«أديب العربية»… محمود محمد شاكر شاعرا

نعرج في هذا المقال على بعض ملامح عبقرية تجربة أديب العربية محمود محمد شاكر، وما قدّمه من أدبٍ تَزيَّا بالأصالة في التراث العربي، وجمع بين قوة النثر الآسر والشعر الرقْرَاق، وكان لهُ بصيرة نافذة مُحكمة في الشعر العربي الجاهلي والأموي والعباسي، فالنثر ليس فنه فقط، بل كان له باع في الشعر أيضا، كل ذلك يأتي من سراديب أعماق هذا الباقعة، إذ كان نسيجا وحده في الدفاع عن العربية.
وقبل الحديث عن شعره، نجول قليلا في معرفته الدالة على أستاذيته في خبايا الشعر العربي، إذ كان من القلائل، الذين يجيدون السباحة في بحوره، ويستكشفون كنوزه، ومن قرأ كتابه الفذ «المتنبي» الذي صنفه سنة 1936 عَلِمَ عِلمَ اليقين أنه استطاع أن يستنطق المتنبي ويفصح عن معاني شعره الغائرة في مرامي عباراته، التي غاص في بحورها، وتمكن من كشف معانيها، ومن ساوره الشك في ما أقول فليعقد العزم ويترك سجيته تمضي بسهولة ويسر، ويجيل النظر في كتابه المشار إليه آنفا، وسيجد بلا مرية صدق قولي، إذ الصبح قد أسفر لذي عينين، حيثُ أوتي شاكر من النباهة والبراعة، الكثير، فهو صاحب ذائقة فذة لا يدع عباراته تشرد شرود الناقة الجامحة… فو الذي نفسي بيده أني وجدت شاكرا إماما في ضروب شتى من فنون الأدب واللغة، وهذا الأمر لا يتجلى إلا لمن عكف ينعم النظر في أسفاره، وينقب في خبايا سطورها.
ونأتي إلى ذكر شاعريته، المكتنزة في لفائف نفسه، والتي تنم عن شاعر يملك زمام الشعر بسهولةٍ ويسر، فهو يملك قيثارة ونغمة خاصة، ونلمس كل ذلك في ذائقته المُتضرِّمة في دخائل نفسه التي صاغها في «نفثة قديمة» وفيها سكب شاكر لواعج حبه المتواري بين جنبيه، وينتزع من لفائفه هذه الأبيات الصارخة بالحب المُضمر بين الكلمْ، ولن يبوح بما كتم، ولو حَزَّت في نفسه الآلام التي تمزقه، وتبعثره، وقال أبياتا تهفو لها النفس وترق لها القلوب: ذكرتُكِ بين ثنايا السُّطور
وأضمرتُ قلبي بين الكلمْ
ولستُ أبوحُ بما قد كتمتُ
ولو حَزَّ في النَّفسِ حدُّ الألمْ
تُمزقُّني- ما حييتُ- المُنَى
فأرقَعُ ما مَزَّقتْ بالظُلمْ
فكَمْ كتمْ الليلُ من سِرِّنا
وفي الليل أسرارُ من قد كتمْ
تشابه في كتمِ ما نستسِرُّ
سوادُ الدُّجىَ وسوادُ القَلمْ
هذه الأبيات الرائقة صور فيها شاكر ذلك القلب المُتشرِّب ذكرى ذلك الحب المفعم، المنثور بين ثنايا السُّطور، وكأن القارئ يسمع أنينه ونحيبه، وهو يقول: ولستُ أنا من يبوح بسره المكتوم، ولو كان في ذلك ألم يحزّ في نفسي، وآه من تلك المُنى التي تؤرقني وتترك لواعجها تُمزقني ما سَرتْ روحي في جسدي، وأنت أيها الليل الداجي كم من الأسرار الكامنة في خبايا نفسي كتمت، وفيك أيها السواد تنام الأسرار المكتومة، ومع ذلك هذا قلمي دليل نثري وأمين سري، قد تشابه سوادهُ مع سودا الدُّجَى.
ومن روائع شعره أيضا هذه الرائعة الساكنة في ديوانه «أعصفي يا رياح» التي بعثها إلى صديقه الشاعر علي محمود طه صاحب «الملاح التائه» وكأنه يخاطب ملاَّحه قائلا :
أيُّها المَلاَّحُ .. سَاحِلْ بالشِّراعْ
وخُضِ اللُّجَةَ في ضوءِ الشُّعاعْ
وَامْلاءَ السَّاحِلَ أنْغَاما وأحْلاما وسَامَا
وَاسْكُب النَّشْوَةَ في الكأْسِ حَلالاَ وحَرَاما
تُطْرِبِ البَاكِي عَلَى أحْزَانِهِ .. عام فعاما
إنّمَا العَيْشُ لِمَنْ خَادَعَ عَيْنيْهِ فناما
وكأنه يساجل صديقه علي محمود حيثُ قال في «الملاَّح التائه»
أيُّها المَلاَّحُ قمْ واطوِ الشِّرعا
لِمَ نطوي لُجَّةَ الليل سِّراعا
جَدِّفِ الآن بنا في هِينةٍ
وجهة الشاطئ سيرا واتباعا
فغدا يا صاحبي تأخذنا
موجةُ الأيام قَذفا واندفَاعا
عبثا تقفو خُطى الماضي الذي
خِلْتَ أنَّ البحرَ واراهُ ابتلاعا
سوف يبدو الفجرُ في آثارها
ثم يمضي ودواليكَ تباعا
ويُطلُ شاكر بأبياته الرشيقة يتحفُ سامعه، وهو يترنم بقيثارته قائلا :
زَاحِمِ اللَّحْن الطّرُوبْ
وَارْمِ أضواءكَ في لَيْلِ الخُطُوبْ
وتَمَلَّ وَتَجَلَّ
وكُن الفَجْرَ عَلَى السَّاحِلِ سِحْرا وشبابَا
وَتَغَلْغَلْ في ضمِيرِ الرَّمْلِ وَاسْتَمْلِ الشِّعَابَا
أيْقَظِ النائم .. قَدْ نَامَ أنينا واكتِئابَا
إنِّمَا الدُّنْيَا لِمَنْ نَازَعَها الكأسَ اغْتِصَابَا
وله قصيدة بل ملحمة وهي الموسومة بـ«القوس العذراء» وهي مستوحاة من قصيدة وصف الشماخ بن ضرار الغطفاني، الشاعر المُخضرم، قوس (عامرٌ أخو الخُضْر) فاستدعى شاكر تلك القصيدة من الآباد المتقادمة، واستجلاها وتركها تعتلج في خبايا نفسه، وصاغ على إثرها ملحمته ونظمها في نظام متسق، وبدأ تلك الخريدة بستة وثلاثين بيتا على وزن (مجزوء الرمل) وروي الها، وأذكر منها:
أين كانت في ضمير الغيب من غِيلٍ نماها؟
كَيْفَ شَقَّتْ عيْنُهُ الحُجْبَ إليها، فاجتباها؟
كَيْفَ يَنْغَلُّ إليها في حَشَا عِيص وقَاهَا؟
كَيْفَ أَنحى نحوها مِبْرَاتَهُ، حتَّى اختلاها؟
كَيْفَ قَرَّتْ في يَدَيْهِ، واطْمَأَنَّتْ لِفَتَاهَا؟
كَيْفَ يَسْتَوْدِعُها الشَّمسَ عامَيْن.. تَرَاهُ ويَرَاهَ
فإذا كان الشماخ «هو الفنان المبدع في وصفه للعمل والعامل، واندماجه فيهما بحرارة التَصّورالإبداعي لطبيعة العلاقة بينهما»(إحسان عباس) فإن شاكرا غاص في أغوارها، وكشف عنها أسرارها وقال «تذوقتها غائصا في أغوار دلالة ألفاظها وتراكيبها ونظمها، بل غُصْت تَحت تيار معانيها الظاهرة، وفي أعماق أحرفها، وفي أنغام جرسها، وفي خفقات نبضها، وفي دفقها السارب المتغلل تحت أطباقها، فآثرت بهذا التذوق دقائق نظمها ولفظها، واستخرجت خباياها المتحجبّة من مكامنها، وأمطت اللثام عن أغنى أسرارها المكتَّمة، وأغمض سرائرها المُغيَّبة» (عادل سليمان جمال) وهذه الشاعرية الفذة تجاهلها النقاد! ولم نرَ سوى بعض الدراسات، ومنها دراسة للدكتور إحسان عباس، وأُخرى للدكتور محمد مصطفى هدَّارة، وكلاهما ضمن كتاب «دراسات عربية وإسلامية» مهداة إلى أديب العربية محمود محمد شاكر، بمناسبة بلوغه السبعين (1909 -1979) وهذه القصيدة تنم على علو شأو شاكر في الشعر، وفيها جمع بين النثر والشعر، وذلك انطلاقا من (مجزوء بحر الرمل) ويقول شاكر عن هذا البحر: «وبحر الرمل أقرب بحور الشعر كلها إلى النثر، وتستطيع أن تكتب كتابا كاملا موزونا على تفاعيل هذا البحر» ونجد في قصيدة «القوس العذراء» بدائع الخيال، ولنر في قصيدة الشماخ لها الرمزية الكامنة في (القوس) التي صنعها قواسها (عامرٌ أخو الخُضْر) وكان الإغراء شديدا على القواس ببيع قوسه التي صنعها وعشقها، وصور الشماخ ذلك الإغراء قائلا :
فقال إزارٌ شَرْعَبيٌّ وأربَعٌ
من السِّيَرَاءِ أوْ أوَاقٍ نواجِزُ
ثَمَانٍ من الكُورِيِّ حُمْرٌ كأنَّها
مِنْ الجَمْرِ مَا أُذْكَى على النارِ خَابِزُ
وبُرْدانِ من خَالِ وتِسْعُونَ دِرْهَما
على ذاكَ مَقْرُظٌ مِن الجِلْدِ مَاعِزُ
في هذه الأبيات السابحة في دنان الزمن، صوّر الشماخ الإغراءات للقواس الفقير، فأغروه بالإزار الشرعبي المشهور صناعته في اليمن، وكذلك أربعة من الحُلَّة السِّيراء، وثمان قِطع ذهبية، وكل ذلك ثمنا لقوس عامرٌ أخو الخُضْر، ومن تلك القصيدة أتى شاكر بملحمة تشهد بخصوصية شاعريته.

٭ كاتب يمني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية