خلال الفترة التي تولى خلالها وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني مسؤولية وزارة الثقافة، وعلى مدار عشرين عاماً تقريباً، كانت إدارة العلاقات الخارجية في الوزارة هي الأكثر نشاطاً وحيوية، وقد أدى نشاطها الملحوظ إلى إسناد مهمة رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي إلى شريف الشوباشي، لتفوقه في التعامل مع ملف الثقافة الخارجية، إبان رئاسته للإدارة المذكورة منتصف التسعينيات، فتمت الاستعانة به ليكون سفيراً للنوايا الحسنة، ومُفعلاً للثقافة السينمائية في المحيط الإقليمي والدولي.
ورغم تميز الأداء الثقافي الخارجي في تلك الفترة، إلا أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، أثرت سلباً في العلاقات الخارجية المصرية بشكل مباشر، فأدى ذلك إلى فقدان جزء كبير من التواصل بين بعض العواصم الأوروبية ومصر في المجال الثقافي التنويري على وجه الخصوص، وظلت هناك مساحة شاغرة في النشاطات الإبداعية لم تستطع جهود الدبلوماسيين المصريين تعويضها إلا بعد مرور فترة طويلة على أحداث 11 سبتمبر، وإعادة تطويع العلاقات مرة أخرى في ضوء حزمة من الإجراءات الأمنية والسياسية والدبلوماسية، التي خضعت لها المنطقة العربية والشرق أوسطية بالكامل، بعد أن رأت الولايات المتحدة الأمريكية ضرورة إعادة النظر في الأنشطة الثقافية وخضوعها للمراقبة العامة، حتى أنها فرضت قيوداً على الإنتاج السينمائي العالمي، ووضعت قياسات ومواصفات خاصة بالمُنتج الفني بحجة تقويض مساحات العنف في الأفلام، وحماية الجمهور الأمريكي من آثاره السلبية.
في هذه الأثناء كانت إدارة العلاقات الخارجية في وزارة الثقافة المصرية، تتوخى الحذر في تعاملها مع الآلية الثقافية الجديدة، ويبدو أنها فقدت جزءًا من حضورها جراء هذا الحذر، فباتت تركز في أنشطتها على الاحتفالات الدبلوماسية باعتبارها مُكملة للدور الثقافي التنويري، وهي المغالطة التي وقعت فيها من دون الشعور بالخلط بين ما هو ثقافي مدروس ومُدرج ضمن الخطة السنوية التفاعلية، وما هو دبلوماسي خاضع للبروتوكولات والعلاقات والبرامج الشهرية للزيارات والمقابلات والمناسبات المُستجدة.
وقد أخذ على إدارة العلاقات الخارجية في كثير من الأحيان انصرافها عن مهامها الأساسية، كحلقة وصل بين العاصمة «القاهرة» والمؤسسات الثقافية العالمية في الخارج، وانشغالها بالإشراف على امتحانات أبناء الجاليات المصرية داخل السفارات، علماً بأن المنوط بالثقافة الخارجية هو، تنظيم المعارض الفنية التشكيلية ومتابعة الفعاليات الثقافية، من ندوات ومحاضرات ومؤتمرات على مستويات مختلفة ومتعددة الأشكال والمضامين.
وتتزايد المشكلة الثقافية، خاصة مع الدول الصغيرة، حيث لا تُذكر كلمة ثقافة إلا في وجود نشاط مُحدد ومعلوم لدى الطاقم الدبلوماسي، لأنه من غير المعهود إقامة أنشطة ثقافية نوعية بمعزل عن السياج الدبلوماسي، أو من دون مناسبة تحتم تنظيم الفعاليات المعنية على نحو مبين، وهو ما يُعد اغتراباً للثقافة، واجتزاءً لها، فضلاً عن تبعيتها المعيبة للعمل الدبلوماسي، في إطار المهام الوظيفية، وهو ما يوحي بفقرها وعدم جدواها وتفريغها الكامل من مضمونها، كمنتج مستقل قائم بذاته، بعيداً عن الفرضيات الدبلوماسية التقليدية. غير أنه من دواعي الدهشة والغرابة أن الاحتفالات الثقافية الكبرى عادة ما تكون مقرونة بحيثية الدول وأحجامها، ففي فرنسا وإنكلترا وألمانيا وإيطاليا وروسيا، تبدو الثقافة كلاعب رئيسي في تعزيز العلاقات بين الدول والشعوب، وهو أمر مُدرك بالممارسة ومُتفق عليه ضمناً بين السفارات والمراكز الثقافية المعنية بالدور التثقيفي التوعوي، بينما هو غير ذلك لدى بعض الدول الأخرى، فالثقافة مجرد هامش صغير لا يُعول علية كثيراً في معالجة القضايا المهمة، إلا في حدود استثنائية للغاية، وهو أمر يُضعف من قيمة العلاقات، ويؤثر تأثيراً سلبياً في مسألة التقارب الحضاري والوجداني، ويجعل من العلاقة الدبلوماسية ذاتها مجرد تسجيل في دفاتر الزيارات للسفراء ليس إلا.
تبقى مشكلة الكتب والمطبوعات التي تستهلك نصف الميزانية في الطباعة الفاخرة والترجمة والمراجعة، لتوضع في النهاية داخل المخازن، أو يتم شحن القليل منها للسفارات لتؤول إلى مصير مجهول فتؤكد الترجمة العبثية لحال الثقافة الدبلوماسية.. مُطلقة العناوين والسياقات.
٭ كاتب مصري