القاهرة – «القدس العربي»: المخرج الألماني الكبير فولكر شلوندورف هو أحد الشخصيات التي اختارها مهرجان القاهرة السينمائي في دورته السادسة والثلاثين ليمنحه جائزة نجيب محفوظ تكريماً له وتقديرا لمسيرته السينمائية التي بدأها مع أول أفلامه القصيرة «من يهتم؟» في عام 1960 عن الفرنسيين الذين يعيشون في مدينة فرانكفورت الألمانية، وأتبع هذا بمشاركته في إخراج الفيلم الوثائقي القصير «متوسط» الذي لاقى استحسان النقاد وأثنى عليه المخرج الكبير جان لوك غودار.
وفي عام 1966 أخرج شلوندورف أول أفلامه الطويلة بعنوان« Der junge Törless » وهو مأخوذ عن رواية من السيرة الذاتية للأديب النمساوي غوبرت موزيل، ويحكي عن الميول السادية، العنيفة والبطولية لدى مجموعة من الشباب في مدرسة عسكرية في النمسا في بداية القرن العشرين، وهو ما تم اعتباره وقتها تصويراً لحال المجتمع الألماني فيما قبل الحرب العالمية الأولى، ليشارك الفيلم في مهرجان كان السينمائي ويفوز بجائزة «فيبرسكي» الممنوحة من الاتحاد الدولي لنقاد السينما. ورغم إن شلوندورف لم ينضم رسمياً بشخصه لـمانفيــســـتو «أوبرهاوزن» الذي دشن حركة السينما الألمانية الجـــديدة في عام 1962، إلا أنه تم النظر إلى هذا الفيلم بوصفه أحد الأفلام المعبرة عن الحركة.
وحظي فيلمه التالي «درجة من القتل» باهتمام واسع لكونه معبراً عن موجة الثقافة المضادة التي انتشرت في العالم الغربي خلال فترة الستينيات وسعت إلى تغيير الثقافة العامة بالمجتمعات الغربية، حيث شارك بتأليف موسيقى وأغنيات الفيلم بريان جونز مؤسس فريق رولينغ ستونز الذي كان له تأثير بالغ في تلك الموجة.
اعتمد شلوندورف في العديد من أعماله على نصوص أدبية، وكان أول إنتاجاته فيلم (الشرف الضائع لـ كاترينا بلوم) المأخوذ عن رواية هنريتش بول الحائز على جائزة نوبل. وتناول الفيلم حمى الخوف من الإرهاب التي اجتاحت ألمانيا في حقبة السبعينيات، كانعكاس لموجة المكارثية التي تفجرت في الولايات المتحدة خلال الخمسينيات. أيضاً اقتبس رواية «الطبلة الصفيح» للأديب الألماني الشهير غونتر غراس الحاصل على جائزة نوبل، ونال الفيلم جائزة السعفة الذهبية من مهرجان كان السينمائي في عام 1979، وكذلك جائزة أفضل فيلم بلغة أجنبية في حفل الـ 52 لتوزيع جوائز أكاديمية العلوم والفنون «الأوسكار». وقدم شلوندورف عام 2014 أحدث أفلامه «ديبلوماسية» الذي عرض في مهرجان برلين السينمائي في دورته السابقة.
شلوندورف قال خلال المؤتمر الصحافي الذي عقدته إدارة مهرجان القاهرة على هامش حفل تكريمه انه فؤجئ بقرار المهرجان حيث انه زار القاهرة مرة واحدة خلال الستينيات مع صديق له أثناء تصوير أحد المشاهد، وأضاف انه رحب بدعوته لزيارة مصر خاصة بعد التغييرات السياسية التي توالت عليها خلال السنوات الماضية.
وأوضح ان السينما أيضا تطورت ولم تتوقف عند حدود شاشة العرض لكنها الآن أصبحت في متناول الجميع بسبب التقدم التكنولوجي الذي أصاب العالم، فأصبح الإنسان يمكنه ان يشاهد أي فيلم في العالم وهو في بيته، وأضاف ان إقامة مهرجان القاهرة تمثل فرصة حقيقية لصناع الأفلام لعرض أعمالهم، ولمشاهدة أعمال اخرى بثقافات مختلفة، وأشار الى انه لم يتابع ما حدث في السينما المصرية خلال السنوات الماضية الا عدد قليل من الأفلام التي كانت متاحة على «يوتيوب» خاصة الأفلام المستقلة.
وعن فيلمه الأخير «ديبلوماسية» قال انه تأثر بالأحداث التي مرت على المانيا بعد الحرب العالمية الثانية حتى انه عاصر بعضا من أحداث الفيلم ومثلت جانبا مهما من حياته الشخصية، أردت ان أطرح تساؤلا من خلال الفيلم ، عنوان الفيلم هو الرسالة التي أردت ارسالها الى العالم ، أين هي الديبلوماسية وسط كل هذا الدمار ووسط كل هذه الحروب التي يشهدها العالم؟ ليست هناك طريقة اخرى غير استخدام القوة لحل الأزمات، الشخصية الرئيسية في الفيلم حاولت ان تحارب بأفكارها الشخصية ضد الأفكار السائدة حولها، وعندما حاول ان يحل الصراع في أفغانستان تم استبعاده من جانب حكومته، التاريخ يعيد نفسه بطريقة أو بأخرى، فالحكومات العسكرية الحالية تفضل ان تحل مشاكلها بالقوة وليس باستخدام الحلول الديبلوماسية، بل أحيانا تعيق من يفكر في الحل السلمي كما حدث مع بطل الفيلم.
وأضاف: «بعد زيارتي لمصر ولبنان في الستينيات قررت ان اخرج فيلما عن الصراع العربي ، الصراع في فلسطين منذ عام 1948 ما زال قائما ولابد ان تؤخذ فيه خطوة للامام باستخدام الديبلوماسية، فتدمير الشعوب ونشوب الحروب يدمران الحضارات، ولا يمكن ان نعيش بدون تاريخ ولا حضارة».
وقال: «حاولت في الفيلم ان اجد الإجابة على السؤال، هل وجود القرية نفسها هو الأهم أم وجود تاريخها وحضارتها؟ ولكن الاختيار كان لوجود التاريخ هو الأهم لأنه من يذكرنا دائماً بمستقبلنا».
وقال انه صدم عند سماعه خبر عضوية الكاتب الألماني غونتر غراس في الحزب النازي، وهو الذي عمل لسنوات على تحويل رواياته الى أعمال سينمائية، أهمها كان فيلم «طبلة الصفيح» الذي فاز بالسعفة الذهبية في مهرحان كان السينمائي، كشف في السنوات الأخيرة انه انضم للحزب النازي وهو في السابعة عشرة من عمره ، ولم يصرح غراس بهذه المعلومة الا بعد سنوات طويلة، فبعد انهيار النازية أخفى معظم أعضاء الحزب غير البارزين هويتهم خوفاً من مطاردتهم، بعد نهاية الحرب كان أعضاء الحزب السابقين منبوذين، دائماً عندما يحدث تغيير في المجتمع يرفض جزء من الماضي، كما يحدث الآن في بعض البلاد العربية، والتي وضعت عـلامات على كل من كان ينتمي للأنظمة التي أطاحت بها».
وعن تجربته في السينما الأمريكية قال شلوندورف: « انه لم يعمل في هوليوود لكنه عمل في نيويورك وهي المدينة التي ترعى السينما المستقلة بعيداً عن الاحتكار الهوليوودي، كانت تجربة ناجحة لكنها توقفت عام 1989 عند سقوط جدار برلين، عدت الى المانيا ولم اتركها بعد ذلك، هناك ميزانيات كبيرة لدعم الأفلام في فرنسا والمانيا، تنتج الأفلام قليلة التكلفة لكنها ليست ذات قيمة أو مستوى فني كبير، خاصة مع اختفاء ما يسمى بـ «الأرت سينما» وهي مجموعة سينمات كانت مفتوحة في الستينيات لعرض الأفلام الفنية، لكن هذه السينمات اختفت مما تسبب في وجود صعوبات لانتشار هذا النوع من الأفلام، التمويل في أوروبا ليس مشكلة بقدر صعوبة التوزيع، الأوضاع في التوزيع متغيرة نتيجة التطور التكنولوجي».
واختتم حديثه قائلا: «ما أخشاه حقاً ان تختفي المشاهدة السينمائية الجماعية في ظل التقدم التكنولوجي الذي يجعل الجمهور يشاهد الأفلام بوسائل أخرى، مثل «الدي في دي» والانترنت، السينما والمهرجانات تصنع نوعا من الإلتقاء بين المشاهد وشاشة العرض، وصناع الفيلم».
رانيا يوسف