تلقّف النظام الممانع أخيراً هدية، انتصاراً إلهياً جديداً لم يكن في الحسبان: طفشتْ دجاجة من بين يديّ طفل في ضيعة ميس الجبل الحدودية الجنوبية، عبرت الحدود، فأطلق جنود الاحتلال النار في الهواء. طفشت، فقامت دنيا الممانعة ولم تقعد، تهليلاً وتكبيراً. هربت الدجاجة جنوباً، فهاجت «القمصان السود» شمالاً في محاولة لصرف شيك الانتصار الجديد. أولى المآثر كانت واحدة سُجّلت باسم الإعلام الممانع، حيث هرع مراسل إلى قنّ الطفل حسين، صاحب قنّ الدجاج، ومنه استلّ عبارة باتت وسماً لا يهدأ: بدي دجاجتي.
الدجاجة باتت تبيض ذهباً بين يديّ ممانع كاليفورني (نسبة إلى مقرّ إقامته) فراح يطلق كل خمس دقائق تغريدة تهتزّ لها الأمصار والأبدان. ومن بينها «دجاجات حسين الشرتوني لا تبيض ذهباً بل تلد رصاصات ضد الاحتلال» و»حسين الشرتوني اقترب من الحدود مع فلسطين أكثر مما يقترب الجيش اللبناني. لحسين حبي وحناني وإعجابي، وللجيش: هناك شوال بطاطا قرب الحدود مع سوريا فطاردوه» و»لو كان الأمر بيدي لوضعتُ حسين الشرتوني في المنهج الدراسي وأزلتُ منه رجال الاستقلال» «لو كان الأمر بيدي، لوضعتُ دجاجة حسين الشرتوني على العلم اللبناني بدلاً من الأرزة» و»دجاجات حسين الشرتوني ولا مفاوضات الناقورة. الأولى كرامة والثانية مذلّة» «دجاجة حسين الشرتوني أكثر فائدة في الدفاع عن لبنان من كل أسلحة الخردة التي تهديها أمريكا إلى لبنان..» «أثق باستراتيجيّة حسين الشرتوني الدفاعية أكثر مما أثق باستراتيجية دفاعيّة (غير موجودة) لجوزيف عون ميشال سليمان وجان قهوجي» «لحسين ولدجاجاته من الشرف والكفاءة أكثر من قيادة الجيش الحاليّة، حسين خدم سيادة لبنان أكثر من كل سنوات خدمة جوزيف عون العسكريّة، ومن دون مبالغة»…
لم يكن أحد لينجح في السخرية من النظام الممانع كما يسخرون هم من أنفسهم بنجاح لا يضاهى. هل أفلسوا إلى الحدّ الذي لم يعودوا يعثرون على انتصار غير هذا؟ أليس من العار أن يكون الحدث الوحيد القادر على خرق قاعدة ضبط النفس والصبر الاستراتيجي هو هروب دجاجة؟
ولم يتوقف الأمر بالطبع عند تغريدات كاليفورنيا، فهذا ممانع آخر صدّاح يقرر: «الذي لا يتنازل عن دجاجة لا يمكن أن يفرط بوطن. شكراً لهذا الشبل الجنوبي الذي لم يخف من الدبابات ومن يحتمون بها وقدم درسًا في الكرامة والوطنية». هذا قبل أن يقفز منشد «ميليشيا حزب الله» علي بركات إلى الاستديو ليغني «عنّا دجاجة جنوبية راحت تعمل عملية/ باضت بإسرائيل، عملت هزة أرضية» وتؤكد قناة «أم تي في» اللبنانية أن الفيديو «انتشر بشكل واسع لأنه يمثّل الحرية» ويحلل استراتيجيٌ ما «إنّ الحدث بحدّ ذاته يؤشر إلى مستوى التوتر المرتفع الذي يعيشه جنود الاحتلال على الحدود مع لبنان، فعندما يكون هؤلاء الجنود، ومنذ أكثر من 4 أشهر، يقفون على إجر ونص بانتظار رد حزب الله، فهو إجراء منتظر أن يطلقوا النار رعباً وخوفاً بمواجهة دجاجة وفتى يلحق بها».
الشعراء أيضاً قطعوا إجازتهم، وارتدوا البدلة المموهة: «أيا حُسين/دعها، يا بنيّ/ اعتقها من سجنها/ لا تحاصرها/ لا تحاججها/ لا تحاول برّمجتها/ دعها تلامسُ ترابَ القدّس/ تشتّمُ تلك الرائحةِ المجبولةِ بالدماء الزكية/ اطلّق عنانها، يا حسين/ لا تؤخرها/ فربما لدجاجتِك قضيةٌ/ تُكتَبُ/ للتاريخ، لفلسطين العروبة..».
لم يكن أحد لينجح في السخرية من النظام الممانع كما يسخرون هم من أنفسهم بنجاح لا يضاهى. هل أفلسوا إلى الحدّ الذي لم يعودوا يعثرون على انتصار غير هذا؟ أليس من العار أن يكون الحدث الوحيد القادر على خرق قاعدة ضبط النفس والصبر الاستراتيجي هو هروب دجاجة؟
هل هو أمر عادي أن يستنهض المحللون الاستراتيجيون والفلاسفة والأكاديميون لتدارس الأوضاع بعد طَفَشان دجاجة جنوبية، للإجابة على ماذا وكيف وما الآفاق والتطورات ما بعد بعد هروب الدجاجة!
لقد عبرت الدجاجة الحدود لأن ظلمة القنّ تعمي القلوب، ولم يعد يحتملها أي كائن. طفشتْ من عمايلكم، وفي هذا حجّة على النظام الحاكم الممانع الممسك بقبضته الثقيلة على رقاب الناس، حجة عليه، لا له.
ولمن يبحث عن جواب على سؤال «لماذا عبرت الدجاجة الحدود؟»:
أكيد ليس بحثاً عن مدينة فاضلة، حسب أفلاطون، ولا لأن العبور نتيجة منطقية حسب أرسطو، أو حتمية تاريخية حسب كارل ماركس، أو لأن لديها شكاً ما وراحت تتحقق منه حسب كانط، ولا بسبب إفراط في إفراز البنكرياس حسب أبي قراط، ولا لأن لديها حلماً حسب مارتن لوثر كينغ، وأكيد لم تفكر في الغاية والوسيلة كما أراد ماكيافيللي، ولا لاضطراب في المشاعر الجنسية حسب فرويد، ولا لأنها متعبة من انتظار غودو حسب صموئيل بيكيت،..
لقد عبرت الدجاجة الحدود لأن ظلمة القنّ تعمي القلوب، ولم يعد يحتملها أي كائن، طفشتْ من عمايلكم، وفي هذا حجة على النظام الحاكم الممانع الممسك بقبضته الثقيلة على رقاب الناس، حجة عليه، لا له.
من في إمكانه بعد تصديق إعلام النظام السوري!
معلوم تاريخياً أن الأنظمة الاستبدادية تخفي عن عمد أبسط الإحصائيات المتعلقة بالحوادث والجرائم الجنائية (هذا هو التفسير الوحيد أن أعداد المنتحرين في الدول الاسكندنافية كانت هائلة العدد ومساوية للصفر في بلداننا) فذلك من شأنه أن يحبط حركة التقدم والاشتراكية، عبر إشعال البلبلة والوساوس في عقول الناس وصدورهم.
لكن عندما يُتّهم شبيحة النظام السوري بإشعال الحرائق في غابات الساحل وجباله في تشرين أول/أكتوبر الماضي، بغية الاستئثار بأراض وتحويلها إلى مناطق للسكن من قبل كبار المتنفذين، سيسارع إلى قلب الطاولة على متّهميه، ما دام الناس، المتضررون، مقتنعين من الأساس أن النيران اشتعلت بفعل فاعل لا بفعل كارثة طبيعية، ويفبرك تقريراً تلفزيونياً يعرض فيه متهمين يعترفون كيف خططوا وأحرقوا وبأي ثمن.
39 متهماً من عائلة واحدة، والأسماء ودلالتها لن تخفى على أحد، في بلد استطاع النظام أن يحوّله إلى متحف للطائفية. بل نكاد نحسب أن لا هدف لهذا التقرير المسمى «شياطين النار» إلى هذا التلميح الطائفي، بالإضافة إلى تبرئة نفسه وشبيحته وإلقاء التهمة على «مشغّلين» خارجيين.
ليس جديداً على النظام إجبار الناس على أخطر الاعترافات، ولا فبركتها، إنما ليس أخطر من هذه اللعبة الخبيثة الصريحة الآن في الاستثمار في الطائفية وتأجيجها.
هل هناك أوضح من «شياطين النار»!
في مصر خصوصاً، استطاعت أجهزة المخابرات تطويع معظم النجوم، والتحكّم في رقابهم، بل وتشغيلهم أو تعطيلهم حسب انصياعهم للحاكم المطلق وبلاهاته
كان بودّنا أن نصدّق الممثل المصري عبدالرحمن أبو زهرة عندما قال «كاد الممثل أن يكون رسولاً» مستبدلاً الممثل بالمعلم في قصيدة أحمد شوقي الشهيرة. لكن الوقائع لا تقول ذلك، إن لم تقل العكس في معظم الأحيان.
ليس العيب في مهنة التمثيل نفسها بالطبع، فكل صاحب مهنة يمكن أن يكون رسولاً، ولو تتبّعنا سير ممثلين في الغرب لكان من السهل أن نعثر على رسائل بالغة الإنسانية في سير حياتهم، إنما في بلداننا، وفي مصر خصوصاً، استطاعت أجهزة المخابرات تطويع معظم النجوم، والتحكم في رقابهم، بل وتشغيلهم أو تعطيلهم حسب انصياعهم للحاكم المطلق وبلاهاته. ولا تفسير للولاء غير العادي من قبل أبرز نجوم مصر لحاكمها السيسي غير ذلك.
الممثل رسول؟ ربما. ولكن لمن؟!