لم أفهم كيف يمكن لأشخاص عاقلين أن يشتروا خدعة “السلام” مع “الدول العربية المعتدلة”. فهذه صفقات ليس بينها وبين السلام شيء، ولها صلة واضحة بهدف هو النقيض للسلام – الحرب.
تنطوي معظم اتفاقات التطبيع على صفقات سلاح ومساعدات استخبارية. يدور الحديث عن دكتاتوريات. كل دكتاتور، بمن فيهم من يتشكل، يحتاج إلى عدو لغرض بلورة الشعب ولقوات أمن وحفظ نظام كي يدافع عن الدولة، بما في ذلك ضد أعداء داخليين. هذا ينطبق أيضاً على إسرائيل نتنياهو، والولايات المتحدة ترامب. لقد حاول ترامب قتل الديمقراطية الأمريكية، فركله الشعب الأمريكي. أما عندنا فهذا أكثر تعقيداً، لأن الأغلبية في الشعب، بوعي أو بغير وعي، مناهضة للديمقراطية (انتظروا إلى أن تدفعوا الثمن). وفي هذه الأثناء يحتفلون “بالسلام” مع أبو ظبي، والسودان، والمغرب والبحرين، وفي بوتان. وفي إسرائيل ثمة من يعتقد بأن اتفاقات التطبيع تعطينا يداً حرة لقمع عنيف في القطاع والضفة. الفرضية (المغلوطة) بأن الدول المطبعة لا يهمها الفلسطينيين، ستفحص إذا ما وعندما تقع هنا حملة عسكرية أكبر يقتل فيها فلسطينيون بأعداد كبيرة.
درة تاج التطبيع هي السعودية. لا تزال في حالة انتظار. هذه دكتاتورية تقتل المعارضين، تخوض حرباً دينية قبلية في اليمن وسوريا وليبيا.
درة تاج التطبيع هي السعودية. لا تزال في حالة انتظار. هذه دكتاتورية تقتل المعارضين، تخوض حرباً دينية قبلية في اليمن وسوريا وليبيا. كجزء من التطبيع وقعت على صفقة سلاح أمريكية بالمليارات. ومثلما في قصة الغواصات لمصر، فإن إسرائيل نتنياهو لم تعارض بيع سلاح يحطم التعادل لدول التطبيع رغم أن القانون الأمريكي يؤيد معارضة من هذا القبيل.
أبو ظبي هي الأخرى ستحصل على سلاح محطم للتعادل. سابقاً خاضت حرباً في اليمن، واليوم تخوض حرباً للسيطرة على ليبيا. في بداية كانون الثاني من هذا العام تدرب نحو 50 فتى من خريجي أكاديمية الشرطة في طرابلس في ساحة الطوابير، فأطلقت قوات أبو ظبي صاروخاً صينياً هناك وقتل 26 منهم. وأنت تتساءل ما الذي تفعله هذه التفجيرات في ساحات طوابير الشرطة وتتذكر بأن قنبلة إسرائيلية قتلت 80 شرطياً كانوا يتدربون على النظام قبل حملة الرصاص المصبوب. أما السودان الذي تمزقه الحروب الأهلية فتلقى مقابل التطبيع إذناً بتبييض جرائم الحرب، التسلح ورخصة للقتل في جنوب السودان.
البحرين هي جارة جزيرة للسعودية، وهكذا أيضاً بوتان هي دولة دنيا بسيطرة الهند. ناريندرا مودي، حاكم الهند، هو مستهلك كبير للسلاح ويبدي أعراضاً واضحة لدكتاتور يتشكل؛ فقبل أسبوع فقط اعتقل بأمر من زعماء المعارضة الذين انضموا إلى احتجاج المزارعين الهنود.
دولة محمد السادس (المغرب) هي الأخرى ستشتري مقابل التطبيع السلاح وبرامج التجسس بمليار دولار، ورخصة لضم أراض في الصحراء وقتل البوليساريو، حركة سرية وطنية في الصحراء. وعشرات الدول، معظمها في إفريقيا، اعترفت بجمهورية قبائل الصحراء، بما في ذلك القوى العظمى الكبرى الأمم المتحدة. الجزائر، التي تحاذي المغرب والصحراء الغربية، تدعم البوليساريو بشكل نشط، أي استمرار الاحتكاك الدامي. وتقتبس الـ “نيويورك تايمز” الباحثة الكبيرة في المنطقة، فتقول: “في هذه المرحلة من موافقة ترامب، يعدّ هذا إعلانا فقط. وعليه، يمكن لبايدن بسهولة أن يقول إن إدارته تعارض ذلك وتؤيد الوصول إلى تسوية بوساطة الأمم المتحدة، بدلاً من إعلان من طرف واحد من الإدارة في أواخر أيامها”. وصرح السناتور الجمهوري، جيم آينهوف، بأنه “خائب الأمل من قرار الولايات المتحدة المتاجرة بحقوق سكان الصحراء”.
وكتب الصحافي المغربي عبد السلام المساتي، بأنه “قد يكون هناك من يرى في بيان تطبيع العلاقات مسألة صعبة ومهينة، ولكن ينبغي أن نتذكر بأن قيادة ترامب غير مستقرة، ويجب الأخذ بالحسبان أن يكون بيانها عديم المعنى مع دخول بايدن إلى البيت الأبيض”. ما هو صحيح أيضاً بالنسبة للاتفاق النووي مع إيران ومكانة القدس وهضبة الجولان في إسرائيل.
ولا يزال: النتائج الراهنة للتطبيع هي إنجاز حقيقي لسياسة اليمين لنتنياهو. وسحابة الدخان للمستمتعين بالحياة في دبي بمساعدة مراسلين للشؤون العربية ممن باتت لهم مواضيع مثيرة للتغطية، تنجح في إخفاء إخفاقات عميقة في الحرب الحقيقية في غزة والضفة وسوريا ولبنان وإيران. ففي كل هذه الجبهات نخسر استراتيجياً ونغطي على ذلك بقصف تصفيات. وبالعروض العابثة لـ “السلام” في دول لم نخض ضدها حرباً. في هذه الأيام، يتدحرج قطار سلام نتنياهو على صوتين يرافقان الحملة كلها: الواحد هو جئناكم بالسلام مع دولة عربية أخرى، والثاني انظروا كم أنا عظيم. القطار يدوس الحقائق في طريقه: لم توقع أي معاهدة سلام مع أي دولة عربية. فبالإجمال تم تبادل وثائق التطبيع، التي هي وثائق نوايا مع مذاق تجاري بإسناد من إدارة انقضى زمنها.
أقترح على كل رجل يمين يعتقد بأن السلام بأسلوب نتنياهو هو مسار يتجاوز الفلسطينيين، أن يفكر مرة أخرى قبل أن ينطلق برقصات شعبية عربية معتدلة.
أما الأمر الأكبر فيأتي من الجانب الخفي والتحت أرضي للتطبيع. فخطوات نتنياهو تساهم مساهمة عظيمة لحل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني. وبالطبع ليس بإرادتنا أو بإرادة نتنياهو. فقد حصل له هذا عندما تنازل عن الخليل، عندما صوت في صالح فك الارتباط، وعندما جمد البناء في الضفة، وهذا يحصل له اليوم. لا شك على الإطلاق بأن خطوات الإدارة الأمريكية الجديدة ستطرح مطلب المؤتمر الدولي الذي يبحث في المسألة الإسرائيلية في الموضوع الفلسطيني. كل الدول العربية المعتدلة ستكون هناك إلى جانب الولايات المتحدة، وروسيا، والصين وأوروبا الغربية. وخمنوا ماذا سيكون على جدول الأعمال؟ صحيح. حدود 67 وتدويل القدس.
أقترح على كل رجل يمين يعتقد بأن السلام بأسلوب نتنياهو هو مسار يتجاوز الفلسطينيين، أن يفكر مرة أخرى قبل أن ينطلق برقصات شعبية عربية معتدلة. وليكن واضحاً: لا يوجد شيء سيئ في العلاقات العلنية التي تنسج مع الدول العربية المعتدلة. فليس بيتار هو ما يشتريه محمد من أبو ظبي… بل القدس. صحيح أن من يصرخ هم صيصان لا فاميليا، ولكني مقتنع بأن معدة زعماء المستوطنات تتقلب. فالتفكير بكتائب الجلابيب البيضاء تسير نحو الحرم الشريف تقض مضاجعهم. وهذا ليس بتسلئيل سموتريتش وحكايات هيكله – هذا لباب مشروع الاستيطان. نتنياهو يتحدث عن استثمارات استراتيجية (ميناء حيفا الجديد)، وبينما يتحدث المال الجميع يسكت.
تعمل حكومة اليمين لسنوات على جعل “العربي” شيطاناً. والمسيرة التي تجري اليوم تقبل بالعرب كشركاء متساوين، ومع المال الكبير – شركاء يساوون أكثر. وبدلاً من العرب الذين يتدفقون كي يبيدونا فإنهم يتدفقون الآن لإنقاذنا من كارثة اقتصادية. بداية سيأتي محمد من البحرين ومن دبي، ولاحقاً مع مساعدة علاجية حازمة من جانب العالم كله، سيأتي محمد من نابلس ورام الله. انظروا وابحثوا قليلاً عن بن زايد، حاكم دبي ومخترق الطريق إلى التطبيع: فهو ليس صلاح الدين الذي يصل إلى القدس مع السيف. فهو يصل مع سلاح فتاك أكثر بكثير. مع دفتر شيكات. كصاحب المال. وإذا كان هذا ما نحتاجه كي نغلق زاوية المسيح في بوابة المستوطنين، فأهلاً وسهلاً بابن زايد. في موضوع حقوق الإنسان لديك سنهتم بعد أن نعالج حقوق إنسان الفلسطينيين لدينا.
بقلم: ران أدليست
معاريف 18/12/2020