أمام العرب “يجب على الولايات المتحدة أن تتعامل مع إسرائيل على أنها الأولى، لكن المتساوية”. في شباط 1986، قبل سنتين على التنافس الأول، من بين ثلاثة سباقات رئاسية أمريكية، التقى السناتور من دلئور، جو بايدن، مع السفير الإسرائيلي في واشنطن مئير روزين من أجل إقناعه بأنه صديق لإسرائيل.
لم تعط السفارة الإسرائيلية بواشنطن أي أهمية لبادين في ذلك الوقت، رغم أنه كان في الثمانينيات عضواً في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. ملفات أرشيف مليئة بالتسجيلات: من معنا ومن ضدنا. لم يكن بايدن موجوداً في أي قائمة من هذه القوائم، ولم يتدخل في السياسة اليهودية الديمقراطية – الواشنطنية، أو في صناعة المنظمات اليهودية، ولم يزر إسرائيل.
ولكن بايدن أيد دائماً مواقف إسرائيل في الصراعات الكبيرة التي خاضتها في الثمانينيات في تلة الكابيتول: بيع طائرات “ايواكس” للسعودية، واستمرار المساعدات الأمنية، ومعارضة م.ت.ف. ولا يوجد أي توثيق لعلاقة مباشرة بينه وبين المحور السياسي في حينه، بنيامين نتنياهو، كما تشير الملفات التي سمح بنشرها. كان أكثر اهتماماً بشؤون البيت الأبيض ووزارة الخارجية، واستثمر وقتاً أقل في تلة الكابيتول. أما نتنياهو فلم يترك خلفه أي سجلات مفصلة عن نشاطاته، بل برقيات موجزة جداً مع أمور مهمة. ولم يكن من الدبلوماسيين الذين أعدوا توثيقاً مطولاً عن كل لقاء صدفي.
ظهر بايدن على رادار السفارة عندما ارتبط اسمه بالانتخابات الرئاسية الأمريكية في العام 1988. هناك حاول التنافس، لكنه في نهاية المطاف سحب ترشحه بعد أن ضبط وهو ينسخ خطاباً. لم تهتم السفارة بترشحه بشكل كبير، فقد كانت على قناعة بأن حاكم نيويورك في حينه، ماريو كوامو، والد الحاكم الحالي، هو المرشح الديمقراطي الرائد. وقد اعتُبر بايدن كان مرشحاً ليس ذا فرصة.
اكتشف المسؤول في حينه عن العلاقة مع الكونغرس، يوسف لمدان، أنه ليس للسفارة ما يكفي من العلاقة مع بايدن، وأخذ السفير روزين إلى لقاء معه. وقد أعد ثلاث صفحات تسجيل مفصلة من الاجتماع تم تصنيفها على أنها سرية، وأُرسلت إلى القدس. قال لمدان للصحيفة بأنه لا يتذكر المحادثة. “التقى السفير اليوم مع السناتور بايدن من دليئور، هو عضو في لجنة الخارجية والميزانية والعدل”، وتابع لمدان: “لقد اطلعنا على نيته التنافس للرئاسة، وكان مهتماً بتوضيح مواقفه من إسرائيل أمامنا، خصوصاً العملية السلمية وسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. استمرت المحادثة ساعة في أجواء ودية وصريحة”.
بدأ روزين حديثه بشكر السناتور على تأييده لمساعدة إسرائيل. وأجاب بايدن بأن “الولايات المتحدة تحتاجه أكثر من إسرائيل”. وأبلغه روزين عن العملية السلمية، وكان القصد في حينه السلام مع الأردن، وبرودة السلام مع مصر. بعد ذلك، دعا بايدن لزيارة إسرائيل. فأجاب والسناتور.
أشار لمدان إلى أن بايدن قال بأنه “فحص موضوع زيارة البلاد في كانون الثاني، ولكن الانسحاب غير المتوقع للسناتور كنيدي من التنافس على الرئاسة، جعله يغير خطته. سيكون مرشحاً للرئاسة. مؤخراً قضى ساعات طويلة مع مستشاريه الاستراتيجيين في التخطيط للمعركة. والآن يبحثون زيارة لإسرائيل في نهاية أيار أو حزيران. لقد أبلغونا عن الزيارة المتوقعة للسناتور غاري هارت. ورداً على ذلك، قال بايدن إنه خلافاً لهارت، هو ليس بحاجة إلى إثبات نيته الحسنة تجاه إسرائيل، لذلك يفضل القيام بزيارة عمل. لهذا السبب، هو لم يستجب لتوسلات مؤيديه اليهود في الولايات المتحدة الذين ضغطوا عليه من أجل زيارة إسرائيل بحضورهم ومرافقتهم”.
بعد أقوال الإطراء، ناقش الاثنان قضايا الشرق الأوسط. إن فترة ولاية رونالد ريغان في البيت الأبيض كانت فترة معقدة في العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، التي تضمنت الدعم من جهة والمواجهات من جهة أخرى. اعتبر الحزب الديمقراطي في حينه مؤيداً لإسرائيل أكثر من الحزب الجمهوري. وحسب تسجيلات لمدان، أشار بايدن في اللقاء إلى أن “التصريحات الرسمية للولايات المتحدة لم تتوافق مع أفعالها، وهذا أمر متناقض ومضلل أيضاً. وكان يريد القول بأنه إذا كانت مواقف الولايات المتحدة جيدة بشكل عام، باستثناء استثناءات بارزة هنا وهناك، فستواصل الولايات المتحدة ادعاءها بالسعي أن تكون “صديقة للجميع” بصورة متساوية. يعتقد بايدن أنه يجب على الولايات المتحدة أن توضح للعرب بأن إسرائيل هي صديقتها الأولى لها، وإذا كان للعرب مشكلة مع هذا الموقف، فعليهم أن يعرفوا بأن لديهم مشكلات مع الولايات المتحدة”.
“حسب رأيه، يجب على الولايات المتحدة أن تغير صورة الحوار العلني مع إسرائيل. والتعامل معنا مثلما يتعاملون مع الأصدقاء الآخرين”، كتب لمدان في التسجيلات. “لم يخطر بالبال أن نناقش علناً مع السيدة تاتشر المواضيع المختلف عليها. ولكن في حالة إسرائيل، لا تتردد الولايات المتحدة في الاختلاف معها بشكل علني. هذه المقاربة غير مقبولة بالنسبة له. لو تم انتخابه لما تردد في إجراء تبادل آراء صريح، ولكن دون نشر وبواسطة القنوات الدبلوماسية”.
اعتبر بايدن م.ت.ف منظمة إرهابية، ويدل التوثيق الإسرائيلي في لجنة العلاقات الخارجية على أنه طرح الموضوع بصورة متكررة. بخصوص السعودية، قال للسفير بأن “المملكة ليست سوى حفنة من 5 آلاف أمير وأبناء عائلاتهم. الخطأ القاتل لسياسة الولايات المتحدة بدأ في 1982 عندما تم اتخاذ قرار بالسعي نحو إجماع استراتيجي في الخليج. كانت نتيجة هذه المهمة نقل مركز الثقل من الصديقة الحقيقية للولايات المتحدة (إسرائيل) إلى آخرين (القصد هو السعودية وبيع الطائرات).
في نهاية المحادثة، أشار لمدان إلى أن “بايدن كرر التزامه بإسرائيل كأب، وكمن يؤمن بأن الولايات المتحدة لم تفعل بما فيه الكفاية من أجل اليهود في الحرب العالمية الثانية”. وحسب تسجيلات لمدان، فإن بايدن أنهى أقواله بأنه “لن نندم إذا تم انتخابه رئيساً”. بعد 35 سنة على ذلك سيكون بالإمكان اختبار هذا الوعد الذي أعطي لمئير روزين.
بقلم: حاييم لفنسون
هآرتس 27/12/2020