لقاح كورونا بين كماشتي التمويل والتمويه

كثيرة هي المفارقات التي تصادفنا ومع ذلك لا نلقي لها بالاً، ولا نعير لما فيها من أمور وإشكالات اهتماماً حتى تصبح مصادفة تلك المفارقات بمرور الأيام طبيعية ومعتادة فلا أهمية لخطرها ولا عزم على مواجهة فداحتها أو حتى الاكتراث لها؛ من قبيل أن يصعد نجم أحدهم فجأة شاعراً مميزاً أو مذيعاً مفوهاً وبلا مقدمات ونحن ندري أن نجوميته صنعتها الماكينة الإعلامية لا غير، ويبدو السياسي بارعا ونحريرا ونحن ندري أن من حوله هم الذين جعلوه يبدو بهذه الصورة وأنه بدونهم نكرة، أو أن الدولة (س) قوة مدمرة مع أننا نعلم أن السبب هو دعمها من قبل دولة أكثر منها قوة. وقد نصدق أن (ص) من الناس جهبذ مشهور بثقافته وفي الآن نفسه ندرك أن سر شهرته هو تطامنه مع المركز وخضوعه مدفوع الثمن لأجنداته متملقا أقطاب القوة مسخرا قلمه في خدمتها.
بيد أن أجدد المفارقات وأكثرها خطورة تلك التي صرنا نلمسها مع ما نسمعه من أخبار اللقاح المنتظر الذي سيقضي على كوفيد-19 منهياً حربنا المثيرة مع كورونا، مع أننا نعلم أن هناك تضارباً في هذه الأخبار، فمن ناحية يبدو أن إنتاج اللقاح وتوزيعه لن يكون قريباً أو يبدو أنه ـ كما يزعمون ـ سيكون في متناول الدول ذات الدخل المتوسط والضعيف والدول الأكثر فقرا ثم يستدرك على ما تقدم بصعوبات ما سميت بالـ(فجوة) في تمويل إنتاج هذا اللقاح عبر (مشروع سي تي اكسيليريتور-ACT accelerator ) الذي يتوقع منه أن يوفر أكثر من ملياري جرعة تقدم إلى خمسمئة مليون نسمة من الدول الفقيرة والضعيفة وكأن هناك نوعا من المزايدة في التباري على الإعلان عن هذا اللقاح.
وتزداد سخريتنا حين يصرح الرئيس الفرنسي عن إنتاج اللقاح وتوزيعه قائلا: “لن ننتصر على الفيروس عبر التخلي عن جزء من البشرية” ويناصره الرئيس الصيني بالقول: “يجب أن نضع حياة الإنسان فوق كل الاعتبارات” والأكثر دهشة هو تعهد دول صناعية كبريطانيا وأسبانيا ومؤسسات عالمية كالمفوضية الأوروبية بدفع أموال تسد الفجوة المالية في عملية إنتاج اللقاح والهدف المعلن هي الإنسانية جمعاء.
إن كل هذه الأنباء حول اللقاح والتي فيها تتظاهر الدول الكبرى بأنها تبحث عن خير الإنسانية هي مجرد ادعاءات وضحك على الذقون تداري بها على حقيقتها الرأسمالية الجشعة، الباحثة عما فيه ربح تجاري يحقق لها مصالحها المادية.
والدليل هو هذا التضارب في الأقوال، فالألمان يقولون لقاحنا سيضرب الفيروس على رأسه، وآخرون يقللون من خطر الفيروس مخمنين أنه في السنة القادمة سيكون مثل الزكام. والاتحاد الأوروبي يتوقع قرب البدء في التلقيح ضد كورونا بينما تتشاءم منظمة الصحة العالمية إزاء فاعلية اللقاح في إنهاء الجائحة. وبالمقابل تفتخر شركة بيونتيك أن لقاحها سيحقق لها أرباحا طائلة. فتتسارع بعض الدول على عقد صفقات لشراء ملايين الجرعات. وترامب ـ الذي خسر مصداقيته قبل أن يخسر معركته الانتخابية ـ صرح أن (لقاحنا) سيكون متاحا لكل أمريكي بحلول تشرين الأول/أكتوبر. وها هو أكتوبر ذهب والفيروس ما زال يحقق انتصاراته الوبائية لاسيما ضد الأمريكان الذين تجاوزت إصاباتهم العشرة ملايين وبلغت الوفيات أكثر من 240 ألف وفاة.
ومن يستحسن هذه المفارقات مصدقا نوايا الدول الكبرى ومواقفها الإنسانية؛ فإنه يتناسى أن تلك الدول بعجرفتها الإمبريالية ووحشيتها الاحتكارية كانت السبب الرئيس في الأزمة الصحية العالمية التي نعيشها اليوم أسبابا ونتائج.
ولو أن العالم المتقدم فكر بالعالم الأقل تقدما لما صرنا تحت وطأة هذه الجائحة التي كشفت عن أزمة كبيرة تعيشها البلدان الغنية والصناعية أعني الأزمة الأخلاقية. والسبب هيمنة المادية الوحشية عليها. فكيف لهذه البلدان أن تغير حالها وتظهر لنا بقلب رحيم يفكر بالضعيف قبل القوي ويقف إلى صف الفقير وليس الغني؟ وهل سيحل اللقاح السحري هذه الأزمة الصحية أم أن مناعة القطيع التي نتدارى بها على نية الانتصار أو الانهيار هي وحدها السبيل إلى حل تلك الأزمة؟ وكيف يكون في اللقاح أمننا واطمئناننا وما زالت الدول الكبرى صاحبة القرار الأممي تفكر بإنسانية ناقصة؟ وطبيعي أن تجعلنا مفارقة إنتاج اللقاح وتوزيعه إزاء أزمتين: أزمة الوباء الفيروسية وأزمة اللقاح اللوجستية، وهل يكون اللقاح مضادا للفيروس فعلا أم انه يتآزر مع الفيروس ضدنا بآثار جانبية لا يعرف مدى خطرها إلا الله وحده؟
لعل هذا التداري بالذرائع الإنسانية هي حسنة من حسنات الضارة (كورونا) التي أظهرت النظام العالمي على حقيقته بشعا وهو يضع الجنس البشري في قلق وخوف دائمين بالعزل والحجر والمرض والوقاية والتلقيح والتلفيق.
إن المفارقة في أن نعيش في القرن الواحد والعشرين بكل ما فيه من تطور تكنولوجي ونحن ما زلنا في تراجع إنساني وأخلاقي هي التي تتطلب منا تأملا لهذا العجز عن مواجهة الجائحة التي ستقارب محاصرتها لحياتنا عاما كاملا. وما من بوادر سوى ما تدعيه البلدان المتطورة من ذرائع إنسانية تبديها تجاه الدول الأضعف والأفقر، بها تردم إخفاقات سياستها المالية والمصرفية التي ما كان لها أن تفكر فيها لو أن الجائحة لم تباغتها وتضربها في عقر دارها فتضطر قائلة على مضض “لا يجدر أن يعيش المرء أو يموت تبعا للمكان الذي ولد فيه”.
وليس صعبا على أي متابع للأزمتين الصحية والأخلاقية أن يلمس التناقض في مواقف الدول القوية حيال الدول الضعيفة مستذكرا أن التاريخ الاستعماري لهذه الدول يؤكد أنها ما كانت لتفكر في من تستعمره إلا لأجل أن تحمي مصالحها وترسخ هيمنتها الاستعمارية فتبني الجسور مثلا وتفتح الطرق وتقيم محطات أو شركات أو موانئ. وهو ما يتوهم فيه بعضهم معتقدين أن الاستعمار خدم البلدان التي استعمرها. وهو الذي جعل البلدان المستعمَرة مناجم للمواد الخام التي يحتاجها في صناعاته وأسواقه.
واليوم تتأكد لنا مادية الدول الصناعية ولا إنسانيتها وهي تستغل الجائحة الراهنة لأغراضها الإمبريالية مبتغية الانتفاع من ورائها لا من أجل إنقاذ الإنسانية وإنما من أجل تعويض خسائرها الاقتصادية. الأمر الذي يجعل تلك الدول في تسابق محموم من أجل إنتاج هذا اللقاح. ومن ثم لا اعتبارات أخلاقية وإنسانية وإنما هي اعتبارات الدولار واليورو؛ فكيف تكون لصحة البشر قيمة في ظل نظام عالمي فكك الإنسانية بعولمته الخارقة وسلعن كل شيء في هذا العالم ذي الأقطاب المتضادة؟
والأمر لا ينطبق على حكومات هذه الدول فقط وإنما على مراكز النفوذ فيها بكل ما يعنيه النفوذ من مال أو علم أو فكر، فالمال يظل هو اللعبة المفتوحة النهايات التي ستستمر إلى الأبد وليس مهما بعد المال البشر أو الحيوان أو البيئة أو الحشرات أو الأحياء المجهرية.
إن من الأمور عظيمة الأهمية أن نمتلك نحن البشر فهما أساسيا للعالم متأملين من اللاعبين الحقيقيين فيه اتخاذ قرارات مصيرية تنفع حياتنا ومقدرات وجودنا. بعد كل تجاربنا في هذا الاستغلال والاحتكار نأمل من هذه الدول أن تفكر في من هو أضعف منها وأفقر مهتمة بالبحث عن لقاح أمين قليل التكلفة وسهل الحفظ متبرعة بتمويل أبحاث اللقاحات وهي التي ما تنفق المال إلا في سبيل ترسيخ هيمنتها ولهذا تحتكر العلم الذي يعني بالنسبة لها المال الذي به تضمن تفوقها الحضاري والتكنولوجي؟ وأين هي منظمة الصحة العالمية والدول الكبرى تتسابق في إنتاج اللقاح الموعود كأمور لوجستية وتوزيعية وتخزينية بها تمسك عصا الغلبة من الوسط فتوافق حينا مشككة أو متوجسة من لقاح معين أو تتحفظ حينا آخر غير موافقة ولا رافضة لقاحا آخر متذرعة بأن كوفيد-19 فيروس ليس سهلا التوقي منه وأنه مرض معقد جدا أو بأن الفاعلية التي ينبغي أن يكون عليها اللقاح ينبغي أن تزيد على 90 في المئة؟
وليس غريبا إذا قلنا إن مقاييس مجتمع السوق وقيمه التبادلية بالعرض والطلب هي التي ستتحكم في حياتنا ما بعد كورونا مثلما تحكمت فيها من قبل. وأن سلوكيات اقتصاد الأعصاب وليس الأخلاق هي التي ستُبقي على النظام العالمي جامحا نحو السيطرة والتسيد الكوسمولوجي ولا فرق بعد ذاك إن كان الجموح بالليبرالية أو بالديمقراطية أو كان بالابتزاز اللاأخلاقي أو بالانهيار المالي أو بتدمير البيئة.
وكلما ازدادت الأزمة شدة، اتضحت أحابيل النظام العالمي وازداد الارتياب بحلوله. وليس للبشر سوى التسليم للأمر الواقع تطبيعا وتطبعا بمناعة القطيع التي فيها تكون الإنسانية ناقصة وعلى المحك لا جسديا بالشفاء والبرء حسب؛ وإنما روحيا بالنجاة بما تبقى لها من قيم أخلاقية من دوامة هذه الدورة اللاطبيعية في الهيمنة والاستقطاب.

كاتبة عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية