لندن ـ «القدس العربي»: أوفت الجولة الختامية لدور مجموعات دوري أبطال أوروبا، بكل وعودها، بعدد لا بأس به من الوجبات الكروية الدسمة، التي أسفرت عن نتائج منها ما يندرج تحت مسمى “تاريخية” أو “مدوية”، وأخرى جاءت على عكس التوقعات، أو بالأحرى صادمة بالنسبة لجماهير الأندية الكبيرة، التي اكتوت بنار الحسرة والحزن على الخروج المبكر من البطولة الأوروبية العريقة.
سجل يا تاريخ
بالرغم من أن مواجهة برشلونة ضد يوفنتوس كانت مجرد تحصيل حاصل، بعد تأهل كلا الفريقين إلى مراحل خروج المغلوب في وقت مبكر، إلا أن حضور كريستيانو رونالدو وغريمه ليونيل ميسي، أعطى أهمية مضاعفة للمباراة، باعتبارها أول معركة بين الثنائي الفضائي، منذ أكثر من عامين ونصف العام، تحديدا منذ كلاسيكو ريال مدريد وبرشلونة في مايو/ آيار 2018، الذي انتهى بالتعادل الإيجابي بهدفين لمثلهما، وأيضا لاحتمال أن تكون الأخيرة بينهما، مع بدء العد التنازلي لانتهاء مسيرة الاثنين بحكم السن، وصعوبة تجدد اللقاء في الفترة المتبقية لهما في المستطيل الأخضر. وكما تمنى عشاق كرة القدم الحقيقية، تعامل معها البارسا واليوفي على محمل الجد، وليست كمباراة روتينية لتوفير طاقة اللاعبين وإراحتهم قبل استكمال الروزنامة المحلية المضغوطة حتى فترة أعياد الميلاد، ووضح ذلك في الالتحام القوي بين اللاعبين والصراعات الثنائية داخل الملعب، فضلا عن المنافسة والتكافؤ الواضح بينهما، على عكس مباراة “يوفنتوس آرينا”، التي تسيدها فريق رونالد كومان، في ليلة فعل فيها البرغوث كل شيء في كرة القدم، في غياب صاروخ ماديرا، لإصابته بفيروس كورونا أواخر الشهر قبل الماضي. وبالنظر إلى الأسباب التي جعلت سهرة الثلاثاء الماضي تبدو مختلفة تماما عن ليلة السقوط في تورينو بهدفين نظيفين، ما فعله المايسترو، بالتعلم من أخطاء المباراة الأولى، منها تعديل خطته باللعب بثلاثة مدافعين في الخلف، معتمدا على البرازيلي دانيلو كمدافع ثالث بجانب ليوناردو بونوتشي وماتياس دي ليخت، وأمامهم الثنائي الطائر خوان كوادرادو على اليمين وأليكس ساندرو على اليسار، وعلى الدائرة آرثر والمفاجأة ويستون مكيني وآرون رامزي بواجبات هجومية أكثر لعمل ربط مع رأسي الحربة كريستيانو وألفارو موراتا.
في المقابل، وكما قال كومان في تصريحاته مع الصحافيين بعد المباراة، لعب الفريق الكتالوني بنفس الإستراتيجية التي كان عليها في موقعة “يوفنتوس آرينا”، بالطريقة المفضلة للمدرب الهولندي 4-2-3-1. الفارق، أنه لم يعتمد على الغائبين بداعي الإصابة، كقائد الدفاع جيرار بيكيه وعثمان ديمبيلي، ليتلقى كومان ما وصفه بالدرس، بخسارة قاسية، وصل قوامها لثلاثية بلا هوادة، ولو أن هذا لا يقلل من المجهود ولا ما قدمه فريقه بوجه عام على مدار 90 دقيقة، والدليل على ذلك، التصفيق الذي ناله الأسطورة الحية جيجي بوفون، بتصدياته المذهلة، منها ما لا يقل عن 3 أهداف شبه مؤكدة، من أصل 7 اختبارات بين القائمين والعارضة، تجسيدا لما يُعرف بالتفاصيل البسيطة الحاسمة. هذا بخلاف، التأثير الكبير لشخصية رونالدو على اللاعبين وتركيزهم داخل الملعب، بجانب غيرته ورغبته في تحقيق الفوز على غريمه الأبدي وكسر عقدته مع شباك البارسا على مستوى بطولته المفضلة، فكان له ما أراد، بهز شباك الحارس الألماني تير شتيغن مرتين من علامة الجزاء، والتسبب في هدف ويستون مكيني، بفضل تحركه المرعب داخل مربع العمليات، والذي جعل المدافعين يتجهون نحوه، تاركين الصغير يطير في الهواء ليقابل العرضية النموذجية من اليمين، بتسديدة ولا أروع في شباك الحارس المغلوب على أمره، كأقوى رسالة تحذير من عملاق الكرة الإيطالية للبايرن وليفربول والريال وباقي المرشحين للقب، بتحقيق أكبر انتصار إيطالي في التاريخ على البارسا في “كامب نو”، قبل استئناف رحلة البحث عن أول كأس منذ منتصف التسعينات، بينما البلو غرانا، فقد بعث رسائل مخيفة لعشاقه حتى قبل منافسيه، مع الكثير من علامات الاستفهام حول قدرته على مقارعة الكبار أو على أقل تقدير، تفادي المصير المجهول على غرار ما حدث في الأعوام الثلاثة الأخيرة، بالخروج من البطولة بطريقة مُهينة بالنسبة لناد بشعبية برشلونة، كواحد من أشهر ناديين أو ثلاثة في العالم. لكن كما عودتنا هذه البطولة، دائما لا تعبر مرحلة المجموعات عن ملامح الفرق التي تذهب بعيدا في مراحل خروج المغلوب، لاحتمال تغير ظروف كل فريق إما إلى الأفضل أو الأسوأ مع استئناف المسابقة في منتصف فبراير/ شباط للعام الجديد.
النجاة من المقصلة
في اليوم التالي لقمة برشلونة ويوفنتوس، توجهت الأنظار صوب ملعب “ألفريدو دي ستيفانو”، لمتابعة الاختبار المصيري لريال مدريد أمام بوروسيا مونشنغلادباخ، تلك المواجهة التي دخلها زين الدين زيدان وفريقه تحت شعار “لا بديل عن النقاط الثلاث”، لتفادي فضيحة الخروج المبكر من البطولة المفضلة للنادي وجماهيره، وتجنب شماتة المنافسين والأعداء، باللعب في البطولة المهمشة “اليوربا ليغ” للمرة الأولى منذ ربع قرن، وكالعادة في الآونة الأخيرة، نجح الرجل الفرنسي ورجاله المخلصون، في الخروج من النفق المظلم، بالفوز بثنائية ذي الأصول الجزائرية كريم بنزيما، وبأداء أقل ما يُقال عنه جيد، في ظل الظروف الصعبة، التي كان وما زال يمر بها الفريق، لمعاناته مع لعنة الإصابات، التي حرمت المدرب من رفاهية المفاضلة بين اللاعبين، بل أجبرت في بعض الأحيان، على توظيف لاعبين في مراكز غير مراكزهم، كما اعتمد على فيرلاند ميندي كظهير أيمن، عندما افتقد الرباعي داني كاربخال وألفارو أودريوزولا وناتشو ولوكاس فاسكيز، ولمعرفة سبب التحسن الملموس في أداء ونتائج الميرينغي، بتخطي إشبيلية وغلادباخ في ظرف 3 أيام، بعد كارثتي ألافيس وشاختار دونيتسك، فتش عما فعله زيزو، بتغيير إستراتيجيته وعودته إلى مدرسة الواقعية، التي ساعدته على التتويج بلقب الليغا عقب العودة من توقف كورونا الطويل، والتي ترتكز في الأساس، على التوازن بين الدفاع والهجوم، أو بمعنى آخر، التفكير أولا في عدم استقبال الأهداف، وترك التقدم يأتي بلحظة إبداعية من كريم أو من ركلة جزاء أو ركلة ثابتة أو شيء آخر من هذا القبيل، ولعلنا نتذكر المباريات السبع، التي حسمها الريال بهدف نظيف أو بفارق هدف، من أصل مبارياته الـ11، التي خاضها في فترة ضغط الجدول بعد استئناف النشاط في يونيو/ حزيران الماضي.
وكانت تعليمات المدرب واضحة، بالتزام فاسكيز بأدواره الدفاعية في الجهة اليمنى، ونفس الأمر بالنسبة لميندي في اليسار، على أن يُحسن كل منهما اختيار توقيت التقدم إلى الأمام لعمل الزيادة الهجومية، كما صنع فاسكيز الهدف الأول لبنزيما، بعرضية أكثر من رائعة، أيضا لاحظنا تواجد كاسيميرو على مسافة قصيرة من رباعي الدفاع، وكان يتناوب معه على الدائرة توني كروس ولوكا مودريتش، حتى الجناحان المهاجمان رودريغو غوس وجونيور فينيسيوس، كانت لهما أدوار دفاعية، بالضغط المستمر على تورام والحسن بليا، لعدم إعطاء الاثنين مساحات واسعة لضرب الفريق من على الأطراف أو العمق، كما حدث في مباراة “بوروسيا بارك”، التي تلاعب فيها تورام بالمدافعين، لانعدام الرقابة عليه وتركه يُظهر فارق السرعات بينه وبين المدافعين، لكن في سهرة الأربعاء، اصطدم ابن مدافع فرنسا الأسطوري وباقي رفاقه، بصخور بشرية تتحرك ككتلة واحدة، لمنع أي خطر محتمل على تيبو كورتوا، وهذا ما انعكس على أرض الواقع، بظهور الريال في ثوبه الحقيقي، كمارد يعرف من أين تؤكل الكتف في هكذا مواعيد، وذلك يرجع في الأساس، لشخصية وخبرة وتمرس جيل “لا ديسيما” على التعامل مع الضغوط الكبيرة، كما قهروا برشلونة في “كامب نو” بثلاثية مقابل هدف في كلاسيكو الجولة السابعة، وافتراس أفاعي الإنتر ذهابا وعودة، في الوقت الذي كان يتجرع فيه من مرارة الهزيمة أمام فالنسيا بالأربعة وتعادل آخر مع فياريال، كأن كلمة السر أو شفرة هؤلاء اللاعبين، تأتي كلما اقترب الخطر من مستقبل مدربهم المحبوب.
وكما نعرف، كانت الشكوك تحوم حول مصيره، في حال ودع البطولة للمرة الأولى في التاريخ في مرحلة المجموعات، لكن كالعادة، عاد إلى الحياة كالقط ذي السبعة أرواح، ليحصل على دفعة جديدة من الاستقرار والهدوء، باحتلال صدارة المجموعة، بعدما كان في المؤخرة في أول جولتين بهزيمة وتعادل أمام شاختار وغلادباخ، دليلا على دهائه في هذه البطولة بالذات، التي يبدع خلالها في شحن معنويات اللاعبين، لإظهار شخصية كبير القوم ونادي القرن الماضي، وإلا لما أعطى ماركو روزي، درسا لن ينساه طيلة حياته، وهو عدم إعطاء ريال مدريد الأمان، والتعامل معه بحذر، خاصة عندما يكون كالوحش الذي يريد الثأر لنفسه بعد استفزازه على حين غرة، ولاحظنا مبالغة المدرب الألماني في أسلوبه الهجومي، باللعب بستاندر ستيندال وبريل إيمبولو بجانب الحسن وتورام، معتقدا أن الريال سيكون بنفس العقلية والحالة السيئة التي كان عليها في المباراة الأولى، حتى العودة المتأخرة في آخر 10 دقائق، بتسجيل هدفي التعادل عن طريق بنزيما وكاسيميرو، فدفع الثمن، بالتحسر على فريقه وهو يعاني لنقل الكرة إلى نصف الملعب الأبيض، اللهم إلا فرصة حسا بليا، التي ارتدت من الألواح الخشبية، عندما كانت النتيجة 1-0 لكتيبة زيدان، أما غير ذلك، فلو أعيدت المباراة 10 مرات، سيخرج الريال منتصرا في الـ10 مباريات، بعد ظهور الفارق الشاسع بين الدفاع في وجود القائد سيرخيو راموس وبدونه، بجانب الفوارق الفردية الكبيرة بين عناصر ريال مدريد ومونشنغلادباخ، شاملة الخبرة والتعامل بأريحية مع هذا النوع من المباريات، على عكس الفريق الألماني، الذي شارك من قبل مرتين فقط في دور المجموعات، ورغم أن صعود ريال مدريد إلى مراحل خروج المغلوب، كان أشبه بالولادة القيصرية المتعثرة، لكن مع عودة البطولة في الشهر الثاني للعام الجديد، سيكون على رأس المرشحين للذهاب بعيدا والفوز باللقب، خاصة إذا حالفه التوفيق، ولم يواجه مشاكل مع الإصابات بعد عطلة أعياد الميلاد.
ضريبة العناد والفقر الفني
في نفس مجموعة الريال، كان الإنتر على موعد مع كارثة جديدة، بتوديع دوري الأبطال مع أنطونيو كونتي، للمرة الثانية على التوالي من مرحلة دور المجموعات، بعدما أهدر فرصة على طبق من ذهب، بالاكتفاء بالتعادل مع شاختار بدون أهداف، في واحدة من أسوأ مباريات ملك الغرينتا في مسيرته التدريبية، كما وضح في عجز فريقه في عملية تدوير الكرة ونقله إلى الثلث الأخير من الملعب، تاركا كاسترو يسير المباراة كما يريد، بمنع لوكاكو ومارتينيز من استلام الكرة حتى على حدود منطقة الجزاء، ورغم المردود المتواضع للنيراتزوري على مدار أكثر من ساعة لعب، فلم يتحرك كونتي إلا متأخرا، عندما تنازل عن كبريائه وعناده على نفسه، بإعطاء دقائق قليلة للضحية كريستيان إريكسن، الذي حرك المياه الراكدة، بتسديدتين على المرمى، وتوزيع الكرة كمفتاح لعب بامتياز، كان يفتقده في أغلب أوقات المباراة، لكن من سوء الطالع، لم يسعفه لا الوقت ولا التوفيق لخطف بطاقة التأهل الثانية، بتسديدة لاوتارو التي ارتدت من العارضة، وفرصة أليكسيس سانشيز، التي أبعدها روميلو لوكاكو بالخطأ عن شباك الحارس توربين في اللحظات الأخيرة من عمر الوقت الأصلي، لينتهي ارتباط الإنتر بالمسابقات الأوروبية عند هذا الحد، باحتلال المركز الأخير، الذي لا يؤهل لليوربا ليغ. أما الصدمة الثانية، فكانت في خروج مانشستر يونايتد، بعد سقوطه في “ريد بول آرينا” على يد لايبزيج بنتيجة 3-2، تكرارا لما حدث قبل 4 سنوات، عندما كان الفريق في حاجة للتعادل مع فولفسبورغ، ليضمن التأهل إلى مراحل خروج المغلوب، لكنه خيب آمال جماهيره بالهزيمة بنفس النتيجة الملعونة 3-2. وبالنظر إلى الأسباب التي أدت للخروج هذه المرة، سنجد أنها من سذاجة المدرب أولي غونار سولشاير، وعدم تعلمه من دروس الماضي، أهمها سوء اختيار التشكيل الأساسي للمباريات التي يحتاج فيها تجنب الهزيمة، وعلى النقيض مما فعله زيدان، بإظهار الاحترام اللائق لبوروسيا مونشنغلادباخ، باللعب أمامه بطريقة متوازنة بين الدفاع والهجوم، غامر المدرب الاسكندينافي باللعب بطريقة هجومية بحتة، معتمدا على نصف قوام رئيسي بنزعة هجومية، ظنا منه أنه سيواصل غزاته بعيدا عن “مسرح الأحلام”، أو أن الفريق الألماني سيكون بنفس الرعونة والضعف، كما كان في بداية المجموعات، فكانت الضريبة باهظة الثمن، باستقبال 3 أهداف، ولولا ركلة الجزاء وهدف بوغبا المشكوك في صحته، لخرج بنتيجة كارثية. أما الفريق الأكثر نحسا، فهو كلوب بروج البلجيكي، الذي تخلى عنه الحظ في اللحظات الأخيرة، بارتطام كرة الهدف الثالث في مرمى لاتسيو والتأهل لدور الـ16 في العارضة في الدقيقة 90، ليصعد الفريق الإيطالي جنبا إلى جنب مع المتصدر بوروسيا دورتموند، بينما مفاجأة المجموعات، كان الحصان الأسود للنسخة الأخيرة أتالانتا، الذي حقق 3 انتصارات خارج ملعبه، على حساب ميتلاند وليفربول والأخير الفاصل على أياكس في قلب “يوهان آرينا كرويف”، دليلا على أن مشروع غاسبريني لم ينته بعد، وكما نعرف، لم تشهد باقي النتائج أو الفرق المتأهلة مفاجآت أخرى لم تكن متوقعة بالنسبة للمرشحين للتواجد في قرعة غد الإثنين.
المواجهات المحتملة
يبقى برشلونة المنحوس الأكبر في قرعة الغد، بعدما تورط في المركز الثاني، الذي سيجعله عرضه للاصطدام بدابته السوداء بايرن ميونيخ أو واحد من ثلاثي البريميرليغ مانشستر سيتي أو ليفربول أو تشلسي، أوائل مجموعاتهم، بالإضافة إلى هؤلاء باريس سان جيرمان أو بوروسيا دورتموند، بينما الفريق الملكي، فسينتظر واحدا من الرباعي أتالانتا وبورتو ولاتسيو ولايبزيج، نفس المنافسين المحتملين لحامل اللقب بايرن ميونيخ، لكن يخرج منهم مواطنه الألماني ويُضاف بدلا منه الثنائي الإسباني إشبيلية أو البارسا، بموجب لوائح البطولة، التي تمنع تصادم أندية نفس الدولة في بداية مراحل خروج المغلوب. كذلك بطل البريميرليغ ينتظر نفس الخصوم المحتملين لبايرن ميونيخ، يُستثنى منهم أتالانتا ويُضاف إليهم بوروسيا دورتموند أو لايبزيج أو أتلتيكو مدريد، فيما يعتبر أشرس منافس محتمل للريدز وليوفنتوس الذي سيتفادى فقط برشلونة وأتالانتا ولاتسيو من أصحاب المركز الثاني. أما باريس سان جيرمان، فسيتجنب فقط منافسه في المجموعة لايبزيج، لعدم وجود أندية فرنسية أخرى لا في المركز الأول ولا الثاني، فمن يا ترى ستبتسم له قرعة الغد ومن ستضعه في اختبار معقد؟ دعونا ننتظر لنرى ما ستسفر عنه مراسم القرعة.