السرد والانفتاح الثقافي

في دراسة السرد، لابد من النظر إلى مادة السرد نفسه أي اللغة التي كُتِبَ بها على مستوى البنية والأسلوب، في ضوء المعايير والمقاييس المتبعة في تقييمه، وما يتصل بها من شعرية ونثرية، وتصنيف أشكاله المختلفة، التي خضعت كثيرا للنظرات الجزئية التي تقيس على أشكال سردية في حضارات أمم أخرى، جعلتها في مصاف النموذج الواجب احتذاؤه، أو تم التعامل معها بوصفها كتبا للتسلية، أو مراجع إخبارية فحسب، دون النظر إلى الجانب الفني والتشكيلي له، وأيضا كونه معبرا عن التقاء علوم عديدة، سيكون النص السردي – حتما – ميدانا لدراساتها.
ففي العقود الأخيرة، حدثت تطورات كبيرة في النظريات السردية، وأصبح السرد الأرض المشتركة التي يلتقي عليها الكثير من النظريات والتيارات النقدية والفكرية والفلسفية، ولم يعد ميدانا محصورا بالدراسات الأدبية والنقدية، لأنه ببساطة معبر عن الحياة، بكل تفاصيلها وأفكارها وتنازعاتها.
إن من بين المحدّدات إثارة النقاش في ما يتصل بالشرط ما بعد الحداثي الذي يُبرز الارتياب والشك في أشكال السرد الموروثة عن الماضي، التي تحيل إلى واقع بانيها أكثر ممّا تحيل إلى واقع الآخر، وإعادة النظر في علاقة الذات/ الآخر وتحريرها من شرك الفرضيات، التي يستحكم بها هاجس توكيد التفوق الغربي، الأمر الذي أتاح تبلور منظور مغاير للتفكير في الهويات الثقافية يتعالق فيه سرد الذات بالآخر، الذي تتغذى به وتتجدد.
فقد شكلت اتجاهات ما بعد الحداثة، مراجعات عديدة لكثير من المسلمات والمستقرات الفكرية والأدبية والنقدية، ومن أهم هذه المراجعات تدعيم البعد التشككي بوجهه الإيجابي، الذي يعني عدم القبول بالمسلمات المسبقة، خصوصا المبنية على تحيزات ثقافية وحضارية، ومن ثم إعادة النظر في العلاقة بين الذات والآخر، وتعني أن الباحث في التراث العربي مثلا، ينطلق من ذاته الحضارية في قراءته لهذا التراث، فماذا لو كانت ذات الباحث نابعة من حضارة غربية، لها انحيازاتها المختلفة، ولها موقفها المتراكم ضد الحضارة الإسلامية، وهذا ما انعكس في علاقة مستشرقيها وباحثيها بالتراث العربي. كذلك، من الأهمية بمكان، النظر إلى التراث العربي بوصفه يحيلنا إلى واقعه هو، وليس إلى واقع غيره، بمعنى أننا نقرأ التراث كمعبر عن الواقع الحقيقي، الذي صوره ونقله، وليس عن واقع نتخيله نحن من قناعاتنا. فاستطاع المنهج السردي Narration أن يكون ميدانا للقراءة التعددية الخصبة، ما يكشفُ عن الثراء والغنى الثقافي والاجتماعي للممارسة السردية، وأن أحد مظاهر التحوّل في هذا الفهم المتجدد للسرد، يتمثّل في كونه أضحى يتموقع في صميم التعبير عن الهوية والوجود، والنقد الثقافي للأفكار والمقولات المتصلبة، التي تشوّش على تطلع الأفراد والجماعات والثقافات، إلى العيش المشترك والاعتماد المتبادل.

لم يعد الانشغال بالنص هو الأساس والمبتغى، أي التركيز على ما هو داخل النص، من لغة وبنية وتشكيل، وإنما النظر إلى ما هو خارج النص، وكيف يتقاطع النص السردي معه، ويعبر عنه، وكيف ينعكس الخارج على داخل النص.

فلم يعد الانشغال بالنص هو الأساس والمبتغى، أي التركيز على ما هو داخل النص، من لغة وبنية وتشكيل، وإنما النظر إلى ما هو خارج النص، وكيف يتقاطع النص السردي معه، ويعبر عنه، وكيف ينعكس الخارج على داخل النص، مثلما لا نستطيع فهم إشارات المتن في النص إلا في ضوء دراستنا لما هو خارجه، بجانب الوعي، بأن النص ميدان لعلوم أخرى، تنهل منها، ويزداد ثراؤها وثراؤه. وتلك الرؤية، وفّرتها الدراسات الثقافية بوصفها حصيلة بناء نقدي تتداخل فيه المعارف، فهي لا تنهض على أساس منهج محدد، أو حقول للتفكير واضحة بما يكفي؛ فهي تقدم نفسها بوصفها شكلا في المناهج والنظريات المختلفة، تحاول أن تجعل النص السردي ملتقى للإشارات الثقافية والمعرفية.
ومن هذه الزاوية تكمن أهميتها في تركيز القراءة على قضايا وموضوعات لم تحظ بما يكفي من الاهتمام في النظريات النقدية الحداثية، ولا بد من القول بأن المسعى الأساس لدى الدراسات الثقافية كان منفتحًا وتعدديًا في أساسه؛ ذلك أن القراءة التي تبلورت في هذا السياق استندت إلى استراتيجيات تحليلية، ومنظورات تصورية تفكر في الخطابات الثقافية بوصفها ممارسات دالة، لا يستقيم الفهم بها إلا في إطار عمل تفكيكي يضيء أنماط العلاقة بين المعرفة والقوة من جهة، والثقافة والهيمنة من جهة ثانية.
في ضوء ما تقدم، من المهم مناقشة قضية المعايير الأدبية التي تتخذ بعدين: الأول: يتصل بالرؤية الحضارية الثقافية للسرد، وهي ليست رؤية واحدة وإنما رؤى، غلّبت الجزئي على حساب الكلي، فقدمتْ التراث السردي مهترئا، ممزقا، متناثرة مروياته، يفتقد إلى الخيال، وتغلب عليه الشفاهية، غير محدد الأشكال والأجناس، وإن وجدت بعضها فهي نبتت ثم ذبلت، دون أن تساهم في تطوير المنظومة السردية. لذا، كان من المهم الارتكان إلى الرؤية الكلية، ذات النظرة الحضارية، كي نحاول أن نناقش قضية المعيارية، وما ينبثق عنها من أسئلة.
والبعد الثاني: يناقش مشكلة النموذج/ الأشكال الواجب النظر إليها، فليس من المنطقي أن نبحث عن أشكال مسبقة في ذهن الباحث مستقاة من ثقافات أخرى، في تراث سردي له خصوصيته التكوينية، ولمتلقيه ذائقتهم المختلفة.
أما قضية الشعرية والنثرية، فتتصل بمادة السرد نفسه، فالفرضية التي تفرض نفسها بقوة: لماذا حصر التراث في شعر ونثر، علما بأن الوشائج بينهما كثيرة، وشائج لغوية وتركيبية وجمالية وأيضا سردية؟ والإجابة عن هذا السؤال، تتطلب فتح النقاش حول الشعرية والنثرية في الفكر النقدي العربي القديم، وكيف يمكن أن تكون هناك مداخل أو رؤى جامعة للاثنين، فإذا كان هناك شعر يفيض بالخيال والعاطفة، فإن هناك نثرا له مزايا الشعرية نفسها، لكن بلا وزن ولا تقفية، وإذا كانت هناك أشكال قصصية نثرية، فإننا نجدها أيضا في لوحات شعرية فريدة، مثلما نجدها في متن القصائد المطولة، فالنظرة ليست اثنينية/ ثنائية التوجه، أي تحصر الإشكالية في بعدين، وإنما تبحث عن مشتركات بين الاثنين، وتحاول أن تؤكد على أن التقسيم لنثر وشعر، قابل للنقاش والمراجعة، خصوصا لو نظرنا إليهما من منظور السرد، ناهيك من أن النثر فيه من الرحابة في التشكيل ما يجعله يفيض بأشكال قصصية لا آخر لها، يمكنها استيعاب الشعر.

٭ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية