الدينار الجزائري تحت رحمة تعافي سوق النفط وخطط تنموية حقيقية

رضا شنوف
حجم الخط
3

مع نهاية السنة الجارية سجل الدينار الجزائري تراجعا كبيرا في قيمته لم يشهدها من قبل، وفق أرقام كشف عنها بنك الجزائر، بعد أن بلغ سعر صرف سعر صرف 1 دولار مقابل الدينار 132.22 دينارا في شهر كانون الأول/ ديسمبر. وضع يطرح العديد من التساؤلات حول السقوط الحر لقيمة الدينار الجزائري، وانعكاساته على الاقتصاد وعلى القدرة الشرائية للمواطن البسيط.
تحدد قراءات المختصين في مجال الاقتصاد العديد من الأسباب التي تقف وراء تراجع قيمة الدينار الجزائري، خاصة خلال هذه السنة الذي شهد فيها تراجعا غير مسبوق في تاريخ العملة الجزائرية، والتي ربطت أساسا بتراجع مداخيل البلاد من العملة الصعبة بسبب انهيار سعر النفط، الذي ساهمت فيها بشكل كبير جائحة كورونا، وما سببت من انكماش للاقتصاد العالمي، حيث ينتظر ان تبلغ إيرادات صادرات المحروقات حوالي  23 مليار دولار مقابل 33 مليار دولار السنة المنصرمة.
ويرتبط الاقتصاد الجزائري بشكل وثيق بعائدات صادراتها من النفط التي تتجاوز 90 في المئة من مداخيل الدولة من العملة الصعبة، وفشلت كل الخطط الاقتصادية خلال العقود الماضية، في تنويع الاقتصاد الجزائري خارج قطاع المحروقات، بالرغم من اعتمادات مالية ضخمة سخرت لإنعاش قطاعات الخدماتية والصناعية والفلاحية.
ويفسر ذلك عدم تحرك أرقام النمو الاقتصادي في الجزائر نحو الأعلى وبقائه في مستوى منخفض ومتوسط معدل النمو على الرغم من تجاوز استيراد السلع والخدمات بالعملة الأجنبية 1000 مليار دولار ما بين بين 2000/2019.

 أسباب “السقوط الحر” للدينار

 تتعدد الأسباب الكامنة وراء تراجع قيمة الدينار في الجزائر، فحسب الخبير الاقتصادي الدكتور سليمان ناصر فإن “البنك المركزي (بنك الجزائر) يقوم بتحديد سعر صرف الدينار وفق متغيرات أساسية ينظر إليها كل عام، وأهم هذه المتغيرات: الميزان التجاري وميزان المدفوعات، أسعار ومداخيل البترول واحتياطي الصرف، حجم النفقات العمومية، التنافسية والإنتاجية بين الداخل والخارج. لكن في نفس الوقت يأخذ بعين الاعتبار وبين الحين والآخر تغيرات أسعار سلة من العملات أهمها الدولار واليورو باعتبارهما أهم العملات في تجارتنا الخارجية.
وتعتمد الجزائر تحديد سعر الصرف نظام بسعر الصرف العائم المدار، أي حسب الدكتور سليمان ناصر في حديثه إلى “القدس العربي” يخضع لبعض “المتغيرات وأهمها تلك التي ذكرناها سابقاً، وبما أن هناك تدهوراً في المتغيرات المذكورة سابقاً بمعنى أن هناك عجزا في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، وتراجعا في مداخيل النفط بسبب انهيار الأسعار بعد جائحة كوفيد-19، التآكل السريع في احتياطي الصرف الذي يعتبر النواة الصلبة لدعم العملة، ضعف إنتاجية الاقتصاد الوطني”. ووفق المتحدث فإن هذه المؤشرات “لا يمكن تعافيها في الأجل القصير، فقد أعلنت الحكومة في قانون المالية 2021 بالتنسيق طبعاً مع بنك الجزائر عن تخفيضات في سعر صرف الدينار تقدر بـ 5 في المئة سنوياً ولمدة ثلاث سنوات مقبلة أي إلى غاية 2023 وذلك لربح الفارق في سعر الصرف خاصة بعد انخفاض مداخيل المحروقات ولدعم أكبر لعجز الموازنة، وهذا حتى لا يتم اللجوء إلى حلول أخرى كالاستدانة أو التيسير الكمي”.
ويشير الدكتور سليمان ناصر وهو أستاذ الاقتصاد بجامعة ورقلة إلى انه “تبعاً لتوقعات هذا القانون من المنتظر أن يصل سعر الدينار الجزائري 156.8 مقابل الدولار سنة 2023”.
من جهته يقول الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمان مبتول إن “الوضع الاقتصادي في شهر كانون الأول/ديسمبر 2020 مقلق، بسبب تراجع أسعار النفط والغاز وغياب إصلاحات بعيدة المدى للعودة إلى تحقيق النمو” في ظل بقاء “واردات المؤسسات العمومية والخاصة بالجزائر من المواد الخام والمعدات في حدود 85 في المئة”. يضاف إلى ذلك مناخ “انعدام الثقة وانخفاض قيمة العملة وتدهور القوة الشرائية”. ويقول المتحدث بإن هذا الوضع يمكن أن يقود البلاد “إلى طريق مسدود بدون خطة تعافي حقيقية”.
وحسبه حتى المشاريع التي يمكن إطلاقها فإن الأرباح لن يتم جنيها إلى بعد ثلاث سنوات للشركات المتوسطة والصغيرة، وما بين ست وسبع سنوات بالنسبة للمؤسسات الكبرى أي ما بين 2024/2028. وعليه يقول الدكتور عبد الرحمان مبتول إن “الوضع الراهن انتحاري ويتطلب قفزة وطنية لا يمكن أن تأتي إلا من الجزائريين أنفسهم”.
وشهدت الجزائر تدهور قيمة الدينار منذ نهاية سنة 2014 بفعل تراجع أسعار المحروقات، وحسب الصحافي الاقتصادي سليم لعجايلية مدير موقع “ايكو ألجيريا” فإن الحكومات المتعاقبة كانت “تتعمّد تخفيض قيمة الدينار لتضخيم المداخيل المحصلة بالدينار من صادرات المحروقات لمواجهة عجز ميزانية الدولة المتزايد”. فحسبه بعدما “كان سعر صرف الدينار لا يتجاوز 80 دينارا للدولار الواحد أصبح لزاما توفير لكل دولار واحد أكثر من 100 دينار بعد ثلاث سنوات. وهو ما يعني ان مداخيل الميزانية التي يتم إعدادها بالعملة الوطنية (الدينار) تكون أعلى إذا تراجعت قيمة الدينار، الأمر الذي تم من خلاله تغطية جزء من عجز الميزانية”.
ويرى الصحافي سليم لعجايلية في تصريح لـ”القدس العربي” أن هذه الخطة لم تكن كافية لمواجهة عجز الميزانية المتواصل لسنوات لاحقة، فتم اللجوء إلى وسيلة أخرى وهي إصدار وطبع النقود دون أن يكون للعملية ما يقابلها في الاقتصاد الحقيقي. فمن الطبيعي أن يتواصل تراجع القدرة الشرائية للدينار، إنه التضخم الذي يتحمل عبأه كل الجزائريين”.
ويتوقع مشروع قانون المالية لسنة 2021 أن تبلغ نفقات الميزانية حوالي 8113 مليار دينار، بينما يقدر إجمالي الإيرادات الضريبية (العادية والنفطية) بـ 5328 مليار دينار، أي عجز قياسي في الميزانية قدره 2784 مليار دينار أي ما يعادل 21.75 مليار دولار مقابل 18.60 مليار دولار في إغلاق 2020. وحسب الخبير الاقتصادي عبد الرحمان مبتول فإن العجز الكلي للخزينة سيكون في حدود 3614.4 مليار دينار بما يعادل 28.26 مليار دولار بنسبة 17.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وتحيل هذه الأرقام إلى المصاعب التي تواجه الاقتصاد الجزائري، في ظل تراجع عائدات الجباية البترولية، في وقت تبقى نفقات الميزانية تقريبا على نفس مستوى السنوات السابقة، ما ساهم في تآكل احتياطات البلاد من العملة الصعبة، التي كانت في حدود 200 مليار دولار سنة 2014 وأقل من 57 مليار دولار منتصف السنة الجارية.
ولجأت الجزائر إلى طبع النقود بعد استنفاد صندوق استقرار البترول لتمويل عجز الموازنة، بعد أن لجأ البنك المركزي إلى هذه الآلية من منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2017 إلى نيسان/ أبريل 2019 بعد أن تم طبع ما قيمته 55 مليار دولار، أي ما يعادل 32 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2018. وحسب الخبير مبتول فإن هذه الخطوة سيكون لها تأثير سلبي مع مرور الوقت.
في حين يرى الإعلامي سليم بن عبد الرحمان أنه “تم اعتماد خيار إصدار وطبع النقود بما عليه من مساوئ على الجزائريين، تجنبا للخيار الثاني المتمثل في الاستدانة الخارجية التي تُفقد الدولة الجزائرية سيادتها ولو جزئيا خصوصا فيما يتعلق بمواقفها الثابتة” في إشارة إلى مواقفها السياسية من قضايا دولية منها فلسطين والصحراء الغربية.

 انعكاسات سلبية

ويلمس تأثير تراجع قيمة الدينار وما نتج عنه من الزيادة في التضخم على اكثر من مستوى، أي المستوى الاجتماعي والقدرة الشرائية للمواطنين، وأيضا تأثيراته على الأداء الاقتصادي.
ويقول الدكتور سليمان ناصر إن تراجع قيمة الدينار مقارنة بقيمة العملات الصعبة، “ربما يعطي القيمة الحقيقية بشكل أكبر للدينار الجزائري بسبب هذا التعويم (رغم أنه جزئي وليس تعويما كاملا)” لكنه بالمقابل حسبه “سوف يضر كثيراً بالقدرة الشرائية للمواطن الجزائري والتي هي متدهورة أصلاً” ويفصل في هذا السياق قائلا بأن “هذه التخفيضات سوف تؤثر على تلك القدرة إما بشكل مباشر وذلك من خلال زيادة أسعار السلع الاستهلاكية المستوردة كمنتجات تامة، أو بشكل غير مباشر من خلال زيادة أسعار المواد الأولية التي تدخل في صناعة كثير من المنتجات المحلية مما يؤدي في النهاية إلى زيادة تكلفتها وبالتالي أسعارها في السوق”.
أما الصحافي سليم لعجايلية فيرى إن تأثير التضخم على الأسر معروف، حيث “إنه يضرب قدرتها الشرائية فيصعب حالها، بعد أن اعتادت طوال السنوات التي شهدت ارتفاع أسعار البترول على إنفاق متزايد غير مبرر اقتصاديا، في غياب الإنتاجية”. لقد كانت وفقه “رفاهية مزيّفة يقوم التضخم بالقضاء عليها تدريجيا”.
وفي قراءته على تأثيرات وانعكاسات تراجع  قيمة الدينار على المستوى الاقتصاد الوطني، فيقول الدكتور سليمان ناصر بأنه “بالإضافة إلى التضخم وزيادة الطبقة الفقيرة على حساب الطبقة المتوسطة نتيجة لما ذُكر سابقاً، فإن عدم استقرار سعر صرف العملة وتدهورها باستمرار سيكون عاملاً طارداً للاستثمارات الأجنبية والتي تبذل الدولة جهوداً لاستقطابها من خلال إلغاء قاعدة الاستثمار 51/49”. ويؤكد الخبير الاقتصادي بأن “المستثمر الأجنبي يبحث عن الاستقرار السياسي والقانوني وأيضاً استقرار سعر صرف العملة ولو بشكل نسبي، لأن تدهور قيمة العملة سوف يؤثر على حجم أرباحه عند التحويل إلى عملة صعبة”.

 حلول لمواجهة انهيار الدينار

أمام هذا الوضع الاقتصادي الهش الذي يطبعه تراجع قيمة الدينار، وفي ظل تراجع العائدات النفطية خاصة هذه السنة بسبب ما خلفته جائحة كورونا، يضع الخبراء عددا من الاقتراحات والتصورات التي يمكنها ان تساهم في خروج البلاد من عنق الزجاجة، فبحسب الدكتور سليمان ناصر يجب “إيقاف التسيير الإداري لسعر صرف الدينار، ثم وضع برنامج زمني تدريجي وله أجل محدد ونهائي لتعويم الدينار الجزائري بشكل كامل وبالموازاة مع إصلاح أنظمة الدعم وحماية الطبقات الهشة التي ستتضرر من خلال هذا التعويم التدريجي” ويضيف قائلا “يجب الإسراع قدر الإمكان في تطبيق برامج مستعجلة وفعالة لإنعاش الاقتصاد الوطني وتنويعه حتى تكون هناك مداخيل أخرى للعملة الصعبة كالصادرات خارج المحروقات والسياحة عوض الاكتفاء بمصدر وحيد لها حالياً وهو المحروقات”.
ويقترح المتحدث أيضا “الاعتناء بمورد هام جداً لم يُحسن استغلاله للأسف لحد الآن وهي تحويلات المهاجرين والتي تعتبر مورداً هاماً للعملة الصعبة في بلدان أخرى عربية أو مجاورة” ومن أجل نجاعة العملية يشترط الخبير الاقتصادي الدكتور سليمان ناصر “القضاء على السوق الموازية للعملة الصعبة والتي تستقطب حالياً معظم تلك التحويلات لأنها تعطي للمهاجرين سعراً أحسن وبالتالي لا تجد طريقها لدعم احتياطي الصرف للبلاد، هذه التحويلات وفي حال تهيئة الظروف المناسبة لها يمكن أن تبدأ من حوالي 3 مليار دولار سنوياً وتصل بعد سنوات قليلة إلى 8 مليار دولار أو أكثر بالنظر لوجود حوالي 7 ملايين مهاجر جزائري يعملون خارج البلاد”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية