مكتبة الإسكندرية ووزارة الثقافة: السؤال الغائب

كل عام تتسع البهجة لأسبوعين كاملين مع معرض الكتاب الذي تقيمه مكتبة الإسكندرية من السابع من يوليو/تموز إلى الواحد والعشرين من الشهر. ليس لأنه معرض للكتب فقط تشارك فيه دور نشر كبيرة ومتعددة، لكن للفاعليات الثقافية الموازية للمعرض، التي بلغت هذا العام مئتين وتسعين فاعلية ثقافية. تخيل هذا العدد في أسبوعين لتعرف كيف لم يختلف الليل عن النهار، بالحضور الفائق للكتاب والفنانين من مصر والعالم العربي، ولجمهور الإسكندرية الذي لا ينقطع عن الحضور. في كل عام ينجح فريق العمل، بقيادة محمد سليمان، القائم بأعمال نائب مدير المكتبة، وبمشاركة المؤرخ محمد غنيمة مدير البرامج الثقافية، في تحويل المعرض إلى آلات موسيقية لا تتوقف من الندوات والورش الثقافية والفنية.
في قلب هذا المشهد دائما يكون لحضور أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية، أثر واضح في إدارة هذه السيمفونية، كما وصفها البعض حقا، بحس أكاديمي ورؤية اجتماعية وثقافية عميقة وتواضع جم نادر، تتسع به المدينة التاريخية وكأنها تعود إلى مجدها القديم، حين كانت عاصمة العالم، رغم التحديات ومنها قلة الموارد.
تعودنا على هذا العيد كل عام، وبالنسبة لي ربما كانت هذه المناسبة، أو أي مناسبة أخرى من نشاط المكتبة، هي الوحيدة التي أوافق فيها على السفر إلى مدينتي، التي لم تعد عروس البحر المتوسط، فأنا أعرف ما فعله أحمد زايد في المكتبة من حراك ثقافي عظيم، ومساعدوه الذين ذكرتهم مثل محمد سليمان ومحمد غنيمة، وكل طواقم العمل الإداري الذين ينظمون السفر والإقامة بالفنادق والتنقل بينها وبين المكتبة. أولئك الذين لا تسمع ولا ترى منهم إلا كل جميل. جنود مجهولون حقا يطول ذكر أسمائهم، لكنهم لا يهملون ضيوفهم قط، ولا يتأخرون عن طلباتهم ويستحقون كل تقدير. أبسط الأعمال هي حجز تذاكر الحاضرين من الخارج بالطائرات، أو تخصيص سيارات لنقل من هم خارج الإسكندرية إليها، ثم إسكان الحاضرين من مصر وخارجها في فنادق فخمة بين أربعة وخمسة نجوم، وتخصيص السيارات لهم في حركاتهم ومتابعتهم في كل ما يشاؤون.

لم يكن لي في معرض هذا العام مشاركة في ندوة، أو حفل توقيع لأي من كتبي، لكني دعيت إلى مناسبة لم تخطر في بالي، وهي توزيع الجوائز على الفائزين في مسابقة القراءة التي أقامتها المكتبة بين الشباب، للقراءة والكتابة عما قرأوا. كان الأمر مثيرا لي فهذه أول مرة تحدث فيها مسابقة من هذا النوع في المكتبة. كانت دهشتي كبيرة حين ذهبت إلى الاحتفال الذي حضره أحمد زايد، وجاورناه على المنصة أمام الشباب في الصالة التي امتلأت بهم، ومعي الكتّاب محمد سلماوي وحسين حمودة ومحمد عفيفي والروائي منير عتيبة صاحب النشاط الثقافي الرائع في المكتبة. دهشتي كانت مما أعلنه أحمد زايد أن الفائزين مئة شاب من المتقدمين الذين بلغوا ألفي متقدم. ألفان من الشباب قرأوا كتبا وكتبوا عنها، وفاز منهم مئة بالجوائز التي تراوحت بين خمسين ألف جنيه، ونزولا في المبلغ حتى تصل إلى ثلاثة آلاف جنيه لأصحاب المراكز الأخيرة، بالإضافة إلى درع صغير بالفوز. هذا النشاط الجديد لم تعرفه المكتبة كما قلت من قبل. مسابقة بهذا الاتساع للقراءة والكتابة. هنا قفز السؤال من أحد الأصدقاء كيف لا تفعل هذا وزارة الثقافة، لم يكن هذا سؤالا شغل الحفل، لكنه كان على هامشه ونحن جالسون فوق المنصة. عرفت من أحمد زايد أن قيمة الجوائز ليست من الميزانية الأصلية الخاصة بالمكتبة، لكنها من الجوائز التي حصلت عليها المكتبة نفسها من دول عربية، خصصها زايد للقرّاء. هنا اتسع السؤال بي ليكون موضوع مقالي هذا. أنا أعرف المكتبة منذ نشأتها، وأعرف مصادر تمويلها من الخارج أو الداخل، وأعرف كيف كان نشاطها ملء الفضاء في سنواتها الأولى مع إسماعيل سراج الدين، ثم كيف تباطأت مع مصطفى الفقي، لتعود من جديد تتسع بشكل رائع مع أحمد زايد. أعرف إنها في كل الأحوال لا علاقة لها بوزارة الثقافة المصرية في نشاطها، أو تمويلها، إضافة هذه المسابقة بين القراء هذا العام أيقظ في روحي ما يمكن أن يفعله المجمع الأهلي أو المدني، وهو الأمر الغائب عن وزارة الثقافة. كل ما تفعله المكتبة عادة يوقظ هذا في روحي، لكن السؤال قفز من جديد مع هذا النشاط المبتكر، الذي لم يحمّل المكتبة شيئا من ميزانيتها، وبالطبع ولا وزارة الثقافة كعادة المكتبة.

كيف لا تفعل وزارة الثقافة هذا، لا أعني الاحتفالية وموضوعها، وإن كان هذا أمرا مهما، لكن أعني الاستعانة بالمجتمع الأهلي في نشاطها، بينما يخوِّل لها القانون ذلك. دار الأوبرا المصرية التابعة لوزارة الثقافة تفعل ذلك، فحين تدخلها تجد على جدرانها صورا لبعض البنوك التي تدعمها، هذا تقليد قديم مستمر في الأوبرا، لكن لا تفعله وزارة الثقافة في غيرها. لقد ألغت الوزارة مؤتمري الشعر والرواية العالميين، اللذين كان يقيمهما المجلس الأعلى للثقافة كل عام، بحجة قلة الميزانية، بينما كان يمكن أن تلجأ لرجال الأعمال لدعم المؤتمرين، وترتفع صورهم في ساحة المجلس الأعلى للثقافة، أو حتى داخل قاعات الندوات، بدلا من اللافتة التقليدية، بأنه في عهد فلان وفلان أقيمت هذه الندوة كأنها من أمواله! اللافتة التي اقترب موعد يُتمها فلا تجد مكانا لقلة المؤتمرات. قرأنا أن الوزارة بصدد إغلاق عشرات من بيوت الثقافة لخسارتها باعتبارها أماكن مؤجرة لا توفر ثمن الإيجار، وكتبت ما قلته دائما أن اعطوها بحق الانتفاع لفنانين يديرونها، ويقيمون فيها مراكز للحرف اليدوية والفنية من ملابس وأعمال خزفية وغيرها من تراثنا الشعبي، ستجد أسواقا لها في مصر وخارجها، ولا أحد يسمع.

الأهم هو ما نراه حولنا من دول عربية مثل الشارقة والمملكة السعودية وعُمان، من توفر هيئات ثقافية تقوم بترجمة أعمال الكتّاب إلى لغات أخرى. كيف لا تفعل مصر ذلك وهي الأكثر زخما بالكتاب والمبدعين من غيرها بسبب عدد السكان. كيف تركنا أعمال المصريين لصدفة فوزها بجائزة عربية تتكفل بالترجمة. كم مصري يفوز بالجائزة كل عام. اثنان أو ثلاثة بينما في مصر عشرات يستحقون أن يعرفهم العالم. مشكلة ترجمة الأدب العربي الآن صارت معروفة في ضرورة توفير حق المترجم. حقوق المؤلف تأتي من المبيعات، لكن المترجم يتقاضى حقوقه من الناشر بمجرد تسليم العمل، لذلك صارت تقريبا كل دور النشر الأجنبية إلا ما ندر، تنتظر العمل الفائز بالجائزة الذي ستدفع هيئة الجائزة له حقوق المترجم. كيف لا تقيم مصر صندوقا للترجمة لكتّابها، وما أسهل أن تطلب التبرعات له من رجال الأعمال. للأسف فكرة المجتمع الأهلي غائبة عن وزارة الثقافة بينما هذا من أسهل أدوارها لو أرادت.
يوما ما كان هناك مشروع مكتبة الأسرة برعاية سوزان مبارك. كان قائما على دعم الوزارات المختلفة مثل التربية والتعليم أو التعليم العالي، وكان يتم طبع عشرين وثلاثين ألف نسخة من بعض الكتب، وأقلها طباعة كان خمسة آلاف نسخة وبسعر فنجان قهوة. ليس لارتباط المشروع بسوزان مبارك انتهى، لكن لغياب فكرة المجتمع الأهلي عن الوزارة. والآن نرى هيئة الكتاب المصرية لا يزيد المطبوع من أي كتاب فيها عن خمسمئة نسخة، وبحجة الطباعة الرقمية يتقلص النشر، بينما الطباعة الرقمية لا تواكب كل الإصدارات، فضلا عن أن القراءة بها ليست الطريق الوحيد لكل الأجيال. طبعا لا يتسع لمجال لأحدثكم عما تطبعه مكتبة الإسكندرية للفتيان وللكبار من كتب زهيدة الثمن، فضلا عن الثورة الرقمية.
كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية