انتهاكات النظام المصري لحقوق الإنسان تلاحق السيسي في باريس

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: رغم البرنامج المشحون للزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الفرنسية باريس هذا الأسبوع ولقاءاته بكبار المسؤولين الفرنسيين في مقدمتهم الرئيس إيمانويل ماكرون، إلا أن ملف انتهاك النظام المصري لحقوق الإنسان فرض نفسه على هذه الزيارة التي استغرقت أربعة أيام تقريباً. وبسبب الضغوط الممارسة على الجانب الفرنسي حيال استقبال الرئيس المصري، أكد يان بارتيز مقدم أحد أشهر البرامج التلفزيونية في فرنسا على قناة “تي ف 1” أنهم حصلوا على جميع صور وفيديوهات نشاطات السيسي في باريس عبر موقع الرئاسة المصرية، لأن معظم المسؤولين الفرنسيين الذين التقى بهم الرئيس المصري (رئيس الحكومة وزير الاقتصاد عمدة باريس ..) تفادوا نشر صور وفيديوهات عن هذه الاجتماعات على حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي أو مواقع الوزارات التابعة لهم.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفي محاولة منه لامتصاص غضب المدافعين عن حقوق الإنسان، الذين نددوا ببسطه “السجاد الأحمر” لـ”ديكتاتور” يضع خلف القضبان نحو 60 ألف سجين رأي في مصر، أكد في المؤتمر الصحافي المشترك الذي أعقب لقائه بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي، يوم الاثنين، أنه تطرق خلال المحادثات بينهما إلى “ملفات أفراد” مسجونين في مصر، بمن فيهم المدافع عن حقوق الإنسان رامي شعث، وهو فلسطيني-مصري، يقبع في السجون المصرية منذ اعتقاله التعسفي قبل أكثر من عام.
كما دعا ماكرون إلى أن يكون هناك “انفتاح ديمقراطي ومجتمع مدني نشط” في مصر، لكن رفض دعوات المدافعين عن حقوق الإنسان وبعض السياسيين اليساريين خاصة، بربط مبيعات السلاح لمصر بمسألة حقوق الإنسان في هذا البلد، مشدداً على أنه لا يمكن ربط أي “شراكة استراتيجية” مع القاهرة بموضوع حقوق الإنسان، بحجة أنه لا يريد إضعاف قدرة القاهرة على مكافحة الإرهاب في المنطقة. وهو في هذه النقطة يتفق مع خصمته السياسية وزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، التي اعتبرت في تغريدة لها على تويتر أن “الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يعمل ضد الإخوان المسلمين في مصر، يجب أن يكون حليفا لا غنى عنه لفرنسا، لا سيما في الملف الليبي ومواجهة الاستفزازات التركية وفي مكافحة الإرهاب”.

القيم الدينية أو الإنسانية؟

واحتشد عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان، في اليوم الموالي، امام مقر الجمعية الوطنية الفرنسية، للتنديد مجدداً بالزيارة، وتجديد مطالبة الحكومة الفرنسية بربط الملف الحقوقي بالملف الاقتصادي، وبالتالي وقف بيع الأسلحة لمصر، في ظل استمرار القمع الشديد الذي يمارسه نظام عبد الفتاح السيسي ضد معارضيه السياسيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان. واعتبروا أن استمرار فرنسا في سياستها الحالية، كما عبر عنها ماكرون بقوله إنه لا يمكن ربط بيع السلاح للقاهرة بموضوع حقوق الإنسان، يجعل من فرنسا “شريكة في القمع” الممارس من قبل النظام المصري، وفق الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان.
ماكرون والسيسي، أظهرا تقارباً في مواضيع محاربة الإرهاب والأزمة الليبية والخلافات مع تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط. وشكر الرئيس الفرنسي ضيفه المصري على زيارته لباريس بعد ما وصفها بــ”حملة الكراهية” ضد فرنسا في العالم الإسلامي، على خلفية تصريحات ماكرون عن الرسوم الكاريكاتيرية التي اعتبرت مسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام وأشعلت حملة لمقاطعة السلع الفرنسية في عدد من البلدان العربية والإسلامية.
وقال الرئيس الفرنسي إن باريس والقاهرة “متحدتان لبناء حيز لا مكان فيه لأحكام الموت وخطابات الكراهية عندما يتم التعبير عن الحريات”. غير أن موضوع الرسوم الكاريكاتيرية كان موضع اختلاف في الرأي بين الرئيسين، عندما اعتبر إيمانويل ماكرون أن “قيمة الإنسان تسمو على أي شيء آخر” معتبراً أن الرسوم الكاريكاتيرية هي تعبير عن صحافة حرة، ولا يعني ذلك أن الدولة الفرنسية تتبنى هذا الرسم الكاريكاتيري أو ذلك، بل هو تعبير حر مسموح به في فرنسا، كونها لا تطبق الشريعة الإسلامية. واعتبر ماكرون أن ذلك مساهمة في فلسفة التنوير.

وسام العار

لكن رأي السيسي، في هذا الموضوع كان مختلفاً، حيث اعتبر الرئيس المصري أن “القيم الدينية أعلى مرتبة من القيم الإنسانية” قائلاً إن “القيم الإنسانية من صنع الإنسان. والقيم الدينية من أصل سماوي وبالتالي فهي مقدسة”. وأضاف: “إذا جرحت بحديثك مشاعر مئات الملايين من المسلمين واعتبرت أنه لا يمكن التراجع عن ذلك بسبب قيم فرنسا، في هذه الحالة فإن الامر يتطلب مزيدا من التفكير” ورد عليه، ماكرون قائلا: “نحن نعتبر أن قيمة الإنسان هي الأسمى، ومن تأتي عالمية حقوق الإنسان التي تأسست عليها شرعية الأمم المتحدة، ولا شيء يفوق احترام الإنسان واحترام كرامته”.
وقد ضاعفت خطوة تقديم الرئيس الفرنسي إلى نظيره المصرى وسام جوقة الشرف، أرفع وسام فرنسي، والتي أعلن عنها الإليزيه، فقط، بعد نشر الرئاسة المصرية صورا للمراسم وكشف وسائل الإعلام الفرنسية عنها لاحقا، من غضب المدافعين عن حقوق الإنسان وانتقادات حادة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث وصف العديد من المغردين هذا الوسام بـ”وسام العار”.
مصادر في الإليزيه والخارجية حاولت تبرير منح الوسام، الذي لم يكن مدرجا على البرنامج الرسمي لزيارته ولا العشاء التكريمي الذي أقيم على شرفه للمناسبة، بالقول إن “تبادل الأوسمة هو أحد العناصر التقليدية لزيارات الدولة النادرة إلى فرنسا التي لا يتجاوز عددها الواحدة أو الاثنتين كل عام”. وتابعت أنه “لأن الزيارات يقوم بها رؤساء دول فهم يمنحون أرفع الأوسمة”. وأوضح موقع المستشارية الكبرى لجوقة الشرف أنه يمكن منح الأجانب أعلى رتبة من الوسام إذا “قدموا خدمات” لفرنسا أو “شجعوا قضايا تدافع عنها” مثل: الدفاع عن حقوق الإنسان أو في إطار زيارات الدولة أو في إطار المعاملة الدبلوماسية بالمثل، ومن أجل دعم السياسة الخارجية لفرنسا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية