فشلت مفاوضات عين عيسى في تحقيق تفاهم بين قسد وروسيا، حتى ظهر السبت، يقضي بتسليمها إلى النظام السوري.
وأخفقت المفاوضات الجارية منذ أسبوع في تل أبيض بتحقيق تقدم بعد التفاهم الأولي على إنشاء ثلاث نقاط مراقبة روسية في البلدة التي تتواجد فيها الشرطة العسكرية الروسية منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2019. وعلمت “القدس العربي” أن إصرار الضباط الروس على تسليم المؤسسات الحكومية للنظام السوري، وإنشاء مربع أمني في قلب البلدة حال دون نجاح المفاوضات، بعد إحرازها تقدما في اليومين الماضيين. وأدى رفض مجلس عين عيسى العسكري التابع لقسد لاقتراح الروس أن تدخل وزارة الداخلية السورية التابعة للنظام، ممثلة بالشرطة المدنية فقط وعدم إحداث مفارز أمنية. لكن قسد رفضت أي شكل من أشكال عودة النظام الإدارية والأمنية.
وجرت المفاوضات في مدرسة علي بن ابي طالب في الحي الشرقي من بلدة عين عيسى، بحضور ضباط في جيش النظام. وأضاف مصدر مقرب من وفد مجلس عين عيسى لـ “القدس العربي” أن الوفد واجه المقترح الروسي “بوجود قوات الجيش السوري على أطراف البلدة وأنها تلقى حماية من قبلنا (قسد) ولا يجري التعرض لها”. لكن الضباط الروس أشاروا إلى “حصول عدة حوادث تعرض لها وأن حواجز قسد تتصرف بطيش مع قوات الجيش السوري”.
وفي نهاية أحد الاجتماعات، المتواصلة منذ أسبوع، لوح ضابط روسي بالعصا التركية، مشيرا إلى ان “التهديدات التركية بالهجوم على البلدة جدية للغاية وعليكم قبول المقترح وتجنيب البلدة الهجوم”. وتزامنت المفاوضات مع استمرار قصف القوات التركية محيط عين عيسى ونقاط قسد المنتشرة على طريق حلب-الحسكة/ 4 s.
ويبعد انتشار الجيش التركي والجيش الوطني السوري عن عين عيسى كيلو مترات معدودة، وأنشأ الجيش التركي قاعدة عسكرية جديدة في قرية صيدا، التي تبعد ثلاثة كم فقط عن بلدة عين عيسى، وشيد بها أبراج مراقبة عالية لرصد تحركات قسد على طريق4 s. كما يقوم بمراقبة المنطقة وبناء بنك أهداف للنقاط التي ينتشر بها مقاتلو قسد.
وتعتبر عين عيسى عاصمة الإدارة الذاتية، ومقرا لمؤسسات “الإدارة الذاتية” مثل “هيئة الداخلية” و”هيئة الصحة” و”مجلس المرأة” و”المجالس التنفيذية” وتنعقد الاجتماعات الدورية الشهرية لهذه الهيئات في عين عيسى.
واتخذت القوات الأمريكية منها مركزا للعمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وتمتلك البلدة موقعا استراتيجيا هاما للغاية، فهي صلة الوصل الرئيسية بين عين العرب/ كوباني والمناطق التي تسيطر عليها قسد غربي نهر الفرات في منبج وريفها ومنطقة الشهباء شمال حلب مع مناطق سيطرتها الرقة والجزيرة السورية.
إلى ذلك، تحاجج قيادة قسد بأن بلدة عين عيسى غير مشمولة بالاتفاق الروسي التركي الذي وقع بعد عملية نبع السلام في 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2019. حيث تحدث الاتفاق عن ابتعاد 32 كم فقط وان عين عيسى تقع على عمق 37 كم من الحدود السورية التركية. إضافة إلى أن البلدة تقع جنوب طريق حلب-الحسكة 4 s. وروسيا أساسا أبعدت القوات التركية وقوات الجيش الوطني السوري من عدة نقاط كانت وصلت إليها.
ويرجح أن يكون الضغط الروسي مجرد محاولة كسب منطقة إضافية لصالحها في وجه أمريكا، فالتحكم بعين عيسى يعني نصرا مهما للغاية بالنسبة لموسكو في وجه واشنطن. إضافة إلى أنه يعيد محافظة الرقة الخارجة عن سيطرة النظام السوري منذ 2013 إليه مجددا، على اعتبار أنها ومحافظة إدلب ما زالا خارج سيطرته. حيث يسعى النظام إلى تعزيز شرعيته من خلال بسط سلطة معنوية عليهما، حتى لو كانت على مستوى الإدارة المدنية، يعيد من خلالها ربط المناطق بهياكله المختلفة كالقضاء والسجل المدني والعقاري والمالي، إضافة إلى التعليم الذي يعتبر مشكلة حقيقية للمتعلمين في مناطق قسد بسبب غياب الاعتراف الدولي بالشهادات الصادرة عن الإدارة الذاتية. وتساعد عودة النظام على تحصيل ضرائب جديدة تساهم برفد اقتصاده المتداعي.
على صعيد آخر، ورغم التهديدات التركية المتكررة والتي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الشهر الماضي، والقصف المدفعي التركي على عين عيسى منذ نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) يستبعد ان تتحول إلى معركة حقيقية تنتهي بسيطرة أنقرة على عين عيسى حسب التفسير المعلن لاتفاق سوتشي 2019 بين الجانبين. لكن أنقرة تفضل أن تحصد موسكو نتائج ضغطها، وان تتسلم هي أو النظام السوري السيطرة على البلدة، وان يخرجا قوات مجلس عين عيسى العسكري المتحالف مع وحدات حماية الشعب الكردية منها.
في السياق، تخشى قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي من استغلال روسيا وتركيا للفترة الانتقالية الأمريكية قبل تسلم الرئيس جوزيف بادين الرئاسة بهدف فرض واقع جديد في شرق سوريا. وتناور مع موسكو لشراء الوقت دون إثارة غضبها، وهو ما انعكس في محاولة إرضاءها برفع العلم الروسي على أحد الأبنية في مواجهة القوات التركية القريبة.
وسيطرت قسد على عين عيسى بدعم من التحالف الدولي لمحاربة “داعش” منتصف 2015 بعد طرد تنظيم “الدولة الإسلامية” منها. وأسست القوات الأمريكية قاعدة خراب عشق، أكبر القواعد العسكرية فيها، ومنها قاد البنتاغون عملياته ضد التنظيم حتى لحظة إعلان الرئيسي الأمريكي الانسحاب من سوريا في 2018.
ميدانيا، لم يقتصر التصعيد التركي على منطقة عين عيسى، بل قصفت فصائل الجيش الوطني والقوات التركية المتمركزة على أطراف بلدة أبو راسين، مواقع قسد في ريف الحسكة، تزامناً مع اشتباكات متقطعة بالرشاشات الثقيلة بين الجانبين، في أغلب النقاط المتقابلة على محاور دادا عبدال ونويحات ومطمورة.
وعاشت منطقة تل أبيض – رأس العين فترة وقف للعمليات العسكرية، بعد اتفاق تركيا مع روسيا وأمريكا، كل على حدة في تشرين الأول (أكتوبر) تضمن انسحاب قسد من المنطقة الحدودية بعمق 32 كم وتسيير دوريات مشتركة بينها وبين الشرطة العسكرية الروسية.
من الواضح أن روسيا تحاول الاستفادة من الغضب والتهديد التركي لقسد، وهذا ما سيجعلها تكسب نتائج هذا الضغط في نهاية الطريق. إلا أن قسد تراهن على أن روسيا لن تقبل بعملية عسكرية تركية في عين عيسى لأن السيطرة التركية على المنطقة تعني تواجدها على طريق 4 s. وهذا أمر مستبعد للغاية. في الوقت نفسه ان رهان قسد على ذلك الأمر قد يوقعها في سوء حسابات تدفع ثمنه غاليا. فخسارة عين عيسى تعني محاصرة عين العرب/كوباني من قبل تركيا، إضافة إلى خسارة طرق المواصلات الهامة وإخراجها من مركز التحكم بها وإضعاف التواصل بين شرق الفرات وغربه.