تضاد الوعي الجمالي في تراكيب الفن المفاهيمي الغربي  

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

تغيرت الذائقة الفنية مع بداية القرن العشرين، فأنعطف المزاج العام للفنانين الغربيين بعيدا عن الموروث الفني، فكان بحق قرن التحولات العاصفة في الأساليب والمدارس الفنية، أما في المنطقة العربية فكانت الفنون التشكيلية تمر في مرحلة الولادة، وأخذت تتسع فكرة الاستياء من وسائط الفنون التي كانت شائعة ومتداولة بين الفنانين الأوروبيين والأمريكان ووجدت لها صدى كبيرا في المشهد الفني، خاصة وانهم كانوا يقفون عند أعتاب مرحلة تحمل بين ثناياها توقا كبيرا إلى إحدَاث تغيير في رؤيتهم إزاء طبيعة العمل الفني والعلاقة التي تجمعه مع المتلقي، ومن هنا كان بحثهم عما يمكن ان يعبر عن شخصيتهم الفردية، وإيجاد منطق فلسفي يموضع مواقفهم الفكرية في مفردات العمل الفني ازاء ما يجري من حراك في الواقع، بعد ان اضطلعت السياسة تمارس دورا مهيمنا في تغيير صورة العالم على إثر التداعيات التي أحدثتها الحرب العالمية الأولى في جميع مناحي الحياة.

ولعل أبرز الظواهر الفنية التي كتبت التاريخ الجديد في لغة ومفردات الذاكرة الفنية قد تجسدت في الأساليب التي طرحتها الدادائية، إضافة إلى السريالية والمستقبلية، لان الدادائية كانت تعبيرا ثوريا فوضويا، ضد كل ما سبقها من نُظم وقيم ونظريات ومقدسات في مختلف مجالات الحياة وفي مقدمتها الفن.

استمر هذا الوعي الفني المضاد على تجاوز ما هو سائد من أساليب فنية في التعبير عن الأفكار وفي تقديم اجتراحات فنية غريبة ومدهشة عبّرت عن نفسها بعناوين واضحة في سياق الفن المعاصر في مقدمتها يقف شاخصا الفن المفاهيمي أو فن التركيب.

الإشارات الأولى للفن المفاهيمي عبّرت عن حضورها منذ وقت مبكر في مطلع القرن العشرين، وكثير من النقاد يجدون البداية في مبولة مارسيل دوشامب 1917. ولو عدنا إلى الوراء، بحثاً وتنقيباً عن البدايات التي تحرر فيها الفنان، من المسارات المفاهيمية الجاهزة والمسبقة، حول القطعة الفنية، سواء في اللوحة أو العمل النحتي، بالشكل الذي أصبح منحازا فيها إلى  الفن المفاهيمي، فبالإضافة إلى دوشامب (1887-1968) ومعارض الدادئية التي كانت انطلاقتها عام 1916 في ملهى فولتير في مدينة زيورخ الألمانية، فإن قراءات نقدية كثيرة ترجع البدايات إلى مجموعة أسماء، منها على سبيل المثال، فنان الكولاج والنحات كورت شويترس (1887-1948) والنحات لوسيو فونتانا (1899-1968)، وهناك إشارة إلى كتابات الفنان الأمريكي الطليعي آلان كابرو (مواليد 1927) لا سيما كتابه الصادر عام 1966 “التجميع والبيئات والأحداث” إذ كان له تأثير كبير على تطوير فن التركيب. ومن أشهر فناني التركيب المعاصرين: جوزيف بويز(1921-1986) الأستاذ السابق للنحت في أكاديمية دوسلدورف، وهناك أيضا فنانو ” Arte Povera” الإيطاليون ماريو ميرز (1925-2003) ومايكل أنجلو بيستوليتو (مواليد 1933) وجانيس كونيليس (مواليد 1936) وجيلبرتو زوريو(مواليد 1944).إضافة إلى الرسام والموسيقي الأمريكي جون كيج الذي كان مهتما بايجاد علاقات تفاعلية ما بين الصوت والفضاء.

 

تساؤلات ومساحة مفتوحة

اليوم ونحن في بداية العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين أصبح من اللافت للنظر لدى متابعي الفن التشكيلي اتساع الفعاليات الفنية التي تستقطب فنانين لديهم دوافع قوية للمغامرة خارج أطر الأساليب التقليدية في رؤية العمل الفني، منطلقين من مفاهيم تحمل في داخلها تساؤلات جوهرية ازاء العملية الفنية ذاتها، وما يمكن ان تكون عليه العلاقة بينها وبين المتلقي، فالقضية بالنسبة للفنان الذي وجد نفسه في الفن المفاهيمي ليست مرهونة في تقديم لوحة فنية يعكس من خلالها أفكاره وأسلوبه بقدر ما يعمل على ان ينال المتلقي مساحة مفتوحة للدخول إلى فضاء التجربة، وذلك باختزال المسافة التي تفصلهما أثناء عملية التلقي، بمعنى “خَلق لحظة يُلغى فيها الحد الفاصل بين سلبية الجمهور وإيجابية الفنان”.

يمكن القول إن الفن المفاهيمي يعدُّ جديدا نسبيًا، إذا ماقورن من الناحية الزمنية، بالنحت واللوحة في بنيتيهما التقليدية، لكن هل يستطيع أي متابع للفنون التشكيلية ان لا يقر بازدياد أعداد الفنانين الذين ينخرطون فيه؟

 

التلقي من زوايا متنوعة

 

قد يتسائل البعض ممن لم تسنح لهم الفرصة في ان يطلعوا على تجارب تدخل في سلطة هذا المنحى الفني، ما المقصود بالمفاهيمي أو فن التركيب، وببساطة شديدة هو تكوين أو تركيب للأشياء في مكان ما، مثل غرفة أو مستودع أو صالة عرض أو أي فضاء، قد يكون في محطة قطار أو أمام جدار مبنى البلدية، أو سوق لبيع السمك، ومن هذا التركيب للأشياء المختلفة وترتيبها ضمن مساحة محددة، يتشكل العمل الفني، وهذه الإحالة للتجربة الفنية إلى فضاء متنوع ومختلف تستجيب فيها إلى طبيعة المكان ومساحته لا تنتهي عند هذا الحد من الإنجاز والتجاوز، بل تتعدى ذلك إلى ان ترسم افقا جديدا للعلاقة مع المتلقي، حيث تسمح له بالدخول والتحرك داخل مساحة العمل والتفاعل مع عناصره، وهذه التجربة في عملية التلقي ستوفر له المشاركة بجميع حواسه أو بعضها، وهي مختلفة بكل تأكيد عما اختزنته ذاكرته وذائقته عن عملية تلقي العمل الفني، بالتالي ستضعه أمام عمل يمكن رؤيته من زوايا نظر متنوعة وليس من زواية واحدة، كما هو الحال في اللوحة أو المنحوتة المنتجة في إطار الفهم التقليدي للعمل الفني، كما ان العلاقة بين المتلقي والعمل ستكون مباشرة، دون حواجز تقف حائلا بين حرية اللمس والشم والإصغاء، فالحواس ستكون في حالة من الفعالية والحضور، وبناء على ذلك تلعب التوقعات الثقافية للمكان بطبيعته الاجتماعية العامة دورا واضحا في تأسيس العلاقة ما بين المنتج الفني والمتلقي.

 

تجاوز الشكل

إذا ما كان هناك من تشابه بين العمل المفاهيمي وبين عمل النحت التقليدي أو ذلك الذي ينتمي إلى الحداثة فإن الشكل لا يأخذ الحيز الأكبر من الاهتمام لدى الفنان المفاهيمي بقدر ما يسعى إلى تأكيد الفكرة وإلى تحقيق قوة العلاقة مع المكان ومع الملتقي المرتبط مع المكان بعلاقة وظيفية. فاطروحة الخطاب هنا تتجاوز اللغة الشكلية في اللوحة إلى ما يعبر عنه الفنان في رسالته القصدية، وللوهلة الأولى قد نجد تشابها في بعض التركيبات مع المنحوتات الحرفية التقليدية، وهذا ما يبدو ظاهريا، لانَّ فن التركيب يعكس بشكل فعال مبادئ النحت، لكنه يختلف عنه في ان فضاءاته التي يعرض فيها ليس لها اشتراطات محددة بأطر ثقافية وفنية متفق عليها مسبقا في المنظومة الثقافية السائدة، وغالبا ما تحيط التركيبات المفاهيمية بالمتلقي في مساحة الحياة المختلفة التي يتفاعل معها، بمعنى لا وجود لاشتراطات خارجية مسبقة على مكان العرض.

 

تلاقح مع فنون الأداء

ان فناني المفاهيم في تركيباتهم لديهم توق كبير للخروج من سلطة كل ما هو تقليدي في رؤية التجربة الفنية، يدفعهم إلى ذلك نزعتهم إلى ترسيخ حريتهم الفردية والخروج من نموذج واحد تتحرك في حدوده اللوحة وطريقة عرضها، وبفعل تحولات كثيرة شهدها القرن العشرين تأثرت قناعاتهم حول شكل ومحتوى اللوحة التي يقصدون عرضها، وامتد ذلك إلى المكان الذي يعرضونها فيه.

في تراكيب الفن المفاهيمي يتداخل الواقع مع الخيال بتجربة واقعية، لان خطاب الفنان يتوخى الجمع ما بين الموضوعية والذاتية، بين الحقيقة الملموسة والجمال التخييلي، ضمن مكان واقعي، لربما يكون الجمع بينهما في فضاء قاعة داخلية تقليدية للعرض، أو في مكان عام مثل ساحة لوقوف السيارات أو ملعب لكرة القدم أو مبنى سكني، وعادة ما تكون هذه الأماكن في حالة تفاعل حي مع الإنسان.

ما يجدر الإشارة إليه ان ظهور أشرطة الفيديو والحواسيب والتقنيات الرقمية كان له أثر كبير على الأعمال المفاهيمية فكان ان تعامل معها الفنانون بسرعة وتفاعل كبيرين فانبثقت استخداماتها في العديد من أعمالهم، ولم يتوقفوا عند هذه الحدود بل تجاوزوا في تطلعاتهم واستثماراتهم ليصلوا إلى مرحلة تلاقحت فيها تجاربهم مع فنون المسرح والرقص الحديث والتصميم المعماري.

 

فلسفة ما بعد الحداثة

التراكيب في الفن المفاهيمي أفضل تجسيد لفلسفة ما بعد الحداثة، وهي تعبير عن الأفكار التي يسعى إلى طرحها الفنان، حيث لا ينشغل كثيرا بجودة المنتج النهائي كما هو الحال في الأعمال التي تخضع لاشتراطات الأطر التقليدية، فالفنان هنا يضع نفسه في حالة انقطاع تام مع الذائقة السائدة، ليقف أمام فضاء مفتوح مقتحما مساحة خالية بما يحمله من أفكار ليقيم عليها تركيبة مبتكرة، معتمدا في تأسيسها على مواد مختلفة، لا شيء يجمعها في الواقع، إلاَّ انه بمخيلته يقضي على هذا التنافر القائم في ما بينها من حيث الوظيفة، وينسج لها تركيبة من العلاقات بعد ان يسقط عليها أفكاره.

ما يؤخذ على الأعمال المفاهيمية ان منتجاتها تختفي في أغلب الأحيان، ما أن ينتهي العرض، وهذا يعود إلى التقنيات المستخدمة فيها، والتي لا تساعد على نقلها بسهولة وحفظها في مكان آخر من غير ان تتعرض إلى أضرار كبيرة، وإذا لم يتم تصويرها، فمن الصعوبة بمكان ان نعثر على ما يثبت وجودها، على عكس اللوحة بمفهومها الشائع حيث تتيح لنا فرصة مشاهدتها مرارا وتكرارا لانها خضعت إلى التثبيت.

بطبيعة الحال لا تتفق معظم الأعمال المفاهيمية من حيث النضج الفني والقدرة على البوح بما تحمله من أفكار، وما قد ينتج عنها من تأثيرات حسية لدى المتلقي،لان البعض ربما قد يستسهل الدخول إلى تراكيب هذا العالم المفاهيمي، بالتالي سنكون أمام نتاج فني يتراوح بين مستويات مختلفة من حيث المعالجة الفنية، تتوزع ما بين البسيطة جدًا إلى المعقدة جدًا سواء من حيث التركيب أو من حيث المحتوى الفكري، فالاحتمالات بهذا السياق التركيبي لا حدود لها وتعتمد كليًا على مفهوم الفنان وأهدافه وسعة مخيلته، لان المتاح أمامه من مواد لا حدود له، وهذا قد يحدث ارباكا لدى البعض بقدر ما يكون فعالا ومحفزا لدى البعض الآخر، فمن الممكن استخدام أنواع من المواد والوسائط، بما في ذلك أشياء طبيعية أو من صنع الإنسان أو من وسائط حديثة مثل الأفلام والرسوم المتحركة والتصوير الفوتوغرافي وفن الأداء الحي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية