ربما كان الملمح الثقافي والسينمائي الرئيسي الجدير بالرصد خلال عام 2020 هو ذلك التحدي الذي واجهه العالم مُتمثلاً في وباء كورونا المُستجد، والذي شكل الخطر الأقوى على واقع السينما العربية والعالمية ومستقبلها خلال الشهور الطويلة الماضية، قبل أن تتفتق الأذهان عن إمكانية الاستخدام التقني والتكنولوجي الأمثل للتواصل عن بُعد للحيلولة دون توقف الأنشطة الفنية والثقافية تماماً ووئد الإبداع في مقبرة كوفيد-19 ذلك المُصطلح المرعب الذي صار عنواناً عريضاً للجمود والتهديد والعدوى.
مرت أيام وشهور الخوف ثقيلة وبطيئة فلم يكن هناك غير حيل الاحتماء بالأقنعة لاستمرار الحياة وتفعيل أوجه البهجة والفرح والحفاظ على مُكتسبات الإبداع والفن وإعادة تنشيط الحركة السينمائية لتظل الاحتفالات والمهرجانات قائمة ولو بشكل رمزي حتى لا يتسلل اليأس والإحباط إلى نفوس الجماهير فتكون الخسارة أكثر فداحة، وبناء علية جاءت دعوات التحدي لتُعلن أن الإنسان أقوى من المرض، فبدأت مبادرات وزارة الثقافة المصرية تتجلى في إقامة الحفلات الغنائية من دار الأوبرا بدون جمهور ليتم البث المباشر عبر تقنيات التواصل الحديثة فيحدث الأثر الإيجابي المطلوب، وتتنوع الأساليب والطرق في نشر ثقافة التعاطي الموسيقي والغنائي، وتُستغل الفرصة في تذكير المتابعين بأهم الكلاسيكيات الغنائية للمطربين الأوائل، كارم محمود وعبد العزيز محمود ومحمد فوزي وعبد الوهاب وأم كلثوم وفيروز ووديع الصافي وعبد الحليم حافظ وغيرهم، فتنجح الفكرة وتتوالى الأعمال، ثم يتم التعريج على السينما لإخراجها من عزلتها فتكون البداية من الأفلام التسجيلية والقصيرة والوثائقية وتجري الدماء في شرايين الحركة الإبداعية مجدداً متجاوزة حاجز الخوف.
وبعد ثلاثة شهور تقريباً من بداية الأزمة تنطلق المهرجانات الصغيرة بنفس الآلية بأشكال رمزية لتضع الصورة السينمائية أمام أعين المُتلقي في تحد أيضاً لحالة الثبات والوقوف الاضطراري، فتنشأ جماعات المبدعين والمتذوقين على مواقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك وتويتر وواتساب وإنستغرام، وتزداد وتيرة التعاطي السينمائي بفعل الأزمة وتظهر تجارب إبداعية لها صلة بالمشكلة الوبائية وتتشكل فرق التواصل تحت عناوين مختلفة لتثري الحالة السينمائية بأفلام تم تصويرها بكاميرات الهواتف المحمولة وينكسر بالفعل حاجز الفوبيا من كورونا، فتتشجع المؤسسات الإنتاجية وتُعلن عن الشروع في تصوير بعض المسلسلات للمشاركة في الموسم الرمضاني بطاقات بشرية مُقننة، وتنجح الفكرة، ويبدأ الموسم الرمضاني بعدد من المسلسلات المتميزة والمتوسطة لكبار النجوم، “فلانتينو” لعادل إمام و”سكر زيادة” لنبيلة عبيد و”لعبة النسيان” لدينا الشربيني و”فرصة تانية” لياسمين صبري و”اتنين في الصندوق” لحمدي الميرغني وأسئوس وصلاح عبد الله.
وتتصل الحلقات الإبداعية فتشمل السينما التجارية فتخرج من رحم المعاناة تجارب الولادة العسيرة لبعض الأفلام الروائية الطويلة فنرى نوعيات متفاوتة في المستوى والشكل والجوهر، متمثلة في فيلم “الحارث والكنز 2″ و”صاحب المقام” و”خيط دم” و”الفلوس والغسالة والكهف”. وعلى مستوى آخر تأتي الاسهامات المتميزة للأفلام القصيرة والتسجيلية محركة للماء الراكد في بحيرة النشاط السينمائي فنشاهد نماذج مثل “180 درجة” و”غرفة 23″ و”عايزين نتعلم” ويبدأ الحراك في التزايد والكثافة بفعل المهرجانات فتُقام الفعاليات محفوفة بالحذر، ونرى آيات التحدي والإصرار في “مهرجان الجونة” حيث الحضور المُلفت للنجوم والنجمات في حفل الافتتاح وتتابع العروض والإعلان الرسمي للجوائز بحفل الختام في إشارات مقصودة لإمكانية المعايشة وفرض حالة الفرح والاحتفال كأمر واقع.
ولم يكن احتفال الجونة استثناء، وإنما سبقه “مهرجان الإسكندرية السينمائي” في تنظيم آخر أخذ نفس الشكل الكرنفالي على نطاق مماثل مُحتفياً بالضيوف من كل حدب وصوب ليؤكد على الصمود في مواجهة الظروف الوبائية الصعبة، وبالقطع كان “مهرجان القاهرة السينمائي الدولي” الختام المسك للحالة التفاعلية السينمائية، حيث جاء مشروطاً بالإجراءات الاحترازية الوقائية لضمان السلامة العامة، وقد أبلت فيه السينما الروائية القصيرة والتسجيلية بلاء حسنا، إذ تفوقت على أنماط السينما الروائية الطويلة التقليدية فأثبتت حضورها وكفاءتها بما لا يدع مجالاً للشك في أنها صارت علامة مميزة من علامات التألق والحضور.
أيام السينما الفلسطينية
وخارج النطاق المصري حدث التماس بين الأنشطة الثقافية والفنية في عدد من الدول العربية. فقد جرت محاولات للتغلب على الأزمة فأقامت المملكة العربية السعودية مهرجانها الأول تحت اسم “مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي” في الثاني عشر من اذار/مارس واستمر لمدة تسعة أيام، عُرضت خلاله مجموعة من الأفلام الطويلة والقصيرة والوثائقية متباينة المستويات والأهداف، وقد شملت الفعاليات برنامجاً لتطوير مشاريع الأفلام الروائية الطويلة كبداية لتأسيس صناعة سينمائية سعودية قادرة على المنافسة بإمكانيات اقتصادية وفيرة بحسب الخطة المُتفق عليها. وفي هذا الإطار تم العمل على تشجيع المواهب الشابة وتحفيزها لإنجاز أفلام نوعية مختلفة تحاكي الجديد والمتطور فنياً وتقنياً.
وفي سلطنة عمان أقيم “المهرجان الأول للأفلام العربية والعالمية” خلال الفترة من 13 إلى 18 نيسان/إبريل الماضي تحت رئاسة الأميرة ريم علي مُستهدفاً تنمية وتطوير آليات السينما العربية بما يتفق مع طبيعة القضايا العربية ذاتها المرجو طرحها ومناقشة تفاصيلها، وذلك ليكون للسينما العربية خصوصيتها الموضوعية وأجوائها المتميزة، وفي دورته الأولى الفارقة خصص المهرجان مسابقتين إحداهما للفيلم الطويل والثاني للفيلم القصير والوثائقي، بيد أنه خصص أيضاً مسابقة أخرى غير تنافسية للمخرجين من جنسيات أجنبية للتشجيع على التواصل الثقافي والانفتاح على الثقافات المغايرة ذات الطبيعة المشتركة.
ويأتي الإسهام السينمائي والثقافي الفلسطيني خلال السنة المنقضية متميزاً للغاية، فبرغم الجائحة والظروف السياسية والمجتمعية شديدة الصعوبة، إلا أن الأنشطة الفنية التفاعلية الحية لم تتوقف، فمن “مهرجان المسرح الفلسطيني” وأمسيات الشعر والأدب إلى مهرجانات السينما ظلت الدوائر التثقيفية تتسع داخل المدن الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة. فقبل نحو شهرين فقط كانت هناك احتفالية “أيام السينما الفلسطينية” تعرض نوعيات مُختلطة من السينما الكلاسيكية والسينما الجديدة عزفاً على أوتار القضية التاريخية العادلة.
ولم ينقطع الوصل والحكي والتذكير بكفاح الشعب الفلسطيني، وإنما ظل متصلاً عبر “مهرجان القدس للإعلام الرقمي والمرئي” الذي أقيم تحت رعاية الهيئة العالمية الإعلامية للدفاع عن القدس كرم، للتأكيد على هوية المدينة التاريخية والحضارية ووجودها ورسوخها كعاصمة أبدية لدولة فلسطين المحررة، وهو مضمون معتنى به كثيراً ومقصود تمام القصد. وخلال الفعاليات التي شارك فيها عدد من المبدعين العرب وترأس لجنة التحكيم بها المخرج المصري علي بدرخان، عُرضت مجموعة متميزة من الأفلام ما بين الروائي والتسجيلي والوثائقي كان من بينها فيلم “ميلاد مر” للمخرج محمد الكرمي وفيلم “القدس أبناء دم” للمخرج مصطفى الشعبي وفيلم “ستون عاماً” للمخرجة سري عباس، بالإضافة إلى مجموعة أخرى لها ذات الطبيعة النضالية المرتبطة بالواقع الفلسطيني المباشر.
ولأن مسابقة الأوسكار الأمريكي هي الأبرز في المجال السينمائي والأشهر عالمياً ودولياً فقد حظيت نتائجها باهتمام كبير كما هو معهود تاريخياً، ولأنها أخذت منحى مختلفا في دورتها الأخيرة لاهتمامها بالسينما التسجيلية والقصيرة والوثائقية، فقد غيرت من خريطة السينما العالمية بعد إعلان الجوائز وفوز النوعيات السينمائية الجديدة بأهم المراكز، متمثلة في حصول النجم براد بت على جائزة أحسن ممثل دور ثان عن دورة في فيلم “ذات مرة في هوليوود” كما ذهبت جائزة أفضل فيلم رسوم متحركة إلى فيلم “حكاية لعبة” الجزء الرابع، وكذلك حصلت الممثلة لاورا ديرن على جائزة أفضل ممثلة مساعدة عن دورها في فيلم “قصة زواج”.
وبالتوازي كان لمهرجان كان الفرنسي نصيب وفير من الاهتمام الإعلامي، خاصة في مصر بعد ترشيح فيلم “سعاد” للمشاركة والعرض، لكن لم تأت الرياح بما تشتهي السفن، حيث ألغيت الدورة الأخيرة منه بسبب كورونا، وأسدل الستار على المشهد السينمائي في المهرجان الكبير وظل الإلغاء حالة خاصة جداً كطبيعة السنة الكبيسة المليئة بالأحداث والأزمات والمنطوية على ذكريات جد بائسة.