لندن – “القدس العربي” : بدون سابق إنذار، قرر محمد صلاح إثارة الجدل والتكهنات حول مستقبله، بالكشف عن رغبته وانفتاحه على فكرة مغادرة ليفربول، على أمل أن يضرب عصفورين بحجر واحد، الأول بالتقدم خطوة عملاقة إلى الأمام في مسيرته الاحترافية، والثاني بتحقيق حلمه وحلم 99% من لاعبي كرة القدم، بارتداء قميص ريال مدريد أو برشلونة، وذلك في المقابلة الحصرية التي أجراها مع صحيفة “آس” المحسوبة على النادي الميرينغي، وكانت سببا في تشقق علاقته الاستثنائية بمدربه الألماني يورغن كلوب.
رسائل مقصودة
لاحظنا أن أسطورة النادي الأهلي محمد أبو تريكة، تعرض لحملة شعواء في الإعلام المصري، وصلت لحد اتهامه بتحريض صلاح على مدربه وناديه، أو كما قال جنرال الإعلام مدحت شلبي “أبو تريكة فضح الدنيا”، وذلك بطبيعة الحال من هول ردود الأفعال العالمية على السبق الصحافي، الذي انفرد به أبو تريكة، بالكشف صراحة عما يدور في رأس صلاح، بناء على مكالمة هاتفية بينهما، كان قد رّوج لها كما ينبغي، تزامنا مع تصاعد الأزمة وانتشار الشائعات في ردود الأفعال الأولى بعد نشر محتوى المقابلة بالكامل. ومن يعرف فخر “ناهيا” أبو تريكة وأخلاقه على المستوى الإنساني، كشخص يُضرب به المثل في التواضع والصدق وصاحب مواقف ثابتة وجريئة، يفهم جيدا أنه ليس من النوعية التي تبحث عن إثارة الجدل، أو بلغة مواليد الألفية الجديدة وعصر “السوشيال ميديا” من عشاق “ركوب التريند”، بل بدون مبالغة أو تطبيل، من القلائل الذين تبحث عنهم أضواء الشهرة، لما يتمتع به من شعبية جارفة ومحبة “ربانية” في قلوب الملايين من المحيط إلى الخليج، إلى جانب نعمة العقل التي تظهر في انتقاء واختيار كلماته أمام الشاشة، حفاظا على صورته المحفورة في الأذهان، كقدوة ومثل أعلى للأطفال والشباب في عالم كرة القدم، وأيضا كشخصية عامة لها وزنها وثقلها، وقبل أي شيء، يتحلى بذكاء الدبلوماسيين في حديثه، ليس فقط لأنه يعرف مكانته ونجوميته في المجتمع العربي، بل أيضا لأنه يُدرك أن المتربصين سيصطادون في الماء العكر، ومع أول هفوة أو زلة لسان موجهة إلى الرأي العام، سيدفع فاتورة سياسية باهظة الثمن، وهذا ما أكسبه مصداقية وثقة البسطاء قبل النخبة، وبالإضافة إلى ما سبق، هو الصديق الصدوق لأبو مكة، لذا كان واضحا، أن أبو تريكة لم يفجر القنبلة الصحافية من تلقاء نفسه، بل بمباركة صاحب الشأن، والدليل على ذلك، أن تصريحات محلل قنوات “بي إن”، فسرت الكلمات الرمادية التي أدلى بها صلاح في مقابلة “آس”، خاصة رده المطاطي على سؤال حول رغبته في اللعب للريال أو البارسا، وكذلك خيبة أمله لعدم منحه شارة القيادة أمام ميتييلاند في ختام دوري أبطال أوروبا، حتى تلميحات أبو تريكة عن إمكانية عرض زميله للبيع في سوق الانتقالات الصيفية المقبلة، ليست عبثا، بل رسائل مقصودة لمن يهمه الأمر، وإلا لما أخذت اقتباسات الماجيكو هذه الهالة والضجة الإعلامية، التي فاقت الاهتمام بمقابلة المو.
توابع القنبلة
عزيزي القارئ، هل لديك ذرة شك في ذكاء محمد صلاح؟ قبل التفكير في الإجابة، لو عُدنا إلى الوراء عامين أو أقل، سنتذكر مواقفه التي عكست بشكل أو آخر مدى تطور ونضوج تفكيره، بعد التحول الكبير في اسمه ومسيرته، من مجرد جناح واعد مع روما ومن قبله فيورنتينا وتشلسي، إلى “سوبر ستار” بالمعنى الحرفي بعد موسم 2017-2018 الخرافي مع الريدز، متسلحا بنفوذه عبر “السوشيال ميديا”، التي كانت ولا زالت أداته المفضلة لإيصال رسائله وأحيانا الضغط على الآخرين في صراعاته خارج المستطيل الأخضر، كما استخدمها في أزماته الكثيرة مع الاتحاد المصري لكرة القدم، أشهرها خرق حقوق صورته على طائرة مونديال 2018. وبوجه عام، التجارب السابقة، أثبتت لنا، أن أبو صلاح لا يختلف كثيرا عن مُلهمه أبو تريكة في فن انتقاء الكلمات، دائما يكتفي بعبارات بريطانية مرتبة، ولا يبالغ أو يضخم الوعود للجماهير، فقط يتحدث في أضيق الحدود عن أهدافه وطموحه مع الفريق في نهاية الموسم، والأهم مما سبق، ما قاله بنفسه في ندوة أحد البنوك المصرية، عن “المينتاليتي”، وكيف ساعدته في الوصول إلى مكانة لم يقترب منها أي لاعب عربي في التاريخ. ولو نتذكر كلامه المثير للجدل في هذا الإعلان التجاري، قال نصا إنه “يعرف مغزى كل كلمة تخرج على لسانه”، والسؤال هنا: إذا كان البعض يعرف ولو القليل عن عقلية وطموح صلاح في تحطيم كل المعتقدات القديمة عن اللاعبين العرب، فما بالك بالرجل الذي صنع هذا الوحش؟ حتما كلوب يعرفه أكثر من أي شخص آخر، لذلك تغيرت نبرة حديثه عن الفتى المدلل في حواره مع الصحافيين عشية التعادل مع نيوكاسل بدون أهداف، كأول مرة يتحدث فيها بطريقة سلبية مع هداف حقبته، وذلك بطبيعة الحال، لأنه فهم النوايا، بعد ترجمة اقتباسات أبو تريكة. والأغرب من ذلك، أن المدرب تعمد استفزاز صلاح، على طريقة “قصف الجبهات”، بأنه ارتكب خطأ بمنح الشارة للشاب ترينت ألكسندر أرنولد في المباراة الشؤم، وكان ينبغي أن يحصل عليها البلجيكي دوفيك أوريغي، من دون أن يفوت الفرصة، بفتح باب خروج الفرعون من “آنفيلد” في أي وقت، وبنفس الأسلوب الرمادي، الذي تحدث به صلاح مع الصحيفة المدريدية، بقوله: “ليفربول لا يجبر أحداً على البقاء”، وجاءت التوابع، بحالة التوتر والعصبية التي كان عليها النجم المصري أمام جيوش المدينة، والتي ظهرت في الفرص السهلة التي أهدرها بغرابة أمام الحارس كارل دارلو، وفي الأخير، عاقبه كلوب باستبداله بالمهمش شيردان شاكيري في الدقيقة 90، كأنه اغتال معنويات صلاح في ثوان، بالاستغناء عنه في الوقت الصعب الذي يحتاج فيه الفريق لمسات هدافه الحاسم +90، كمؤشر واضح لإمكانية تطور الاحتقان (المخفي)، إلا إذا قبل المو التحدي، وأثبت عمليا أن مستواه داخل الملعب لم ولن يتأثر بالأشياء التي بصوت أبو تريكة “لا تجعله سعيدا في ليفربول”، وهذا ما ستكشفه المباريات المقبلة، بداية من سهرة الإثنين أمام أستون فيلا، التي ستكون فرصة نادرة لتلطيف الأجواء مع المشجعين، برد الدين للفريق الذي أذل حامل اللقب بالسبعة في أكتوبر/تشرين الماضي.
في ما يفكر صلاح؟
هذا السؤال قابل لعدة إجابات، الأولى ربما تكون محاولة مشروعة، للضغط على الإدارة من أجل تحسين راتبه السنوي، الذي لا يزيد كثيرا على 10 ملايين جنيه إسترليني. صحيح الرقم يبدو مقبولا للاعب من الطراز العالمي، لكن بالنسبة لعلامة تجارية مثل صلاح، فهو رقم ضعيف مقارنة بما يتقاضاه البلجيكي كيفن دي بروين من مانشستر سيتي، الذي يحصل على قرابة الـ19 مليوناً بنفس العملة مع نهاية كل موسم، ما يعادل ضعفي راتب أقرب منافس لكريستيانو رونالدو وليونيل ميسي ونيمار جونيور، إن لم يكن على نفس مستوى الأخير فيما يخص عقود الرعاية والحملات التجارية، ونفس الرقم يتقاضاه رحيم ستيرلنغ من “السكاي بلوز”، وأسماء أخرى في البريميرليغ تعيش في رفاهية أكثر من اللاعب الذي صوت له الجمهور بأنه الأفضل في إنكلترا، منهم أسماء لم تترك أي بصمة في آخر موسمين، كبول بوغبا ومسعود أوزيل، والأخير بالذات يكسب حوالي 13 مليوناً مقابل الذهاب إلى مقر تدريب آرسنال كل صباح. الإجابة الأخرى، ربما يكون قد اكتفى بما قدمه لأحمر الميرسيسايد على مدار 4 سنوات، حقق خلالها كل شيء، بما في ذلك الفوز بالثلاثية القارية دوري أبطال أوروبا والكأس السوبر الأوروبية وكأس العالم للأندية، وإنهاء عقدة الدوري الإنكليزي الممتاز بعد غياب 30 عاما، بخلاف الكم الهائل من الجوائز الفردية، بما في ذلك هداف الدوري مرتين، وينافس الآن على الحذاء الذهبي الثالث، وقد يكون في اعتقاده، أن استمراره في “آنفيلد”، لن يساعده على تحقيق الخطوة المقبلة في مسيرته، وهي الفوز بالكرة الذهبية (البالون دور)، تلك الجائزة التي احتكرها ريال مدريد وبرشلونة في العشرية الأخيرة بفضل صاروخ ماديرا والبرغوث، وربما يكون قد تعمد ترك الباب مفتوحا لكل الاحتمالات، بقوله: “ريال مدريد وبرشلونة ناديان كبيران ولا أحد يعرف ماذا سيحدث في المستقبل”، ليعطي إشارة البدء في التواصل مع وكيل أعماله رامي عباس، تمهيدا لاختيار العرض الذي سيمهد له الطريق نحو أمجد الألقاب الجماعية والفردية. ورغم اعترافه في مقطع فيديو قديم، أنه من عشاق البلوغرانا ويحلم باللعب الى جانب ميسي، إلا أن هذا لا يقلل من فرص الملكي، الذي يستعد لميركاتو مدو في صيف 2021، لتعويض التقشف الأخير بهدف كسر حدة الخسائر الناجمة عن كورونا، ونفس الأمر بالنسبة لباريس سان جيرمان ويوفنتوس، لأن كليهما يملك القوة الشرائية لتمويل صفقة بهذا الوزن، وقد لا يكون في خططه مغادرة “آنفيلد”، ويريد فعلا تحطيم الأرقام القياسية لأساطير النادي، كما قال في نفس المقابلة، دليلا على أنه تعمد ترك تساؤلات بالجملة ورسائل منها المطمئن ومنها المخيف، بفتح المجال لإمكانية حدوث أي شيء الموسم المقبل، سواء خوض الموسم الخامس أو البحث عن تحد جديد.
الفخ ولعنة ليفربول
صحيح هيمن الريال والبارسا على الكرة الذهبية في السنوات الأخيرة، لكن كما أشرنا أعلاه، بسبب الثنائي الفضائي رونالدو وميسي، والآن يبدو واضحا أن رونالدو فقد الكثير من فرصه بعد رحيله عن الريال، والآخر في طريقه لمغادرة البارسا، وهذه إشارة إلى عودة زمن ما قبل رونالدو وميسي، بتناوب الأسماء على الجائزة كل عام أو اثنين على أقصى تقدير، إلى جانب ذلك، لم يعد عملاقا الليغا أصحاب حقوق الملكية لأفضل اللاعبين في العالم كما كان الوضع في العقد الأول من الألفية الجديد، إلى أن ظهرت القوى الحديثة المتمثلة في مانشستر سيتي وباريس سان جيرمان وبدرجة أقل أندية البريميرليغ بما فيها المتوسطة، وظهرت المؤشرات بحصول روبرت ليفاندوسكي على جائزة أفضل لاعب في العالم هذا العام. لذا قد يكون خيار الذهاب إلى الريال أو البارسا أشبه بالفخ، ولا يساعده على تحقيق ما يتمناه، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الناديان، خصوصا برشلونة، الذي يعيش واحدة من أسوأ فتراته في العصر الحديث، ومحتمل أن يكون القادم أسوأ إذا رحل ليو. بينما الريال، يبدو أكثر تماسكا بدون رونالدو، لكن مشجع النادي قبل الخصم، يعرف جيدا أن زيدان يواجه صعوبة بالغة لتحقيق الانتصارات وتسجيل الأهداف بدون الدون، ولا ننسى أيضا، أن طبيعة الجمهور الإسباني، وبالأخص الجمهور المدريدي، مختلفة تماما عن طبيعة وثقافة جمهور ليفربول، الذي يتعامل مع صلاح على أنه ملك داخل المدينة، بينما في “سانتياغو بيرنابيو”، تُرفع سريعا المناديل البيضاء ومعها صيحات الاستهجان مع ثاني مباراة لا يخرج منها بهدف أو بأداء متراجع، وهذه الكأس تجرع منها أعظم الأساطير، آخرهم كريستيانو رونالدو، وبوجه عام، يبدو واضحا أن ليفربول ينعم باستقرار أكثر من عملاقي الليغا، بمشروع لا يتأثر بنتيجة مباراة، على عكس زيدان الذي ينجو بأعجوبة من مقصلة الإقالة من حين لآخر، والأتعس حظا كومان، الذي يعرف أكثر من غيره، أنه أول المغادرين مع نهاية الموسم، كضحية انتخابات رئاسية، كما أن ليفربول طّور كثيرا من سياسته، بتغيير الصورة النمطية المعروفة عنه، كناد محطة لقطبي الليغا، كما حدث مع مايكل أوين وألفارو أربيلوا وتشابي ألونسو وفيليب كوتينيو ولويس سواريز، إلى مشروع من نفس فئة الريال والبارسا، هدفه الأول الحفاظ على قوامه الرئيسي وتدعيمه بأسماء قادرة على تقديم الإضافة. خذ مثال قدوم تياغو ألكانتارا من بايرن ميونيخ وهو في أوج لحظاته مع العملاق البافاري، بفوزه بثلاثية البوندسليغا وكأس ألمانيا ودوري الأبطال، لذا مسألة طموحه في الحصول على الكرة الذهبية أو أفضل لاعب في العالم من الفيفا، لم تعد مشروطة بارتداء القميص الملكي الأبيض أو الآخر الكتالوني، لأنه بطبيعة الحال في المكان المثالي الذي سيساعده على تحقيق حلمه مع الجوائز الفردية والجماعية المرموقة، خاصة بعدما تتساوى الرؤوس مع غروب شمس رونالدو وميسي، وزيادة سحب البساط من تحت أقدام عملاقي الليغا.
السيناريو المقبل
ما يؤكد أن ليفربول انتفض بعد تصريحات صلاح واقتباسات أبو تريكة، التقرير الذي نشره موقع النادي منتصف الأسبوع الماضي، بعنوان “صلاح يعيد إلى الأذهان فيليب كوتينيو”، مع تلميحات مشابهة لما قاله يورغن كلوب في المؤتمر الصحافي في الأسبوع ذاته، أن ليفربول لن يعود إلى الوراء، بل سيتقدم إلى الأمام بعد خروج من يريد تعطيل انسجام الفريق وبناء مشروع كلوب. واستشهد التقرير بالقفزة الكبيرة بعد بيع كوتينيو ولويس سواريز، ما يعني أنه في حال أراد أبو صلاح الرحيل، فسيزداد الفريق قوة وصلابة كما يفعل دائما. واللافت، أنه في ختام المادة، التمس طاقم التحرير العذر للدولي المصري، لصعوبة مقاومة إغراء اللعب للبارسا أو الريال، لكنهم ذكروا صلاح، بأن ما بناه كلوب وليفربول على مدار 6 سنوات، أصبح مؤسسة قادرة على منافسة أي قوة عظمى على وجه الأرض، كتلميح إلى أنه سيكون الخاسر وليس النادي، وإذا حدث ذلك، سيفاضل كلوب بين 4 أو 5 أسماء لخلافة هدافه المصري وفقا لما يتردد في الصحف البريطانية والإسبانية، وفي مقدمتهم اليافع الإنكليزي جادون سانشو، المحتمل رحيله عن بوروسيا دورتموند، بعد رحيل مدربه المفضل لوسيان فافر، وأيضا لافتقاده رغبة وشغف اللعب لأسود الفيستيفاليا، بعد منعه من الرحيل الصيف الماضي، إلا إذا خطفه مانشستر يونايتد هذا الشتاء، معها سيتجه النادي إلى الخطة “بي” باختيار جناح برشلونة الزجاجي عثمان ديمبيلي أو جوكر أستون فيلا جاك غريليتش. فيما سيكون الخيار الثالث والأخير إعادة الصغير هارفي إيليوت أو الابن الضال فيليب كوتينيو، أو قد تحدث متغيرات خارج التوقعات في ما تبقى من الموسم، لكن في الوقت الراهن، هناك حالة من القلق تسيطر على الجميع في ليفربول، تحسبا لانقلاب صلاح في نهاية الموسم، وأيضا لرسم خريطة الخروج من المأزق في أسرع وقت ممكن، فهل تعتقد عزيزي القارئ أن صلاح أخذ وضعية الاستعداد للذهاب إلى الريال أو البارسا؟ أم سيبقى في مشروع كلوب لفترة أطول؟