الثقافة المصرية في عام جائحة كورونا 2020… عام السجادة الحمراء ودُمى المهرجانات

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي»: لم يكن عام 2020 الموشك على الانتهاء بالعام العادي، حيث ألقت جائحة كورونا ظلالها الثقيلة على شتى مناحي الحياة في مصر والعالم، فما بين حظر شامل وآخر جزئي ــ وربما موجة أخرى من الحظر في الأيام المقبلة ـ تأثر المناخ الثقافي المصري كغيره من المجالات الآخرى بما حدث ويحدث. إلا أن هناك حالة من التباين، سواء من حيث استبدال الأنشطة والفعاليات من خلال منصة إلكترونية تابعة لوزارة الثقافة، أو إقامة الحفلات والمهرجات ـ السينمائية بوجه خاص ـ بدون أدنى اهتمام بأزمة كورونا. من ناحية أخرى تم الإعلان مؤخراً عن تأجيل معرض القاهرة الدولي للكتاب عن موعده المعهود في شهر يناير/كانون الثاني من كل عام، حتى شهر يونيو/حزيران المقبل، تحسباً لزيادة انتشار الفيروس وقت الشتاء. وفي ما يلي استعراض سريع لأهم أحداث وفعليات الثقافة المصرية لهذا العام..

أنشطة وزارة الثقافة

كان لغلق المسارح ودور العرض، وكذلك معارض الفن التشكيلي، سبب في البحث عن آلية أخرى لمواصلة بعض الأنشطة الثقافية، فقامت وزارة الثقافة المصرية بإطلاق مبادرة «خليك في البيت» من خلال قناة خاصة على اليوتيوب، يتم من خلالها عرض أنشطتها المتنوعة، كان على رأسها المبادرة المسرحية (إضحك ــ فكر ــ إعرف)، التي قدمت العديد من العروض المسرحية المستوحاة من نصوص أنطون تشيخوف القصيرة. من ناحية أخرى جاءت أنشطة المؤتمرات والندوات من خلال تقنية الفيديو كونفرانس، على الصفحة الخاصة بالمجلس الأعلى للثقافة على الفيسبوك، وهو أمر قام به العديد من المؤسسات الثقافية والعلمية، وحتى دور النشر، كندوات الجامعة الأمريكية في القاهرة مثالاً. ورغم الاهتمام بالكم دون الكيف، إلا أنه كان هناك بعض الندوات والنقاشات المهمة، بخلاف الوجوه المتكررة من النقاد وغيرهم الذين أصبحوا بدورهم مجرد موظفين لدى الوزارة.

دُمى السجادة الحمراء

ونأتي للنصف الثاني من 2020، وقد خفّت وطأة الحظر، ولكن مع الإصرار على اتخاذ كافة التدابير الوقائية من الفيروس اللعين، إلا أن مهرجانات السينما ربما لم تسمع عن الفيروس، أو أن أصحابها يعيشون في عالم آخر. ناهيك من الفيروس ــ الذي أصاب بعض المشاركين في هذه المهرجانات بالفعل ـ إلا أن الملاحظ هذا العام، خاصة في مهرجاني (الجونة) و(القاهرة) السينمائيين أن مفهوم السينما في مصر قد أصابه فيروس (الجهل)، فلا حديث عن أفلام أو ندوات، أو ما شابه من موضوعات تخص فن السينما، فقط كانت الأخبار الأهم تدور حول فساتين وأكسسوارات ممثلات، أغلبهن لم يمثلن سوى دور صغير في مسلسل تلفزيوني، بدون أن نسمع لهن ركزا، إضافة إلى وجوه أخرى لا تمت للمجال السينمائي بصلة، ولكن من المعارف والمحاسيب للسادة منظمي حفلات الموضة. فلم نر ناقداً يتحدث عن عمل سينمائي، بل متخصصا أو متخصصة في الموضة، تحلل وتناقش ملابس الفنانة كذا ـ مع التحفظ على مُسمى فنانة ــ تفوقت على ملابس الفنانة الأخرى، أو حتى تفوقت على ملابسها الشهر الماضي في المهرجان الفائت، واستفادت من الانتقادات والإرشادات، من حيث توافق لون الفستان وتسريحة الشعر، بدون نسيان لقطات لخطوات هذا الفستان أو ذاك ـ والأهم من صاحبته في جميع الأحوال ـ فوق السجادة الحمراء. هذه المهازل أصبحت سمة من سمات مهرجانات يتولاها، إما تمويلاً وترويجاً، أو إدارة كل من رجل أعمال أو تاجر رخيص. ولا ننسى جيش المهللين والمروّجين لمدى النجاح والتحدي والتصدي لأزمة الوباء، ناسين أنهم ومَن يهللون لهم هم الوباء نفسه.

سقّع وبيع

ومن أهم مظاهر هذا العام مسلسل «ما وراء الطبيعة» أول مسلسل مصري من إنتاج (نتفليكس)، وبالطبع جاءت الدعاية لتتوافق والحدث الجلل! خاصة أن المشاركة جاءت من خلال اسم محمد حفظي رئيس مهرجان السجادة الحمراء، أو مهرجان القاهرة السينمائي سابقاً، ومن إخراج صديقه عمرو سلامة، الذي لم يتورع بأن يضع قواعد وشروطاً لمشاهدة عمله الفذ قائلاً لحبايب قلبه المشاهدين الحلوين عبر وسائل التواصل.. «المسلسل يتشاف بشكل شرعي وبالجودة الأفضل وعلى إنترنت سريع، يعني من استطاع إليه سبيلا، ياريت يتشاف على شاشة كبيرة مش على هاتف محمول أو تابلت، تشوفه في غرفة مظلمة ومعلي الصوت، الصوت عامل مهم جداً ومؤثر في تجربة المشاهدة… وياريت بلاش أكل بقى وحوارات جانبية ورغي، نركز علشان في ناس غلابة تعبوا في كل لقطة، افتح على نتفليكس الترجمة العامية المصرية علشان في مشاهد بلغات تانية فتقرا الترجمة، لو من محبين السلسلة، فتوقع مبكراً إن ده منتج إبداعي مستقل لوسيط ثان مش مطابق 100% لأحداث الروايات اللي أنا شخصياً من أشد المحبين لها من نعومة أظافري». وبغض النظر عن كتالوج المشاهدة السابق وتهافت تقديم أول عمل مصري من خلال شبكة نتفليكس على هذه الصورة، أو من خلال حكايات للناشئة، لا ترتقي لعمل أدبي مهم، اللهم إلا عمل متواضع في مُجمله، ولا ننسى أيضاً أن جيل سلامة ورفاقه قد تربى على هذه الأعمال البسيطة، من حيث القيمة الأدبية والفنية، لكن الأدهى أن طريقة التنفيذ جاءت متفوقة في السذاجة، وأن فناني المسلسل لديهم رؤية مختلفة تماماً عن الأعمال الدرامية المنتمية لثيمة الغموض والإثارة والرعب، التي في الغالب أثارت الضحك ـ ربما ارتعب بعض الأطفال، وهي بالطبع ليست موجهة للأطفال ـ ناهيك من عبارات أحمد خالد توفيق المدعية المعرفة والمنقولة حرفياً، لنشاهد المزيد من السطحية والافتعال. العمل في المُجمل جاء من مقام (سقّع وبيع) وهي عبارة مصرية تعني الاستسهال والنصب في ما تود أن تبيعه من أي شيء لأي شخص.

أهم الإصدارات

تم افتتاح هذا العام برواية (1970) لصنع الله إبراهيم، وهو العام الذي شهد رحيل جمال عبد الناصر. والملاحظ أن إبراهيم لم يجعل من روايته عملاً تمجيدياً ــ كما هو متّبع ــ وفق منهج محبي عبد الناصر، فلم يكن صوته كصوت دراويش الرجل المعهودين، أو أن يقف في المعسكر الآخر من مهاجمي ناصر، خاصة ضحاياه وهم كُثر. لكنه ـ الرواي ـ احتفظ بمكانته كراوٍ عليم من ناحية، وأنه الصوت الوحيد الذي يُسمع كما يحلو له في حضرة الزعيم الصامت، على اعتبارها فرصة لن تتكرر. تبدأ أحداث الرواية في الأول من يناير/كانون الثاني عام 1970، وتنتهي في اليوم التالي لوفاة عبد الناصر، في 29 سبتمبر/أيلول من العام نفسه. ولم تدر الأحداث المدونة كاليوميات في زمنها المعروف، إذ تم استدعاء أحداث وقعت في اليوم نفسه من سنوات بعيدة مضت، كمحاولة لكشف بعض التفاصيل، وتأثيرها في الزعيم الأوحد.. كوفاة والدته والأثر النفسي القاسي عليه، بدايات عمله السياسي، انقلاب يوليو/تموز 1952، تأميم القناة، العدوان الثلاثي، هزيمة 1967، اختيار السادات نائباً له، التنحي والعدول عنه نتيحة الضغط الشعبي أو المغامرة المحسوبة، كما أطلق عليها الراوي، وموت عبد الحكيم عامر. كذلك ذكر أحداث مستقبلية ـ لن يعلمها الزعيم بالطبع ـ كتقديم السادات حسني مبارك إليه، الذي سيصبح في ما بعد رئيساً للجمهورية، ومن أكبر تجار السلاح في المنطقة.
نضيف إلى ذلك إصدارا آخر في مجال البحث السوسيولوجي، بعنوان «الإمبريالية والهشك بشك» للباحثة شذى يحيى، التي تحاول ـ متخذة من فعل الرقص الشرقي ـ تكوين وجهة نظر الشرق عن نفسه من خلال نظرة المستشرقين أنفسهم، الذين أسسوا لدونية المرأة الشرقية، وأنها مكمن الرغبات الشريرة، والرمز الأسطوري للإفساد والإغواء الدائمين. مؤكدة أن المستشرقين لم يشاهدوا سوى رقص الغوازي الفاحش، وعليه تم بناء تصوّر شامل للشرق والمرأة الشرقية.

فازت كل من روايتي «أولاد الناس.. ثلاثية المماليك» للمصرية ريم بسيوني، و»كتاب الرّدة» للموريتاني محمد عبد اللطيف، بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية هذا العام.

جوائز الدولة

تم الإعلان عن جوائز الدولة بفروعها المختلفة في يونيو الفائت، ونبدأ بجائزة النيل ـ أرفع جوائز الدولة ـ ففي مجال الفنون ذهبت لاسم الكاتب الراحل لينين الرملي. وفي الآداب ذهبت إلى أحمد مرسي أستاذ الأدب الشعبي والفلكلور في جامعة القاهرة. بينما في مجال العلوم الاجتماعية فاز بها أستاذ الاقتصاد ووزير التموين الأسبق جودة عبد الخالق. كما فاز بجائزة النيل للمبدعين العرب الفنان التشكيلي السوداني محمد عمر خليل.
أما جائزة الدولة التقديرية، فقد حصل عليها كل من.. هدى وصفي أستاذة اللغة الفرنسية، والفنان التشكيلي فاروق الجبالي في مجال الفنون. وفي الآداب كل من كاتب الأطفال يعقوب الشاروني، أستاذ الأدب العربي عبد الله التطاوي، والكاتب محمد جبريل. وفي العلوم الاجتماعية كل من السفير السيد أمين شلبي، سامي عبد العزيز أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة ـ أحد أبواق نظام مبارك، الذي طرده الطلاب من الجامعة بعد ثورة 25 يناير ــ وأحمد عبد الخالق وزير التعليم العالي الأسبق. وفي الأخير جوائز التفوق.. فذهبت إلى اسم المخرج الراحل محسن حلمي والفنان التشكيلي أحمد رجب صقر في مجال الفنون. أحمد بلبولة رئيس قسم الدراسات الأدبية في كلية دار العلوم، والشاعر فوزي خضر في مجال الآداب. وفي مجال العلوم الاجتماعية حصل عليها كل من أنور مغيث رئيس المركز القومي للترجمة السابق، وإبراهيم المسلمي أستاذ الإعلام في كلية الآداب جامعة الزقازيق.

جائزة نجيب محفوظ

فازت كل من روايتي «أولاد الناس.. ثلاثية المماليك» للمصرية ريم بسيوني، و»كتاب الرّدة» للموريتاني محمد عبد اللطيف، بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية هذا العام. ففي الأولى.. تتخذ الكاتبة من (جامع السلطان حسن) مكاناً محورياً في الرواية، بداية من التصميم والبناء، حتى جعله ساحة لصراع المماليك وقتالهم في ما بينهم، وصولاً لاستتباب الأمر لبني عثمان، وهو أول المكان الذي زاره سليم الأول عند وصوله مصر، ومن ثم تم تخريبه وتجريده مما يزخر به من مقتنيات ونقلها إلى الأستانة. وتحاول الكاتبة من خلال عملها اختلاق رواية أخرى عن (المماليك) بخلاف ما هو معروف ومعهود في كتب التاريخ. وإن كان الخيال وحده لا يستطيع أن يمحو سيرة الدم التي خلّفها المماليك، وأصبحت فصلاً دموياً آخر في حياة وتاريخ المصريين. صدرت الرواية عن دار نهضة مصر عام 2019. ومن المنتظر أن تتحول إلى عمل درامي قريباً. أما رواية «كتاب الرّدة» لمؤلفها الموريتاني محمد عبد اللطيف، والصادرة عام 2018 عن دار مدارك للنشر، فقد أثارت جدلاً واسعاً حال صدورها، أدى إلى مصادرتها في معرض الرياض الدولي في العام نفسه. نتيجة شكوى قدمها عدد من أفراد الجالية الموريتانية في المملكة العربية السعودية إلى وزارة الخارجية الموريتانية وإلى السفارة في الرياض متهمين الكاتب «باختلاق الأكاذيب ووصف الشعب الموريتاني بما لا يليق به ، كما أنه مناف لقيم وأخلاق المجتمع الموريتاني».
ومن ناحية أخرى نذكر أن مصر وصلت فقط إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر للرواية العربية، من خلال رواية «فردقان» ليوسف زيدان. بينما حصل على جائزة هذا العام الروائي الجزائري عبد الوهاب عيساوي عن روايته «الديوان الإسبرطي».

الراحلون

فقد الوسط الثقافي والفني هذا العام العديد من الأسماء المؤثرة بشكل أو بآخر في مسيرة الإبداع والمتلقي المصري، نذكر منها مثالاً.. الكاتب والروائي المصري جميل عطية إبراهيم (1937 ــ 2020)، الكاتب المسرحي لينين الرملي (1945 ــ 2020)، المفكر المصري محمد عمارة (ديسمبر/كانون الأول 1931 ــ فبراير/شباط 2020)، المثّال آدم حنين (مارس/آذار 1939 ــ مايو/أيار 2020)، الفنان حسن حسني (أكتوبر/تشرين الأول 1931 ــ مايو 2020)، كاتب القصة القصيرة سعيد الكفراوي (1939 ــ 2020)، الشاعر والمترجم رفعت سلام (نوفمبر/تشرين الثاني 1951 ــ ديسمبر 2020)، وكاتب أدب الجاسوسية والخيال العلمي نبيل فاروق (فبراير 1956 ــ ديسمبر 2020).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية