الناصرة- “القدس العربي”:
تواصل مؤسسة الدراسات الفلسطينية استحضار سيرة مثقفين وسياسيين فلسطينيين تتقاطع سيرهم الذاتية مع الرواية التاريخية الفلسطينية، وهذه المرة توقفت عند إسحق موسى الحسيني، وهو أديب وناقد ولغوي ومترجم وأحد أوائل الأكاديميين الفلسطينيين.
طبقا لتقرير المؤسسة، تتلمذ الحسيني في القاهرة على يد أعلام كبار مثل الأديب طه حسين، وأستاذ الفلسفة الإسلامية مصطفى عبد الرازق؛ كان يعتقد أن الأديب الحقيقي لا يمكنه مع تمسكه برسالته الفنية، إغفال حال الأمة التي يعيش فيها ومن أجلها، معتبراً أن رسالة الأديب الفلسطيني هي رسالة كفاح من أجل الحياة تنحو نحو تحبيب الناس بالأرض التي يعيشون عليها.
ولد إسحق الحسيني في حارة السعديّة في القدس في أسرة عريقة ذات حضور وطني وديني بارز، وفي بيت تقوى وعلم وأدب. والده موسى، والدته من عائلة الداودي، أخواه: محمد وإبراهيم. زوجته هي عُلويّة الحسيني، أولاده: نَوار، حاتم، بِشر. كان أبوه منتمياً إلى الطريقة الرفاعيّة الصوفيّة، فأرسله إلى الكتاتيب ليتعلّم القرآن، غير أن والده توفي وهو ما زال في السابعة من عمره، فنقلته والدته إلى التعليم النظامي.
تنقّل الصبي بين مدارس عدّة في القدس، التحق بـ”المدرسة الرشيدية” وعمره لم يتجاوز السنوات العشر، ثم انتقل إلى “مدرسة سلطان سليم” حيث تعلم اللغتين العربية والتركية. وبعدها التحق بـ”الكلية الصلاحية” سنة 1915 ودرس فيها التربية الإسلامية واللغة العربية وبعض مبادئ اللغة الفارسية، وبقي فيها حتى أغلقتها سلطات الاحتلال البريطاني في سنة 1917. انتقل إلى “مدرسة الفرير” حيث أمضى سنتين ليلتحق بعد ذلك بـ”الكلية الإنكليزية المعروفة باسم “كلية الشباب” وفيها أنهى تعليمه الثانوي، كما درس فيها اللغة العربية على يد الأستاذ نخلة زريق الذي شجّعه على التخصّص بدراستها.
بين القاهرة ولندن
سافر اسحق موسى الحسيني إلى مصر في خريف 1923 لمواصلة تعليمه الجامعي، فالتحق بالجامعة الأمريكية في القاهرة حيث أمضى سنتين حصل في نهايتهما على دبلوم في الصحافة. عاد بعدهما إلى القدس وعمل معلّماً في “المدرسة الرشيدية” غير أنه رجع ثانية إلى القاهرة سنة 1926 والتحق بكلية الآداب في “الجامعة المصرية” (جامعة القاهرة لاحقاً) وهو عام افتتاحها، حيث تتلمذ على أعلام كبار مثل طه حسين، ومصطفى عبد الرازق وأحمد أمين. ونال شهادة الليسانس سنة 1929، فكان في الدفعة الأولى للمتخرّجين في الجامعة.
بعد ذلك حصل من القدس على بعثة لإكمال دراساته العليا في بريطانيا، فسافر في العام نفسه إلى لندن حيث التحق بمعهد الدراسات الشرقية في جامعة لندن. ثم بعثه المعهد في سنة 1933 إلى ألمانيا لدراسة اللغات السامية في جامعة غوتنغن، فأمضى فيها فصلين دراسيين. وتخرّج في جامعة لندن سنة 1934 حاصلاً على دبلوم في اللغات السامية، وعلى شهادة الدكتوراه عن أطروحته عن ابن قتيبة التي وضعها تحت إشراف المستشرق هاملتون غِب؛ وكان أول فلسطيني يحصل على هذه الدرجة العلمية في الآداب من هذه الجامعة.
المدرسة الرشيدية والكلية العربية
عاد إسحق الحسيني إلى القدس ليعمل مدرّساً في “المدرسة الرشيدية” لمدة وجيزة، ثم في “الكلية العربية” في الفترة بين سنتي 1934 و1946 وبعدها عمل مفتشاً أول للغة العربية في مدارس حكومة فلسطين حتى سنة 1948. في تلك الأثناء أسهم في إنشاء “لجنة الثقافة العربية” في فلسطين سنة 1945، وشغل منصب سكرتيرها العام. وقد أقامت اللجنة سنة 1946 معرض الكتاب العربي الفلسطيني الأوّل في نادي الاتحاد الأرثوذكسي العربي في القدس، وضمّ 800 كتاب تقريباً باللغة العربية وعدداً من الكتب بلغات أجنبية، وجميعها من تأليف مؤلفين فلسطينيين، ومعظمها من مكتبته الخاصة. وقد وضع الحسيني مقدّمة فهرس كتب المعرض وأعرب فيها عن الأمل الذي يراود الفلسطينيين بإنشاء دار كتب عربية مركزية في القدس تجمع ما تضمّه فلسطين من التراث العلمي والأدبي العربي.
بين حلب وبيروت
تلاشى هذا الأمل وضاعت معه آمال عشرات الآلاف من الفلسطينيين بحلول نكبة 1948، واحتلت القوات الصهيونية الحي الغربي الذي كان يقيم فيه، واضطر الحسيني إلى مغادرة القدس واللجوء إلى حلب ومنها إلى بيروت سنة 1949 ليعمل أستاذاً في الجامعة الأمريكية حتى سنة 1957. وقد أعارته الجامعة سنة 1952 إلى معهد الدراسات الإسلامية في جامعة “ماكجيل” في كندا، حيث درّس مدة عام. غادر بيروت إلى القاهرة ليدرّس في الجامعة الأمريكية هناك، وبقي فيها حتى تقاعده سنة 1963. ودرّس أيضاً في “معهد الدراسات العربية العالية” التابع لجامعة الدول العربية “معهد البحوث والدراسات العربية” لاحقاً، وتولّى فيه رئاسة قسم البحوث الفلسطينية، وأسهم في تأسيس “لجنة القدس للأبحاث والدراسات” وتولّى رئاستها. وبعد تقاعده من الجامعة الأمريكية عاد إلى جامعة “ماكجيل” ودرّس فيها حتى سنة 1969، وحاضر في عدد من الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية، ليعود بعدها إلى القاهرة ويبقى فيها حتى سنة 1973.
العودة إلى القدس
بعد تلك الغربة الطويلة عن القدس، التي كانت إسرائيل قد احتلتها بكاملها سنة 1967، قرّر العودة إلى مسقط رأسه ليعيش تحت الاحتلال في مدينته التي عشقها وتبنّى قضيّتها وعمل على إحياء تراثها وتأكيد عروبتها من خلال كتاباته ومحاضراته. ولم يتوقف في إقامته المقدسية هذه عن المشاركة في النشاط الأدبي والثقافي، ولازمه العديد من الباحثين والطلاب ليستفيدوا من علمه الغزير وخبرته الواسعة. كما أسس مركزاً للبحوث الإسلامية في بيت أستاذه محمد إسعاف النشاشيبي في القدس.
وقد انتُخب في سنة 1982 عضواً في مجلس أمناء كلية العلوم والتكنولوجيا في “جامعة القدس” ورئيساً لـ”كلية هند الحسيني للآداب للبنات” في الجامعة. وأقيم له حفل تكريم كبير في تلك الكلية يوم 16 شباط/ فبراير 1986 بمناسبة تجاوزه سنّ الثمانين، شاركت فيه عشرات الهيئات والمؤسسات والمراكز العلميّة والجامعات الفلسطينيّة بالإضافة إلى جامعة “ماكجيل”.
في هذا المهرجان الثقافي الكبير بايعه الأدباء والكتاب والصحافيون الفلسطينيون عميداً للأدب العربي الفلسطيني في وثيقة وقّعها نحو 200 شخصية فلسطينية.
كان لإسحق الحسيني حضور ونشاط في عدد من الهيئات العلميّة: ففي سنة 1961 اختير عضواً في “المجمع العلمي” في بغداد، ثم انتخب عضواً في “مجمع اللغة العربية” بالقاهرة، وفي العام التالي انتخب عضواً في “مجمع البحوث الإسلامية” التابع لجامعة الأزهر.
متعدد المواهب
إسحاق موسى الحسيني أديب وناقد ولغوي ومترجم، وهو الأكاديمي الفلسطيني الأول المتخصص في الدراسة الأدبية بحثاً وتعليماً، فاستحق بذلك لقب أستاذ الجيل ورائد الدراسة الأدبيّة في فلسطين. تنوّعت اهتماماته وكتاباته، فلم تقتصر على الإبداع الأدبي والبحوث النقدية واللغوية، بل تعدتهما إلى معالجة عديد المسائل التي شغلت أمّته وجيله من قضايا نشر التعليم على أوسع نطاق باعتباره وسيلة وحدة وطنيّة وردّاً على التحديات التي تواجه البلدان العربية التي دعا إلى وحدتها من منطلق إيمانه بالقومية العربية، وتجديد اللغة العربية وتطويرها لتجاري العصر، إلى العناية بالقدس وأعلام فلسطين بحثاً وتأليفاً وتعريفاً.
وقد نال تقدير وطنه وأمّته، فمنحه رئيس منظمة التحرير الفلسطينيّة، ياسر عرفات “درع الثورة” في احتفال جرى في بيروت في كانون الثاني/ يناير 1982، ونال “وسام العلوم والفنون” من الطبقة الأولى من جمهورية مصر العربية في آذار/ مارس 1983.
توفّي إسحق الحسيني في القدس في 17 كانون الأول/ ديسمبر 1990 عن عمر ناهز ستة وثمانين عاما. ومن أبرز أعماله “رأي في تدريس اللغة العربية”، “علماء المشرقيّات في إنكلترا”، “مذكّرات دجاجة”، “عودة السفينة”، “سلسلة طرائف الأطفال”، “هل الأدباء بشر؟”، “الإسلام في نظر الغرب”، “أزمة الفكر العربي المعاصر”، “ألفاظ معرّبة والمدخل إلى الأدب العربي المعاصر”، “خليل السكاكيني الأديب المجدد”، “محمد إسعاف النشاشيبي” وغيرها من الدراسات والكتب بالعربية والإنجليزية.