بمناسبة تكريمه في مهرجان القاهرة السينمائي الـ 42: الكاتب وحيد حامد وسياسة اللعب مع الكبار

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تقديراً لمسيرته الفنية الطويلة والمؤثرة في الفن السينمائي المصري، تم تكريم الكاتب وحيد حامد من خلال مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الأخيرة، بحصوله على جائزة الهرم الذهبي التقديرية. ولا ينكر أحد مدى حرفية وحيد حامد ككاتب سيناريو، وكاتب حوار بالأساس، نظراً لبداياته ككاتب إذاعي. فالرجل يتمتع بذكاء فني شديد، وهو أحد أعمدة كَتَبة الحوار في السينما والدراما المصرية. كذلك تبدو أعماله في مجملها انتصاراً للإنسان المصري وأحلامه في حياة كريمة لا تتحقق إلا من خلال الحرية والأمل في المستقبل. وبهذه المناسبة يمكن استعراض السمات العامة لأعمال للكاتب الكبير، والتي أصبحت من علامات السينما المصرية الحديثة، فمن منا لا يتذكر أفلاماً مثل، “اللعب مع الكبار” و”الإرهاب والكباب” و”المنسي” و”النوم في العسل” ــ للثلاثي وحيد حامد وعادل إمام وشريف عرفة ــ وفيلمه العظيم اللافت والمؤثر “البريء” لعاطف الطيب، والكثير والكثير من الأعمال التي تجعل من حرية الإنسان همّها الوحيد، ولكن، هل هذه الأعمال هي كذلك بالفعل؟

السبعينيات

بدأ الكاتب وحيد حامد الكتابة للسينما بفيلم “طائر الليل الحزين 1977” من إخراج يحيى العلمي. وقد كانت أفلام تلك الفترة تتميز بانتقاد العهد الناصري، وما سُمّى بمراكز القوى، مصدر السلطة المطلقة والقهر والخوف، كرجال أي نظام شمولي. ومن هذه الأفلام “امرأة من زجاج” 77 نادر جلال و”آه يا ليل يا زمن” 77 علي رضا، وو”راء الشمس” 78 محمد راضي، و”إحنا بتوع الأتوبيس” 79 محمد عبد العزيز، دون أن ننسى أن هذا الحفل تم افتتاحه بفيلم “الكرنك” لعلي بدرخان 1976.
ولم يختلف الفيلم الأول للكاتب عن هذه النوعية من الأعمال، وركوب الموجة، ودون أي تحليلات أو تفسيرات مقنعة، بل عمد الفيلم، كغيره من الأفلام على الدعاية والتهليل للنظام الجديد.
لكن، الأكثر من ذلك هو الفكر الذي سيظل يلازمه طوال أفلامه، وهو تصوير الرجل السلطوي تصويراً مُبتذلاً ومُكرراً وسطحياً، يدعو لرثاء مُخيلته، لكن هناك هدفاً أهم، فرجل السلطة إما يعاني عجزاً جنسياً، أو شبه عجز، زوجته تخونه، أحد الأبناء مُصاب بمرض نفسي أو يُعاني من الإدمان! منها “طائر الليل الحزين، البريء، معالي الوزير” وهدف الكاتب وبالتالي السلطة التي يعمل في ظلها، هو تصدير الصورة الساذجة لممثل هذه السلطة، وتثبيتها في مُخيلة المُشاهد، هذه الصورة التي تعوض الجماهير نقصها، ورغبتها في التحقق، والأكثر أن أحد هؤلاء المظلومين (البطل) في “طائر الليل الحزين” على سبيل المثال، يأخذ بثأر المقهورين ويُضاجع زوجة رجل السلطة القوي!
فهذه الفئة كما تصورها الأفلام عموماً ــ وكاتبنا على الأخص ــ سواء رجال السلطة، الذين أصبحوا الآن الوزراء ورجال الأعمال هُم إما قوادون “المنسي، دم الغزال” أو كما سبق وذكرتُ من صفات، هذه الصفات نفسها التي استخدمتها السينما لتصوير رجال العهد الملكي بعد انقلاب تموز/يوليو. فهذه الصفات هي ضريبة فسادهم، وهذا يُغذي الاعتقاد الشعبي الساذج، ويحقق انتصاراً نفسياً لدى المُشاهد الذي يُقدس اعتبارات مثل الشرف والفحولة، حتى يصل به الأمر عند نهاية الفيلم بأن يحمد الله على الفقر وحالته ووضعه، دون أن يفكر فيما يحدث حوله، وقد انتقم له صانع الفيلم شر انتقام من أشباح السلطة التي تحيطه، ولا يراها إلا داخل قاعة العرض.

الثمانينيات

قدم حامد خلال عقد الثمانينات 20 فيلماً، بداية بفيلم “فتوات بولاق” 81 إخراج يحيى العلمي، حتى فيلم “الدنيا على جناح يمامة” 89 إخراج عاطف الطيب. وأهم هذه الأفلام من حيث الإثارة للجدل، والادعاء بالتميز بالجرأة ونقد النظام السياسي، والانتصار لحرية الفرد، هما، فيلما “الغول” 83 لسمير سيف و”البريء” 86 لعاطف الطيب. والذي من خلالهما سنجد أن تطور أدوات الكاتب، قد تماشى وطريقة تطور أداء ممارسة السلطة السياسية، التي تغيّرت تماماً عنه في ستينيات وسبعينيات القرن الفائت، إما بالدعاية لها، وتوطيد مركز النظام الجديد (فيلم الغول) أو تفريغ انفعالات الجماهير من جراء وطأة الظروف الاقتصادية وقوانين الطوارئ (فيلم البريء) وإن كانت الأحداث الواقعية قد فاقت تصور صُناع الفيلم والسلطة التي يعملون من أجلها.

البريء

انتهج النظام الحاكم في عهد المخلوع مبارك سياسة أخرى تخالف سياسة سابقيه، فقد تغيّر الموقف قليلاً وأصبح من الممكن انتقاد السلطة في الوقت الحاضر، دون الحاجة للترميز أو الإسقاط، أو حتى الاستناد للماضي. وكالعادة ــ لنلاحظ اللعبة ــ تقوم الرقابة بالرفض، فيتظلم صُناع الفيلم، وتبدأ الصحافة بالدعاية للفيلم الجريء المظلوم، فيأتي مسؤول أكبر، أكثر خبرة وحكمة وديمقراطية ليسمح بعرض الفيلم، فتصبح هذه الديمقراطية في جانب السلطة السياسية التي يُمثلها!
مع ملاحظة أن الظروف السياسية والاقتصادية في ذلك الوقت، ووجود قانون طوارئ ــ كنا لم نزل حديثي العهد به ــ كان لابد من صُنع فيلم يحاول تفريغ الانفعالات والكبت لأقصى حد ممكن.
وكما هي عادة كاتبنا في تحوير أدواته للخدمة الوطنية، فالساطور في الغول قد تحول إلى مدفع آلي في يد جندي الأمن المركزي. ثم جاءت ــ بالمصادفة ــ الأحداث لتخدم الفيلم ليصبح نموذجاً للعمل الفني المُدافِع عن حرية الإنسان، أو الحرية والإخاء والمساواة، أو أية حرية تختارها الدعاية التي هللت كعادتها أنه قد تنبأ، وأنه كذا، وكذا. ربما غاب عنهم ــ عن قصد ــ أن انتفاضة الأمن المركزي، لم تقم من أجل انتهاك حرية الجنود والقهر وخلافه، لكن هناك إشاعة قد تسرّبت بمد فترة تجنيد هؤلاء، كما كان لتجار المخدرات دوراً بارزاً في هذه الانتفاضة، للإطاحة بوزير الداخلية وقتئذ أحمد رشدي، الذي كان يحاربهم بشراسة.
من ناحية أخرى نجد أن كل فرد من جنود الأمن المركزي، ونحن نراهم اليوم، وإن كان يُلاقي سوء المعاملة وانتهاك الآدمية والقهر، وهذه المفردات المُستهلكة، نجده رغم ذلك يشعر بقيمة ما، ولو ضئيلة مقارنة بالمواطن العادي، فهو (جندي الأمن المركزي) جزء من هذه السلطة!

كليشيهات

إضافة إلى ذلك نلاحظ الثيمات المُكررة والغاية في السذاجة، رجل السلطة شبه العاجز جنسياً، والذي يشك في سلوك زوجته، المثقف اليساري المعتقل، وقد أصبح راكوراً أساسياً لهذه النوعية من الأفلام، المثقف الجامعي وثرثرته الجوفاء أمام مجلة الحائط بالجامعة، وجلبابه الكستور المقلم وهو في حجرته الضيقة، وهي مشاهد تذكرنا بأفلام الستينيات التي كانت تصور الحركات والتنظيمات الطلابية أيام المليك السعيد، وقد فعلها عسكر الجيش في النهاية!

التسعينيات

قلنا إن النظام الحاكم انتهج سياسة السماح بانتقاد السلطة، عبْر جميع وسائل الإعلام ومنها السينما بالطبع، في محاولة منه لامتصاص غضب وتوتر الجماهير، بما أن المسألة كلها أصبحت تتخذ صفة الـ SHOW. وقد تميزت التسعينيات بالعمليات الإرهابية ــ فالمشكلة ليست في المواطنين بل في الإرهابيين، فكان لابد من كَسب النوع الأول للتركيز في مواجهة الصنف الآخر ــ فساندت السينما الدولة في هذه المواجهة، وإن فعلت هذا بسذاجتها المعهودة. والكاتب إمعاناً في الحرية التي يدافع عنها دائماً، عليه تطوير أدواته، على المنوال نفسه من تطور أدوات السلطة، فقام بتبني خطاب رجل الشارع في أعماله، وهذه الجرأة المزعومة هي أخطر ما في الموضوع.
ولنتأمل مكمن الخطورة، فهو يسب الحكومة، يسخر منها، ويصف بعض رجالها بالفساد وبأنهم سبب البلاء، وهذا نفسه هو حديث المقاهي والشارع بين الناس. ثم يدخل المُشاهد دار العرض، وبدلاً من التلميح يجد حديثه وكلماته وعباراته مباشرة ينطقها الممثلون المحبوبون، فيصدق ــ أو يتوهم بالمعنى الدقيق ــ أن هذا العمل يُعبر عنه في صدق. ونظراً لطبيعة العرض الجماهيري، يجد المُشاهد نفسه متوحدا مع آخرين، يُشاركونه الآراء والأفعال والانفعال، ويشعر أن صوته هذا، هو ومَن معه (الجمهور) قد سمعته السلطة، التي هي سبب جحيمه، وأنه قد انتقم منها!
وتبدأ الجماهير بعد ذلك في الارتباك والتوهم، وصولاً لمغالطة المنطق، فالفيلم جريء ــ ظاهرياً ــ يتكلم لغتهم والبطل النجم يناقش ويُصارع ويسخر ويوجه الاتهام (اللعب مع الكبار، المنسي، الإرهاب والكباب، طيور الظلام، النوم في العسل، اضحك الصورة تطلع حلوة). والسلطة توافق على عرض هذه الأفلام، فهناك المزيد من الديمقراطية غير المسبوقة/المسبوكة، وهناك نوع من الحرية بالفعل. فيكتسب الكاتب صفة الجرأة والشجاعة، وتكتسب السلطة صفة الديمقراطية!!
فالنظام الحاكم في عهد المخلوع يُعد أذكي من سابقيه ــ ومن لاحقه بالطبع ــ في التعامل مع الجمهور، من خلال فكرة العرض، التي أصبحت النهج المثالي في كل شيء.
هذه لمحة سريعة عن أعمال كاتبنا الكبير، ولا يسع المجال لمناقشة الأعمال المقتبسة، والتي لم يُصرّح بمصادر أغلبها، وكذلك آراء النقاد، التي لا تتعدى حدود الإشادة والتهليل في أغلبها. وفي الأخير لا نجد سوى تهنئة كاتبنا بالتكريم والجائزة .. ألف مبروك وبالتوفيق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية