الناصرة – “القدس العربي”
نشر معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب مذكرة جديدة بعنوان: “الحرب القادمة في الشمال”، تضمنت سيناريوهات مركزية محتملة و”ترسم ملامح حرب محتملة، بعض مشاهدها مشاهد قيامية”.
وحسب هذه الدراسة الإسرائيلية فإن السيناريو الأول سيكون حرب لبنان الثالثة شبيهة في خصائصها بالحربين السابقتين اللتين خاضتهما إسرائيل في مواجهة جبهة واحدة – الجبهة اللبنانية.
فيما يقول السيناريو الثاني إن هذه الحرب ستكون مختلفة عن سابقتيها في بعدين في الأساس: العدو – حزب الله هو العدو الأساسي، لكن مكونات المحور الشيعي – الذي تمركز جيدا في المنطقة الشمالية – ستكون شريكا كاملا في القتال (الميليشيات الشيعية في سورية والعراق، الجيش السوري الذي رمم قدراته العسكرية وقدرات عسكرية إيرانية في سورية وغربي العراق)، البعد الثاني مدى الجبهات وعمقها – لبنان، وسورية والعراق. في هذا السيناريو تشغل إيران وكلاءها في المنطقة وثمة احتمال لإطلاق نار من غرب العراق، لكن قواتها لا تتدخل في القتال من أراضي إيران.
ويقول السيناريو الثالث إنها ستكون حربا ضد إيران – تدخل مباشر، وليس فقط عبر تشغيل وكلائها: تطلق صواريخ (باليستية وصواريخ بحرية) من أراضيها في اتجاه أهداف في إسرائيل، ويشارك الجيش الإيراني والحرس الثوري في القتال.
في إطار هذا المشروع قرر معهد دراسات الأمن القومي التركيز على تحليل السيناريو الثاني لحرب الشمال، في ضوء التقدير أن هذا هو السيناريو الأكثر معقولية ومن المناسب معالجته.
مسببات الحرب: تدهور أم حرب استباقية
وبرأي الدراسة التي تولى ترجمتها وتحريرها المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) يمكن لهذه الحرب أن تنشب في ظروف تدهور عقب مواجهة محدودة و/أو بسبب خطأ في الحسابات من قبل الطرفين. ويرى أن سيناريو التدهور ممكن في كل من الساحات التالية: المجال اللبناني – يوجد بين حزب الله وإسرائيل احتمال كبير لتصعيد يمكن أن يشعل بسرعة حربا واسعة وذلك في الأساس في ضوء حساسية حزب الله للمحافظة على “قواعد اللعبة” القائمة، كما يتجلى ذلك في ردوده على عمليات الجيش الإسرائيلي في المجالين اللبناني والسوري.
وبرأي الدراسة من المهم لحزب الله المحافظة على “الردع المتبادل” القائم منذ سنة 2006، وهو يحرص على الرد على كل عملية إسرائيلية تُعتبر في نظره خرقا لـ”معادلة الردع” القائمة. وطريقة العمل هذه يمكن أن تؤدي إلى دينامية تصعيد بعدة طرق، بدءا من احتكاك على طول الحدود، مرورا بحادث يتطور جراء عملية عسكرية محدودة للجيش الإسرائيلي ضمن إطار المعركة بين الحروب، وانتهاء بمواجهة عسكرية محدودة وموضعية يبادر إليها أحد الطرفين.
ترسم الدراسة “مشاهد قيامية” للقتال
وتشير الدراسة إلى أن سورية ساحة صراع بين إسرائيل وأطراف في “المحور الشيعي” وخصوصا منذ سمح نظام بشار الأسد بالتمركز العسكري لإيران ووكلائها – الميليشيات الشيعية، بينها حزب الله – الذين جاءوا لمساعدته في حربه ضد المتمردين، وتتابع الدراسة بهذا المضمار: “هذا الواقع أنشأ احتكاكا عسكريا دائما بإسرائيل التي تعمل روتينيا لتقليص التهديدات الموجهة ضدها من هذه الساحة، ضمن إطار المعركة بين الحروب. التصعيد لحرب واسعة يمكن أن ينجم عن مواجهة عسكرية في الساحة السورية في إثر عمليات – حتى لو محدودة – لأي طرف من أطراف المحور الشيعي المعارض لإسرائيل أو في أعقاب عملية إسرائيلية في إطار المعركة بين الحروب للمس ببنية تحتية لإيران أو وكلائها، بما في ذلك المس بجيش الأسد لوقف شحنات سلاح متطور إلى حزب الله، أو لإحباط محاولات إطلاق نار وعمليات إرهاب ضد إسرائيل”.
مواجهة مباشرة مع إيران
ويرى المعهد أن تدهورا محتملا قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران – مسبب التصعيد سيكون في هذه الحالة عملية عسكرية إسرائيلية ضد إيران أو عملية إيرانية ضد إسرائيل، أو قرار إيران استخدام حزب الله وباقي عناصر المحور الشيعي ضد إسرائيل، من دون حدوث تدخل مباشر في هذا التصعيد من داخل إيران.
كذلك هناك عناصر أُخرى يمكن أن تتسبب بذلك، من ناحية هجوم أمريكي على منشآت/بنى تحتية في إيران (بما في ذلك احتمال أقصى مهاجمة منشآت نووية)، ومن جهة ثانية عملية عسكرية محدودة لإيران ضد إسرائيل جراء ضائقة إيران الاستراتيجية الناشئة نتيجة الضغط المتصاعد من الولايات المتحدة (الذي يهدف إلى إعادة إيران إلى طاولة النقاشات لصوغ اتفاق نووي جديد)، والغليان الاجتماعي – السياسي في الساحة الداخلية، أو كرد على استمرار أو تصعيد عمليات الجيش الإسرائيلي ضد مواقع إيرانية في سوريا.
حرب استباقية
إلى جانب سيناريوهات التدهور، من المحتمل في السنوات المقبلة أيضا حدوث حرب استباقية من طرف أحد المتورطين وبذلك تقصد مبادرة إسرائيلية انطلاقا من إدراك خطورة التهديد الذي يتطور في مواجهتها، في الأساس مراكمة وسائل قتال متطورة لدى حزب الله، وخصوصا صواريخ دقيقة، و/أو بالاستناد إلى تقدير أن الوقت حان لعملية عسكرية، بينما حزب الله وإيران في ضائقة استراتيجية.
من المحتمل في السنوات المقبلة أيضا حدوث حرب استباقية من طرف أحد المتورطين
وبرأيها يخضع الطرفان اليوم لضغوط داخلية وخارجية، ومن المتوقع أن تستمر وتزداد. وترى أن التهديد الأمني الذي سينشأ إلى جانب الفرصة يمكن أن يؤدي إلى حرب استباقية قد تكون ذات نطاق متفاوت: من هجوم استباقي محدود لتقليص التهديد، وصولا إلى حرب واسعة النطاق لتوجيه ضربة عميقة وكبيرة الحجم لحزب الله سعيا لإحداث تغيير استراتيجي في الساحة الشمالية.
حرب بمبادرة حزب الله وإيران
وهناك سيناريو يتوقع حربا بمبادرة من حزب الله بالتنسيق مع إيران يمكن أن تنشب في حالتين متعارضتين ظاهريا: الأولى، في ظروف ضائقة يعانيها الحزب بعد الضغوط التي تمارَس عليه كما ذكرنا أعلاه، وخصوصا منذ كارثة مرفأ بيروت أو في طموح لديه لتحويل الانتباه إلى صراع ضد إسرائيل، وتحقيق مهمته كـ”درع لبنان”.
الحالة الثانية، عندما يشعر حزب الله بأن تعاظُم قوته العسكرية وصل إلى درجة تسمح له بتوجيه ضربة كبيرة إلى الجيش الإسرائيلي والجبهة الداخلية الإسرائيلية، وإضعاف إسرائيل وتغيير قواعد اللعبة إزاءها. أما إيران من جهتها فقد تبادر إلى شن معركة واسعة في الساحة الشمالية بواسطة تحريك حزب الله ووكلائها الآخرين ضد إسرائيل، إذا وصلت إلى استنتاج أن هذه الحرب التي لن تتدخل فيها إيران مباشرة وستخدم مصالحها في مواجهة المعركة الداخلية والمعركة الإقليمية، وفي مواجهة الضغط الدولي الذي يمارَس عليها فيما يتعلق بالموضوع النووي.
ملامح السيناريو الخطر
وحسب هذه الدراسة يستند سيناريو خطر لحرب الشمال إلى الافتراضات التالية: نشوب حرب متعددة الجبهات بينما يتركز القتال الأساسي على جبهتين: لبنان وسورية. وترى أن العدو الأساسي في مواجهة إسرائيل هو “المحور الشيعي” بقيادة إيران، ويشمل القوات التالية (بمشاركة مباشرة أو غير مباشرة): حزب الله في المجال اللبناني، حزب الله في المنطقة الواقعة ما بين هضبة الجولان ودمشق، الميليشيات الشيعية في سوريا، قوات الجيش السوري أيضا في المنطقة الواقعة بين هضبة الجولان ودمشق، بالإضافة إلى إطلاق صواريخ من عمق سوريا، إطلاق صواريخ من قبل الميليشيات الشيعية في العراق.
وستنشب الحرب وفق هذا السيناريو خلال فترة إنذار قصيرة، أو فجأة عندما لا يكون الجيش الإسرائيلي في حالة جهوزية كاملة. وثمة معقولية كبيرة أنه في إطار معركة واسعة في الشمال، سيُطلب من الجيش الإسرائيلي مواجهة المنظومة الفلسطينية أيضا: قذائف وصواريخ من قطاع غزة واضطرابات و/أو ازدياد “عمليات الإرهاب” في الضفة الغربية. ويعتقد “المعهد” أن الحكومة والجيش سيحظيان بتأييد الإسرائيليين في كل قراراتهما وعملياتهما، على الأقل في المراحل الأولى للحرب، مراحل القتال الأولى ستلاقي عمليات الجيش تفهما من المجتمع الدولي، ولن تقوم أطراف دولية بعرقلة عملياته.
خطوط ملامح التهديد المتوقع خلال الحرب
وبموجب هذا السيناريو سيطلق من لبنان وابل من آلاف الصواريخ الذاتية الدفع يوميا إلى جانب عشرات حتى مئات من الصواريخ الدقيقة. هذا الرقم لا يعتمد على استخبارات، بل هو حصيلة تحليل ملامح إطلاق الصواريخ من قبل حزب الله في أثناء حرب لبنان الثانية. في هذه الحرب أطلق الحزب ما مجموعه نحو 14 ألف قذيفة وصاروخ، شكلت نحو ثلث المخزون الذي لديه (نحو 40 ألف صاروخ). في الحرب المقبلة من المتوقع أن يطلق حزب الله نحو 50 ألف قذيفة وصاروخ، وهو ما يشكل نحو ثلث مخزونه الحالي المؤلف من نحو 150 ألف صاروخ ذاتي الدفع. إلى جانب ذلك يجب الأخذ في الحسبان إطلاق صواريخ بعيدة المدى من سوريا أيضا، وربما أيضا من العراق.
في الحرب المقبلة من المتوقع أن يطلق حزب الله نحو 50 ألف قذيفة وصاروخ، وهو ما يشكل نحو ثلث مخزونه الحالي المؤلف من نحو 150 ألف صاروخ ذاتي الدفع
كما ستوجه الصواريخ الدقيقة إلى أهداف استراتيجية ذات قيمة: مطارات، بنى تحتية حيوية: الطاقة (محطات الطاقة، بنى تحتية للغاز، محطات التكرير في حيفا)، ومياه، وضد رموز الحكم (مقر وزارة الدفاع في الكرياه والحكومة والكنيست)، مبنى رئاسة الأركان للجيش الإسرائيلي، بطاريات الدفاع الجوي، قواعد عسكرية وقيادات. كما سيوجه السلاح غير الدقيق إلى المراكز السكانية وسيترافق برشقات من الصواريخ الدقيقة، كي يكون من الصعب على قوات الدفاع الجوي للجيش الإسرائيلي رصد أهداف الاعتراض. وسيكون الغرض من إطلاق الصواريخ الذاتية الدفع أيضا نحو التشويش على نجاعة منظومة الدفاع في إسرائيل، وسيستمر سقوط وابل الصواريخ على الجبهة الداخلية الإسرائيلية أيضا خلال مناورة برية إسرائيلية في عمق أراضي لبنان.
عمليات برية
وطبقا للسيناريو هذا ففي موازاة إطلاق الصواريخ ستُطلق أيضا مسيرات تُشغل كأسراب وتوجه نحو أهداف قيمة وحساسة، ستنفذ عمليات برية لاحتلال أراضٍ داخل إسرائيل بواسطة قوات كوماندوس تابعة لحزب الله (قوات الرضوان)، من جنوب لبنان، وبواسطة ميليشيات شيعية من هضبة الجولان.
في هذه الأثناء من المتوقع أيضا وقوع هجمات على أرصدة عسكرية وعلى مناطق آهلة بالسكان المدنيين. كما ستنفذ هجمات سيبرانية على بنى تحتية حساسة في إسرائيل، مع التشديد على منظومة القيادة والتحكم، وعلى بنى تحتية حيوية، بهدف عرقلة عمل الاقتصاد والمنظومات الأمنية. وستجري عمليات تستهدف الوعي بواسطة وسائل إعلامية، وبواسطة شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف التأثير في وعي الجمهور الإسرائيلي والمس بالمعنويات.
وترجح الدراسة الإسرائيلية أن ينتقل الاقتصاد الإسرائيلي إلى حالة طوارئ؛ ومن المتوقع حدوث عرقلة في عموم نشاطاته، ونتيجة ذلك ستتضرر الخدمات الحيوية للمواطنين – وخصوصا التزود بالكهرباء والمياه. من المتوقع حدوث اضطراب كبير في نشاط المرافئ البحرية والجوية، وسيتقلص استخدام المسارات الجوية والبحرية. وبمقدار ما يستمر هذا الوضع فإنه سيؤثر في طول النفَس العسكري والمدني.
دلالات عملانية للسيناريو الخطر
من صورة الوضع الخطِر هذا يمكن استخلاص الدلالات التالية للجيش الإسرائيلي كما تقول الدراسة: سيكون مطلوبا من الجيش تعبئة عامة للاحتياطيين، وهذه العملية كلها – تعبئة الاحتياطيين، جمع قوات ونشرها، قتال جبهوي – ستجري تحت إطلاق النار. إلى أن تستكمل الاستعدادات سيكون مطلوبا ما بين 48-96 ساعة للدفاع عن الجبهتين: لبنان وسورية، قبل الانتقال إلى الهجوم.
الدفاع عن الجبهة الداخلية – في المرحلة الأولى سيُطلب من الجيش التركيز على منظومات الصواريخ المتطورة، وعدم التوجه لمعالجة القذائف والصواريخ الذاتية الدفع، ومن المتوقع أن يكون هناك تأثير محدود نسبيا لنشاط سلاح الجو، في حجم الإطلاق على الجبهة الداخلية. بناء على ذلك، في إمكان السكان المدنيين الاعتماد على منظومة اعتراض الصواريخ لدى الجيش الإسرائيلي فقط في المرحلة الثانية، لكن من المتوقع تأمين اعتراض متوسط للدفاع الفعال في مواجهة الإطلاق الكثيف والحاجة إلى التركيز على الدفاع عن الأرصدة الحيوية طوال الحرب.
وفي الجبهة – القوات الإسرائيلية ستعمل تحت النار في منطقة الاحتكاك، ومن المتوقع عرقلة تعبئة الاحتياطيين وتجميع القوات في منطقة القتال، وهناك احتمال حدوث عرقلة في عمل القيادات ومنظومات القيادة والتحكم. وفي المجال الجوي – سيعمل سلاح الجو في عدد من الساحات في وقت واحد، في مواجهة منظومات الدفاع الجوي للعدو.
وترى أن الجهد الأساسي لسلاح الجو في بداية الحرب سيوجه نحو تحقيق التفوق الجوي في ساحات القتال، وإحباط تهديدات من الجو للجبهة الداخلية الإسرائيلية، وتحييد منظومات الإطلاق الاستراتيجية لحزب الله في لبنان وتلك التابعة لسوريا وإيران في الأراضي السورية، وسيضطر سلاح الجو إلى مواجهة تهديدات لقواعده ومنظومات القيادة والتحكم.
وجراء تعدد المهمات، من المتوقع أن يكون هناك قيود على تخصيص مساعدة جوية للقوات البرية في المرحلة الدفاعية، ولسلاح البحر – في عمليات مطلوبة ضد صواريخ بر – بحر. وفي المجال البحري – سلاح البحر سيعمل هو أيضا في بيئة تشكل تحديا. الجهد الأساسي سيوجه إلى الدفاع عن الأرصدة الاستراتيجية في البحر، والدفاع عن الموانئ، والمحافظة على حرية الملاحة، ومنع استغلال المجال البحري للقيام بعمليات معادية وتحقيق تفوق بحري من خلال ضرب قدرات العدو.