بريطانيا وماراثون لقاح كوفيد ــ 19

صادق الطائي
حجم الخط
0

بدأت السلطات الصحية في بريطانيا حملة التطعيم بلقاح “فايزر- بيونتيك” المضاد لفيروس كوفيد-19 يوم الثلاثاء 8 كانون الأول/ديسمبر لتصبح بذلك أول دولة تنشر برنامج تطعيم واسع النطاق، وأصبحت مارغريت كينان البالغة تسعين عاما، أول شخص في العالم يتلقى اللقاح في مستشفى في كوفنتري في وسط إنكلترا. اللقاح المستخدم في الحملة تم تطويره وإنتاجه من تحالف شركتين أمريكية وألمانية، وقد أعلنت الهيئة التنظيمية للأدوية ومنتجات الرعاية الصحية في بريطانيا أن اللقاح يوفر حماية بنسبة 95 في المئة، وأنه آمن للاستخدام على نطاق واسع.
الإسراع في القرار الحكومي البريطاني لإطلاق حملة التطعيم كانت بسبب الوضع الصحي الذي سببته الجائحة، إذ مثلت المملكة المتحدة البلد الأكثر تضرراً في أوروبا مع قرابة 61500 وفاة. وقد أعلنت السلطات الصحية أن تلقي اللقاح لن يكون بأي حال من الأحوال إجباريا، إلا إن حملات التوعية والإعلان عن أهمية اللقاح اإنتشرت بشكل مكثف في بريطانيا، وضمن هذا السياق ذكرت الصحف البريطانية أن الملكة إليزابيث الثانية البالغة 94 عاما، وزوجها الأمير فيليب البالغ 99 عاما سيحصلان على اللقاح قريبا، وقد يحصل ذلك في مكان عام لتشجيع الناس على الاقتداء بهما.

هل باتت نهاية الكابوس وشيكة؟

يشير علماء المناعة إلى أن لقاح كوفيد-19 الذي أنتجته شركتا “فايزر- بيونيتك” يمثل خطوة مهمة في التاريخ الإنساني في مجال إنتاج اللقاحات، لانه يعد الأسرع في تاريخ علم المناعة، إذ المعروف أن إنتاج اللقاحات، ووصولها إلى مرحلة التعاطي الآمن تأخذ عادة عدة سنوات، إلا إن خطورة وباء كورونا وحشد الجهود العلمية عالميا أدى إلى الإسراع بالأمر والوصول لهذه النتيجة المبهرة.
وقد قدمت جهات مختصة تعريفا بماهية اللقاح المستخدم في بريطانيا، إذ ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” في تقرير لها، إن لقاح فايزر- بيونيتك هو نوع جديد من اللقاحات يُطلق عليه (mRNA ) إذ يستخدم في إنتاج هذا اللقاح أجزاء دقيقة من الشفرة الوراثية للفيروس من أجل تدريب الجسم على مكافحة فيروس كوفيد-19 وبناء مناعة ضده. ولم يُقر لقاح من هذا النوع من قبل للاستخدام البشري، لكن البعض حصلوا عليه خلال مرحلة التجارب. ومن مواصفات اللقاح وجوب حفظه في درجة حرارة 70 تحت الصفر، لذلك سيجري نقله في صناديق خاصة تحوي ثلجا جافا، لكن يمكن أن تحفظ اللقاحات لمدة خمسة أيام في الثلاجة بعد وصولها إلى المراكز الصحية المختصة التي ستستعملها في حملتها.

40 مليون جرعة

السلطات الصحية المختصة في المملكة المتحدة قدمت طلبات للحصول على 40 مليون جرعة تكفي لتطعيم 20 مليون شخص، لأن الجرعة ستكون مزدوجة، كما تم الإعلان عن حوالي 50 مستشفى على أهبة الاستعداد لتنفيذ حملة اللقاحات في المملكة المتحدة، وجرى تجهيز مراكز للتطعيم في عدة أماكن شملت قاعات المؤتمرات. الحملة التي ابتدأت يوم 8 كانون الاول/ديسمبر ستستمر لعدة أشهر، وسيتم تنفيذها وفق جداول وضعت لها معايير محددة حسب حاجة المواطنين. لكن المختصين أشاروا إلى نقطة مهمة وهي ضرورة توخي الحذر، واتخاذ الخطوات اللازمة لمنع انتقال العدوى ووقف انتشار الفيروس، وهذا يعني أن هناك ضرورة للتقيد بإجراءات التباعد الاجتماعي واستخدام الكمامات وفحص الناس الذين يشتبه بحملهم للفيروس وعزلهم أثناء تنفيذ حملات التطعيم.
المفارقة أن عدد الاصابات ارتفع بعد أيام من إطلاق حملة التطعيم مجددا نتيجة التخفيف من إجراء الإغلاق، مما دفع الحكومة إلى إعلان التشدد مجددا وإطلاق تعليمات إغلاق الحانات والمطاعم والفنادق في لندن للمرة الثالثة منذ بدء انتشار الوباء، وسيستمر الإغلاق حتى بدء عطلة أعياد الميلاد.
وتعليقا على إطلاق حملة التطعيم ومستقبل التعاطي مع الجائحة قال وزير الصحة البريطاني مات هانكوك “أمامنا مسيرة طويلة، لكن هذا يمثل بابا للخروج” وأضاف “أشعر بعواطف متضاربة هذا الصباح، وإني سعيد ومبتهج” لكنه أكد أيضا على “أننا كدولة يجب أن نبقى متماسكين معا”. كما عبر هانكوك عن أمله في أن توافق الجهات المختصة على اللقاح الثاني، الذي طورته جامعة أكسفورد وشركة أسترازينيكا للأدوية، في الأسبوعين المقبلين. من جانبه عبر بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني عن شكره للعاملين في التأمين الصحي والعلماء في قطاع الصحة، وأضاف أن 2020 كان عاما “مروعا” لكن الحياة ستعود إلى “طبيعتها” في الأشهر المقبلة.

نظريات مؤامرة جديدة

تزامنا مع إطلاق حملة التطعيم في بريطانيا أُثيرت موجة جديدة من نظريات المؤامرة حول لقاحات كوفيد-19 بشكل عام، ولقاح “فايزر- بيونتيك” بشكل خاص، وقد أثار خبر إصابة اثنين من كبار السن ممن أخذوا اللقاح ببعض الأعراض الجانبية نتيجة معاناتهم من الحساسية إلى إطلاق موجة رعب تبنتها مواقع إخبارية، وجهات تعمل على ترويج الإشاعات على منصات التواصل الاجتماعي. التصريح الرسمي حول ما حدث صدر عن السلطات الصحية البريطانية يوم 9 كانون الأول/ديسمبر والذي أوصى بعدم استخدام لقاح “فايزر- بيونتيك” المضاد لفيروس كورونا المستجدّ للأشخاص الذين يعانون من “حالات حساسية شديدة”.
كما أثارت عدد من المواقع الإخبارية لغطا حول أنباء عن تتحدث عن وفاة ستة أشخاص خلال التجارب السريرية على لقاح “فايزر- بيونتيك” ما أثار ذعر كثيرين. علماً أن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية “FDA” كانت قد أفادت في تقريرها بأن أربعة من هذه الوفيات كانت من المجموعة التي تم اعطاؤها لقاحاً وهمياً ولم تتلق أبداً لقاح “فايزر- بيونتيك” أما حالتا الوفاة الأخريتان، فكانتا في فئة كبار السن ولأسباب لا علاقة لها باللقاح، كما أكدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على عدم وجود مخاوف تتعلق بالسلامة. وبناءً عليه فقد أعطت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الجمعة 11 كانون الأول/ديسمبر الترخيص على طلب الاستخدام الطارئ للقاح كوفيد-19 الذي تقدمت به شركة “فايزر- بيونتيك” في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، على أن تتبعها تراخيص مشابهة للقاحات أخرى في القريب العاجل.

اللقاح والاقتصاد البريطاني

بات من المعروف أن الاقتصاد البريطاني يعاني الكثير من الأزمات بسبب عدم حسم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي باتفاقات واضحة، إذ لم يتوصل الطرفان حتى الآن إلى اتفاق يسمح بالتجارة المعفاة من الرسوم الجمركية، اعتبارا من الأول من كانون الثاني/يناير المقبل. وحتى مع وجود اتفاق غائم، يخشى كثير من المصدرين تأخيرات طويلة في الموانئ بسبب المتطلبات الجمركية الجديدة.
هذا التوتر أثر بشكل كبير على الاقتصاد البريطاني، إضافة لذلك عانت بريطانيا من تأثير الإغلاق العام لعدة اشهر بسبب جائحة كورونا، مما تسبب برفع معدلات البطالة إلى مديات غير مسبوقة، وأصيبت قطاعات اقتصادية مهمة كشركات الطيران والنقل وقطاع السياحة بأضرار كارثية تطلبت تدخل الدولة لدعم هذه القطاعات وحمايتها من الانهيار. وقد نبه وزير المال البريطاني ريشي سوناك قبيل إطلاق حملة التطعيم إلى أن الاقتصاد البريطاني يتعرض لـ”ضغوط هائلة” بسبب فيروس كوفيد-19.
خبر إطلاق اللقاح لعب دور المحرك الأساسي لبعض التعافي الذي شهده سوق الأسهم البريطانية، فمع إعلان موعد بدء حملة التطعيم في المملكة المتحدة مطلع شهر كانون الأول/ديسمبر تفوق مؤشر فايننشال تايمز 100 في لندن على معظم نظرائه في المنطقة، بعد أن صرحت الجهات الرسمية في بريطانيا عن بدء استخدام اللقاح.
وذكرت شركة يوغوف لاستطلاعات الرأي، في تقرير لها، إن ثقة المستهلك البريطاني تحسنت بشكل طفيف مع أخبار إطلاق حملة التطعيم ضد فيروس كوفيد-19. وأضافت أن مؤشرها لثقة المستهلكين ارتفع بشكل واضح، كما أظهر مسح قامت به الشركة أن المصانع البريطانية سجلت أسرع نمو فيما يقرب من 3 سنوات، إذ خزنت المواد الخام وسارعت لاستكمال أعمالها قبل أن تدخل القواعد الجمركية الجديدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ في الأول من كانون الثاني/يناير.
بداية نهاية الجائحة ابتدأت في بريطانيا، وأصبح هناك أمل في الخروج من عام كارثي، وقد عين رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، وزير الدولة للأعمال، ناظم حارث الزهاوي للإشراف على توزيع لقاح فيروس كوفيد-19. ونقلت صحيفة “الغارديان” البريطانية، أن السياسي البريطاني المولود في العراق لأسرة كردية سيشرف على نشر اللقاح حتى الصيف المقبل على الأقل. ومن جانبه غرد الزهاوي على تويتر قائلا؛ “مسؤولية كبيرة وتحد كبير، لكني ملتزم تماما بالتأكد من أننا نستطيع طرح اللقاحات بسرعة لإنقاذ الأرواح”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية