بيروت-“القدس العربي”:يعمل البروفيسور مازن قمصية بالتعاون مع زوجته منذ قررا العودة إلى فلسطين سنة 2008 بجهد ومثابرة لما فيه خير وطنهما وأهله. الأستاذ الذي حاضر لسنوات طويلة في جامعات الولايات المتحدة وكندا، يتابع عمله الأكاديمي وأبحاثه في جامعتي بيت لحم وبير زيت.
مشاريع ومؤسسات عدّة أنشأها قمصية مع زوجته ساهمت بتغيير حياة الناس نحو الأفضل وبشكل ملموس. من تلك المشاريع على سبيل المثال “مختبر الوراثة السريرية” الذي كان يفتقده الوطن المحتل، وذلك بتبرع شخصي بلغ 25 ألف دولار أمريكي.
من جهة أخرى يدير البروفيسور قمصية مع زوجته وبتطوع كامل “المعهد الفلسطيني للتنوع البيولوجي والإستدامة” في جامعة بيت لحم. وهذا المشروع الحيوي والوطني ساهم بترشيحه لجائزة تكريم والفوز بها في العام المنصرم. فهذا المعهد تحول لمحجة يفترض الوقوف عند محتوياته وانجازاته من قبل كل زائر لفلسطين.
الرجل الذي شقّ حياته ويتابعها بهدوء في وطنه وبين ناسه رغم منغصات الاحتلال، اكتسب صفة البروفيسور المقاوم. ورغم مشاريعه ذات الهدف الإنساني والطبي والبيئي فالاحتلال لم يتركه بحاله. فقد تعرّض قمصية للمضايقات ولا يزال، وأيضاً للاعتقال. وفي الوقت نفسه حصد عشرات الجوائز نظراً لأهمية إنجازاته ودورها الإيجابي الكبير على شعبه الرازح تحت الاحتلال. حول الدكتور مازن قمصية وزوجته يلتف العشرات من المتطوعين وبخاصة في مشروع “المعهد” لأنهم يدركون حقيقة الفرق الذي يحدثونه في استدامة الطبيعة والمجتمعات البشرية.
مع الدكتور مازن قمصية هذا الحوار:
*نبارك لكم جائزة تكريم للتنمية البيئية المستدامة. ونعرف أن مشروعكم “متحف فلسطين للتاريخ الطبيعي” نال الكثير من الثناء. لنتعرف إلى نشأته ومكانه وأهدافه؟
**بدات فكرة المتحف من العمل الأول لعالم الاحياء الفلسطيني الدكتور سنا عطا الله الذي توفي بحادث سيارة قبل ان يكمل عقده الثالث. أردنا لمشروع المتحف أن يستمر وتابعت العمل فيه بالتعاون مع زوجتي، وإلى جانبنا مجموعة من المتطوعين. أبصر المتحف النور عام 2014 معتمداً على جهود المتطوعين والتبرعات المحلية. إذ يعمل متحف فلسطين للتاريخ الطبيعي ومعهد فلسطين للتنوع الحيوي والاستدامة في جامعة بيت لحم، على رؤية معينة تركز على الأبحاث، التعليم، الحماية، والتنوع الحيوي، وكذلك ثقافتنا وإرثنا الحضاري. ونحن نجتهد لاستخدام المعرفة، بهدف خلق وعي لدى الأفراد بأهمية الحفاظ على البيئة، والتفاعل بين جميع مكوناتها. شعارنا هو احترام أنفسنا، واحترام الآخرين، ومن ثم احترام بيئتنا.
*من المؤكد أن مقاومة المحتل تشمل أطر الحياة كافة فعندما عدت سنة 2008 مع زوجتك إلى وطنك هل كنت في تصور مسبق للمشروع الذي ستخوضه؟
**كان التصور هو خدمة بيئة فلسطين واستدامة الشعب الفلسطيني على أرضه المهمة تاريخيا وبيئيا. لم يكن تصورنا في هذا المجال متنوعا على ما هو اليوم، مثل التراث الثقافي، والزراعة والحديقة النباتية والمجتمعية. بل تطورت هذه الأفكار بسبب الحاجة إليها، وارتباطها بالتنوع الحيوي والبيئة الفلسطينية، وهي بالتأكيد مشاريع مقاومة لأنها تساعد في بقاء الإنسان على أرضه، في ظل اصرار الاستعمار الإسرائيلي على اقتلاعنا من أرضنا، وتهويد تراثنا الطبيعي.
*”متحف فلسطين للتاريخ الطبيعي” كم يخدم سرديتنا بأن فلسطين جميعها لنا؟
**فلسطين هي وحدة جغرافية موحدة ولا يمكن تقسيمها. وفلسطين منطقة مهمة كونها تربط القارات فيما بينها، ومنها هاجر الإنسان الأول من أفريقيا إلى أوروبا، وبقية العالم. وشعب فلسطين هو الشعب الذي هجّن النباتات والحيوانات وانتقل إلى الزراعة. وبهذا كانت فلسطين مهد الحضارات. وبناء عليه لنتذكر ان شعب فلسطين كله بغض النظر عن ديانته، هو الشعب الأصلي الكنعاني، ولا يمكن فصله إلى جزئيات. لذا فإن المتحف يهدف إلى التركيز على وحدة الشعب الفلسطيني. ووحدة فلسطين، ووحدة طبيعتها، ووحدة تاريخها. فعلى سبيل المثال قام المستشرقون منذ بدايات الاستعمار والانتداب البريطاني بدراسة التنوع الحيوي في فلسطين، نظرا لأهمية موقعها وطبيعتها الجغرافية. وعليه فقد تم تسجيل العديد من أنواع النباتات والحيوانات لأول مرة في فلسطين، وتمت تسميتها علميا باسم فلسطين. ولكن في الوقت الحالي وضمن سياسات التهويد الإسرائيلي لهويتنا وتراثنا الفلسطيني، يلجأ العديد من الباحثين إلى تغيير أسماء الأنواع واعطائها تسمية إسرائيلية، بعيدا عن تسميتها المنسوبة إلى فلسطين. بالإضافة إلى استبدال مسميات القرى والبلدات الفلسطينية المكتشفة فيها هذه الأنواع، إلى مسميات لوحدات استيطانية جديدة ذات تسمية قريبة من التسمية الأصلية للمنطقة. وبالتالي يضيع اسم فلسطين وأسماء القرى الأصلية، حيث ان التسمية المنسوبة تدلل على وجود فلسطين قبل وعد بلفور وقبل الاحتلال الإسرائيلي عام 1948 الذي يحاول تهويد هذا الواقع.
*قلت بأن فلسطين هي أرض أجدادنا الكنعانيين وهزم على أرضها الصليبيون وسيُهزم الصهيونيون. من أين تستمد تفاؤلك؟
**التفاؤل يأتي من دراسة موضوعية للتاريخ حيث كان شعب فلسطين الأصلي دائما متعدد الديانات والثقافات والحضارات منذ آلاف السنين. حاول البعض تغيير هذا الواقع لكنهم فشلوا، والصليبيون منهم على سبيل المثال. الحركة الصهيونية حركة عنصرية، تحاول جذب يهود العالم إلى فلسطين لتوطينهم واخراج السكان الأصليين. وهذا سيفشل كما فشل الصليبيون. ويأتي التفاؤل أيضا من صمود شعبنا الفلسطيني المقاوم على أرضه في ظل كل ما يتعرض له من تعديات.
*من أطلق عليك لقب البروفيسور المقاوم؟
**لا أذكر، يمكن أن تكون مجموعة أشخاص إعلاميين ممن سمعوا محاضراتي.
*بأي هدف أسست مع زوجتك مختبر الوراثة الطبية في فلسطين؟ وهل العمل فيه مُتيسّر في ظل الظروف التي تمرون بها الآن؟
**لم يكن هناك أي مختبر في الضفة الغربية يقوم بفحص عينات الكروموسومات والأمراض الوراثية المنتشرة هنا لأسباب متعددة. وكانت العينات تُرسل إلى خارج الضفة الغربية وتُكلف مبالغ عالية. لذلك تم تأسيس المختبر نظرا للحاجة الماسة، ومن أجل خدمة المجتمع لإجراء هذه الفحوصات بأسعار رمزية. كما اننا لاحظنا التأثير الصحي للمستوطنات الصناعية لذلك قررنا ايجاد مختبر يعمل على دراسة هذه التأثيرات الصحية على صحة الإنسان.
*أنت عضو مجلس إدارة لعدد من المنظمات الشبابية. كم أنت مؤمن بقدرات الشباب على النشاط إنطلاقاً من أنه “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”؟
** تستهدف برامجنا جميع الفئات والأعمار بمختلف الطرق، حيث أن المتحف يتيح الفرصة أمام الطلاب من مختلف الجامعات لإنجاز مشاريع التخرج بشكل عملي في المتحف. ويتم من خلال الأبحاث العلمية “أكثر من 25 بحث علمي خلال سنتين” العمل مع فئة الشباب لتطوير باحثين علميين يعملون في مجال التنوع الحيوي في فلسطين، ورفد قطاع العمل بشباب ذوو خلفية علمية ليطوروا من أنفسهم ويغطوا الفجوة الموجودة على صعيد الباحثين العلميين في مجال التنوع الحيوي والبيئة في فلسطين. معظم الشعب الفلسطيني من فئة الشباب وهم أمل المستقبل المشرق على هذه الأرض المقدسة، ولذلك على الجميع مساعدة الشباب واعطائهم الفرصة للنمو الفكري والجسدي، من أجل الصمود والتحرر من الاحتلال الفكري لخلق مستقبل أفضل للجميع.
*كم أنت متفائل بصحوة عالمية لا تجافي الحق ودون أن نطلب من أحد مناصرة حقنا في فلسطيننا؟
**قضية فلسطين هي أهم قضية عالمية حاليا، تماماً كما كانت قضية جنوب أفريقيا مهمة لتسليط الضوء على ازدواجية معايير الدول الغربية كحكومات. ففلسطين مهمة للسبب عينه. وبما ان الحكومات الغربية تدعم الاستعمار فإن الشعوب الغربية تحركت لمساندة الشعب الفلسطيني المظلوم مقارنة بحكوماتها. ونحن كفلسطينيين فخورون بهذه الصحوة العالمية، ونتمنى ان يكون هناك صحوة عربية مقابلة ومماثلة لهذه الصحوة العالمية.
*كأكاديمي ما هو موقفك من بيان المثقفين والأكاديميين العرب والفلسطينيين حول مفهومهم لللاسامية وصدور بيان مؤيد من 600 أكاديمي يهودي؟ وهل تعتقد أن جامعات العالم ستبدل مفهومها الجائر؟
**بما ان الحركة الصهيونية تخسر مواقف لانها حركة استعمارية ومبنية على أساطير، وخرافات تاريخية ليس لها أساس من الصحة والقيمة القانونية والأخلاقية، فإن هذه الحركة حاولت استغلال الشعور بالذنب عند الدول الغربية لتأييد الحركة الصهيونية العنصرية. ولذلك لجأت الأخيرة إلى محاولة خلط الأوراق بحيث تعتبر أي انتقاد للصهيونية هو بمثابة انتقاد لليهودية. لكن من ناحية منطقية العالم والشعوب الدولية ترفض هذه المعادلة ونحن كأكاديميين من أكثر الناس فهما للتاريخ لا يمكن ان نقبل مثل هذا الافتراء.