى نجوم برامج المقابلات وهم يبلغون باعتزاز مواطنيهم بحجز كميّات من اللّقاح ومواعيد الشروع بحقنهم به خلال الأشهر القليلة المقبلة.
بطولات وهميّة مقيتة وخطرة
بالطبع أنهكت الجائحة العالم بأجمعه، ويحق للبشريّة بعد سنة طويلة ومظلمة أن تلتقط أنفاسها وتتطلع مفعمة بالأمل تجاه كل مبادرة قد تنهي الحالة الديستوبيّة المزاج، التي استيقظت عليها ذات أكتوبر. لكن بعيداً عن العواطف، فإن هذه الإعلانات بدت مسرفة في التفاؤل إلى حد الخطر، ومجيّرة لدعم نزعات سياسيّة وقوميّة – معادية حكماً لآخرين – ولا تأخذ بعين الإعتبار المعوقات العمليّة للتعامل مع هذا اللقاح الذي صوّر وكأنّه قلبٌ لصفحة انتهينا منها لنبدأ في أخرى ناصعة. ففور إعلان الوكالة المعنيّة بتنظيم الأدوية في المملكة المتحدة (أم أتش أر إيه) موافقتها على لقاح «كوفيد 19) الذي قدمته شركة فايزر للاستعمال العام حتى كان مات هنكوك وزير الصحة البريطانيّ يتبجّح في مقابلة له بأن هذا القرار السريع أصبح ممكناً فقط «لأن المملكة المتحدة لم تعد ملزمة بالرّوتين الخاص بوكالة الأدوية الأوروبية (إي أم أي)» غامزا من قناة بريكست، ليردد ادعاءاته آخرون في قيادات حزب المحافظين (الحاكم) رغم تعرّضهم لوابل تشكيك من قبل الصحافيين.
وفي الوقت نفسه، غرّد ألوك شارما، وزير الأعمال، على تويتر قائلاً «اليوم تقود المملكة المتحدة البشريّة برمّتها في مواجهة هذا المرض». فيما علّق غافن ويليامسون وزير التعليم «أعتقد أن لدينا أفضل الناس في هذا البلد ولدينا أفضل المنظمين الطبيين. أفضل بكثير من الفرنسيين، أفضل بكثير من البلجيكيين، أفضل بكثير من الأمريكيين. هذا لا يفاجئني على الإطلاق، لأننا بلد أفضل بكثير من كل منهم، أليس كذلك؟»!
كل ذلك كان مفتعلاً ولا يعكس الحقيقة، وبدلاً من الإعتراف بهذه الخطوة إلى الأمام كجهد تعاونيّ ونجاح دوليّ كبيرين وبداية لرحلة للقضاء على الوباء، تعمّد الساسة البريطانيّون التباهي بإنجاز قوميّ فارغ لم يلبث أن ظهر تهافته من جهة الحكومة ذاتها، عندما أوضح موظّف تنفيذيّ كبير في وزارة الصحّة بأن الموافقة الطارئة على اللقاح كانت ممكنة بالفعل بموجب القانون الأوروبي، النّافذ حتى الأوّل من يناير/كانون الثاني 2020 – موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي – إذ أن هذا القانون المصمم أصلاً لحماية صحّة المواطنين من تعجّل شركات الأدوية لطرحها في الأسواق يسمح للبلد العضو بالإنسحاب من الإجراءات التنظيمية الروتينيّة في حال الظروف العامّة الاستثنائية والملحّة. كما هو معروف أن اللقاح الذي ستبدأ بريطانيا باستعماله طوّر أصلاً من قبل شركة ألمانيّة ناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية، أسسها عالمان مهاجران تركيان، وبالشّراكة التجاريّة مع عملاق أدوية أمريكي، فيما يجري تصنيعه فعليّاً لدى مختبرات في بلجيكا، ولم يكن للبريطانيين تحديداً أي فضل في إنتاجه على الأطلاق.
الأمر المُقلق، ليس في تحوّل وزراء حكومة دولة عظمى مثل بريطانيا – وعلى رأسهم وزير صحّتها – يتحدّثون أمام وسائل إعلام جماهيريّة إلى أبواق تردد خطابات شعبويّة تليق بعصابات القوميين اليمينيين المتطرفين فحسب، لكن الخداع – أو حتى سوء الفهم إذا افترضنا حسن النيّة – في ظل ظرف حساس، وأوساط جمهور متشكك أصلاً بكل الذي يجري إنما يقوض ثقة الجمهور لناحية خطط الحكومة الصحية بشكل عام، وينعكس سلباً على آفاق التعاون الدّولي في مكافحة الوباء. وقد بدا الانزعاج جلياً على تغريدات السّفير الألماني إلى لندن من هذه الصيغة المتطرفة في تقديم منتج علمي اشترك عديدون من جنسيات مختلفة في تطويره للناس، ووجه سفير إيرلندي سابق نقداً لاذعاً لهذه البهلوانيات الوطنيّة الزائفة «التي تعكس انعداماً للثقة في الذات» على حدّ تعبيره.
تسرّع وطبقيّة وفرص غير متكافئة
ما ينسحب على الحكومة البريطانيّة ينسحب بالطبع على حكومات كثيرة غيرها. ولا زلنا نذكر كيف أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاول إقناع شركة ألمانيّة كانت متقدّمة في إجراء الأبحاث على لقاح ممكن للفيروس بأن تبيع إنتاجها للولايات المتحدّة حصراً. وللحقيقة فإن هنالك مخاوف حقيقيّة من أن يتسبب مزيج من الصلف السياسي والرّطانة القوميّة مع سعي شركات الأدويّة الحثيث للإلتحاق بموسم حصاد الأرباح بإطلاق متسرّع لبعض اللقاحات على الأقلّ وهو ما قد يؤدي إلى تمديد فرص استمرار وباء ليس ممكناً عزله في بلد دون آخر، ناهيك عن فقدان الثقة الذي تظهره قطاعات واسعة من السكان بنجاعة اللقاح.
ومع افتراض أن كافة اللقاحات التي أعلن عنها ستكون فعالة وآمنة – بما فيها اللقاحان الكوبيّ والتركيّ وفق إعلانات الحكومتين هناك – فإنّ قدرة الشركات على الإنتاج لن تكون بأيّ شكل كافية لتوفيره لمعظم البشر، إضافة إلى صعوبات جمّة في توفير سلاسل التزويد المبردة اللازمة لنقله وتخزينه في أغلب دول العالم باستثناء حفنة من الدّول الكبرى والثريّة التي شرعت بالفعل في حجز وجمع مخزون كبير من جرعات اللقاح لتحصين شعوبها خلال العام المقبل فور حصولها على الموافقات للاستخدام العام، الأمر الذي قد يعني ببساطة بأن نصف سكان المعمورة المقيم في بلدان فقيرة قد لا يحصل 90 في المئة منهم على أحد اللقاحات المنتظرة قبل عدّة سنوات، وربّما لأن دول الشمال الغنية تخزن جرعات من لقاح فيروس كورونا أكثر حتى مما قد تحتاج إليه وتحرم الآخرين منها. وحسب تقارير أصدرتها منظمات دوليّة فإن فايزر باعت 96 في المئة من منتجها لدول غنيّة، ومودرنا 100 في المئة، فيما اشترى 14 في المئة من سكان العالم حوالي 53 في المئة من حجم الإنتاج المتوقع لسنة 2021 وتعاقدت كندا وحدها على شراء جرعات لقاح تكفي لتطعيم كل الكنديين خمس مرات، بينما سيتعيّن على دول مثل كينيا وبنغلادش ونيجيريا وباكستان والفلبين التي تجاوزت الإصابات في كل منها حاجز المليون الانتظار لعدّة أشهر إن لم يكن لسنوات قبل الحصول على لقاحات تكفي العدد الهائل من سكان كل منها.
العدالة المفقودة
انعدام العدالة الاقتصادية، الذي تكرّس في عهد الرأسماليّة المتأخرة بين دول الشمال والجنوب، كما بين الفقراء والأغنياء، تحوّل في زمان الجائحة إلى انقسام حاد بين مجموعتين بشريتين تباعدت أقدارهما حتى كأنّهما يقطنان عالمين منفصلين أو مدينتين متباعدتين: مدينة لذوي البشرة البيضاء من شعوب الشمّال والأثرياء والمتنفذين وهذه كان تأثرّها بالجائحة محدوداً نسبياً، وتمكنت من استيعاب تأثيراته سريعاً بفضل الانفاق السخيّ من الحكومات وعلى حساب الميزانيّات العامّة دائماً – هذا إن لم تجد في الجائحة فرصة لجني أرباح خياليّة في وقت قياسيّ – وهي ستحظى بأفضل حماية ممكنة من خلال اللقاحات الجديدة. وعلى الضفّة الأخرى مدينة للملونين والفقراء والتعساء يحوم في أرجائها المرض والموت، تصل احتمالات الوفاة فيها بسبب كوفيد – 19 إلى أربعة أو خمسة أضعاف المدينة الأخرى، فيما ضربت ظروف الجائحة جذريّاً قدرتهم على كسب العيش، ولم يصلهم من العون شيء يذكر، وهم فوق ذلك كلّه لن يحصلوا على اللقاحات بكميّات كافية في مقبل الأيام.
ولذا، ونحن نقرأ عناوين مثل «استعادة الأمل» و»نهاية الكابوس» و«انتصار البشريّة» و»بداية النهاية لكوفيد – 19» ونشاهد مقابلات الوزراء والسياسيين على الشاشات، علينا تجرّع محتواها بوصفه لصيقا حصراً بمدينة الحياة. أمّا سكان المدينة الأخرى، فليكن المولى بعونهم، إذ جافاهم الأمل وسيستمر كابوسهم وسيكون انتصارهم مؤجلاً.
إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن