مع انتظار سفير تركيا أوراق السفر.. هل أمام إسرائيل اعتبارات جديدة قبل منح أردوغان “شهادة التأهيل”؟

حجم الخط
4

“نحن معنيون بتوصيل علاقاتنا مع إسرائيل إلى نقطة أفضل”، هذا ما قاله أول أمس الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وأضاف: “لو لم تكن هناك أي مشكلات مع القيادة في إسرائيل لكانت علاقاتنا مختلفة تماماً”. كان يمكن فهم هذا التصريح فهماً معكوساً؛ فلو لم تكن هناك أي مشكلات مع أردوغان لبدت العلاقات مع تركيا مختلفة. المشكلات التي قصدها أردوغان هي بالأساس “سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين”.

“إن عملياتها الوحشية تجاه الفلسطينيين غير مقبولة”، قال أردوغان. وهنا يمكن لإسرائيل الادعاء بأن عمليات تركيا الوحشية تجاه الأكراد هي “غير مقبولة”. يمكن للمرء أن يصطدم بلا نهاية من خلال المقارنة بين سياسة النظامين تجاه الأقليات فيهما. ولكن العلاقات بين الدول تستند إلى مصالح وخرائط جيوسياسية متغيرة، مثل المشاكل واستغلال الفرص.

أردوغان مثل إسرائيل، أصبح يشعر بالضغط الأمريكي الذي قد يستخدم عليه مع دخول الرئيس الأمريكي المنتخب البيت الأبيض، وللطرفين ما يخافان منه؛ فتركيا تلقت وجبة أولى من العقوبات من قبل الرئيس المغادر ترامب، الذي فرض قيوداً على رؤساء هيئة الصناعات الأمنية، بالاضافة إلى طردها من خطة بناء طائرات اف35. ولكن هذا لن يرضي الكونغرس الذي تبنى قانون العقوبات المفروضة على تركيا، أو بايدن الذي وعد ناخبيه بأنه -خلافاً لترامب- “يعرف كيفية التعامل مع أردوغان”.

تركيا التي تبنت قبل نحو 15 سنة سياسة خارجية تحدد “صفر مشاكل مع الجيران” محاطة بعلاقات صعبة ومتوترة مع معظم دول الشرق الأوسط. فالسعودية فرضت عليها مقاطعة غير رسمية أدت إلى انخفاض 16 في المئة تقريباً في حجم التجارة بين الدولتين منذ تشرين الأول. والإمارات اعتبرت تركيا “التهديد الأكثر خطورة في المنطقة، أكثر من إيران”. ولا يوجد بين تركيا ومصر أي تحادث منذ صعود السيسي إلى الحكم.

صرح وزير الخارجية الروسي، سيرجيه لافروف، مؤخراً، أن “روسيا لا تعتبر تركيا حليفة استراتيجية”، بل هي شريكة ودودة فقط. وحتى هذه الصداقة مرت بهزة شديدة في أعقاب الحرب في ناغورنو قره باغ. وقطعت تركيا علاقاتها مع النظام السوري منذ السنة الأولى للحرب الأهلية. وتعتبرها واشنطن دولة مهددة لأنها تسببت للناتو بالضرر بعد شراء أنظمة صواريخ روسية مضادة للطائرات، إضافة إلى سيطرتها على مناطق في سوريا والإضرار بالأقلية الكردية. أما الاتحاد الأوروبي فيفحص فرض عقوبات عليها بسبب التنقيب عن الغاز والنفط الذي تقوم به في شرق البحر المتوسط، في مناطق تدعي كل من اليونان وقبرص سيادتها عليها.

ورغم تصريحات أردوغان المتغطرسة التي تستخف بالعقوبات، إلا أنه لا يبالي بالحصار السياسي الآخذ في الازدياد عليه ويحاول شق مسارات جديدة يمكنه من خلالها تغيير صورة بلاده. فهو يقيم علاقة مباشرة مع الملك السعودي سلمان وليس مع ولي العهد محمد بن سلمان، الذي يعتبره المتهم المباشر بقتل الصحافي جمال خاشقجي. وقد نجح في جعل السعودية تصرح رسمياً بأنه لا توجد أي مقاطعة، وقال وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، لوكالة “رويترز”، بأن “العلاقات بين السعودية وتركيا ممتازة”.

في الوقت نفسه، وبخطوة استثنائية، سمحت تركيا لشركة النفط السعودية “أرامكو” بإنشاء مصنع لمنتجات النفط في أراضيها. وفيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي أسمع أردوغان تصريحاً متفائلاً قال فيه إنه “يأمل فتح صفحة جديدة في 2021 في علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة”. كجزء من هذا الانقلاب الدبلوماسي أيضاً، يتوقع أن تحصل إسرائيل على قطعة من كعكة تركيا. فهي ستحظى قريباً بسفير جديد لتركيا، أفق أولوتاش، الذي كان عين سابقاً لكنه ينتظر تذاكر السفر. إضافة إلى ذلك، تنوي شركة السفن التركية “مجموعة يلدريم” التنافس على شراء ميناء حيفا.

أردوغان الذي تطاول على الإمارات عندما وقعت على اتفاق التطبيع مع إسرائيل، ظهر أكثر تصالحاً فيما يتعلق بإقامة العلاقات مع المغرب. “لكل دولة الحق في إقامة علاقات دبلوماسية مع من تريد”، أعلن وزير خارجيته، مولود تشاويش أوغلو. والآن هو يسمع نغمة لطيفة عن استعداده لإعادة علاقات تركيا وإسرائيل إلى سابق عهدها، عندما أكد وجود تعاون وثيق في مجال الاستخبارات. بهذا، صادق أردوغان بصورة غير مباشرة على تقارير حول زيارة رئيس المخابرات التركي، هاكان فيدان، لإسرائيل والالتقاء مع رئيس الموساد يوسي كوهين.

ولكن إذا كان يُنظر إلى تصريحات أردوغان كبشرى سياسية مهمة قبل بضع سنوات، وكانت إسرائيل تسرع لقطف ثمارها، فإن الخارطة الجيوسياسية الجديدة تملي رداً أكثر حذراً؛ ففي حركة التفافية تاريخية، وجدت إسرائيل نفسها في وضع يجب فيه عليها التشاور مع أصدقائها الجدد، تحديداً الإمارات، إلى جانب السعودية ومصر، وتنسيق المواقف معها حول العلاقات مع تركيا. وافتراض هذه الدول كان أن بينها وبين إسرائيل رابطاً يتجاوز المصالح الاستراتيجية لكبح إيران، بل والإدراك بأنها ترى العلاقة مع تركيا بنفس المنظار. ومثلما هو الأمر مع الدول العربية، فعلاقات إسرائيل مع اليونان وقبرص، وبعد ذلك مع الاتحاد الأوروبي، لم تكن منفصلة عن علاقتها مع تركيا.

هل تستطيع إسرائيل أن تواصل كونها عضوة في منتدى الغاز لشرق البحر المتوسط، الذي تعد فيه دول مصر والأردن وفلسطين واليونان وقبرص، ومؤخراً الإمارات، أعضاء، في الوقت الذي تعزز فيه هي علاقتها مع تركيا؟ ألا يجبر جهاز الأواني المستطرقة، العربي الإسرائيلي، إسرائيل على اختيار محور ولائها؟. لم يكن هذا التردد مدرجاً على جدول الأعمال في فترة ولاية ترامب، لكن الآن مطلوب من إسرائيل أن تفحص كيف ستكون سياسة بايدن تجاه تركيا قبل المسارعة إلى منح أردوغان شهادة التأهيل، في حين أنها ليست واثقة من مدى اعتراف بايدن بهذه  الشهادة.

الرياح الجديدة التي تهب من قصر الرئاسة الفاخر الذي بناه أردوغان لنفسه في أنقرة، لا تنفصل عن الأزمة الاقتصادية العميقة التي تغرق فيها تركيا منذ سنتين وأكثر. فالسياحة مدمرة، والأسعار المرتفعة وتقليص الاستثمارات الخارجية ونسبة البطالة المتزايدة ووباء الكورونا، كل ذلك يجبرها على أن تجد لنفسها مصادر تمويل أخرى، وبخاصة مستثمرون يمكنهم توفير أماكن عمل لملايين العاطلين عن العمل. إن العقوبات الأمريكية على بيع السلاح التركي الذي توجد فيه أجزاء أمريكية، وإذا ما صودق على قيود للتجارة مع أوروبا في مؤتمر الاتحاد الأوروبي في آذار، كل هذا قد يمس بالاقتصاد التركي بصورة كبيرة، وسيضع صعوبات أمام قدرتها على الحصول على القروض من مؤسسات التمويل الدولية.

أما منتدى غاز شرق البحر المتوسط فقد يفشل مخطط تركيا من أجل التحول إلى مركز إقليمي لتسويق الغاز في أوروبا وإفساد توقعاتها في الحصول على عمولة نقله، ولاحقاً تسويق هذا الغاز الذي ستعثر عليه في البحر الأبيض المتوسط. اكتشفت تركيا في الواقع حقل غاز ضخماً في البحر الأسود، لكن ستمر فترة طويلة إلى حين البدء في استخراجه وتسويقه. وحتى ذلك الوقت، ستعتمد على الغاز الذي تستورده من روسيا. تحتاج تركيا إلى عملية إعادة تأهيل عميقة في علاقاتها مع جاراتها ومع الولايات المتحدة وأوروبا قبل أن تستطيع الانتقال من حالة دولة متهمة إلى دولة إقليمية عظمى رائدة.

بقلمتسفي برئيل

هآرتس 27/12/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية