حاتم علي: حارس الصندوق الأمين أرخ السردية الفلسطينية بأمانة وصدق قل نظيرهما

خزامى رشيد
حجم الخط
2

رحل حارس الصندوق الأمين، الذي لم يعد يحتمل كل ذلك الأرق والألم المضني، الذي نعيشه ونكابده يوميا، ويكابده معنا بحسه المبدع وروحه التواقة لتقديم الأفضل دوما.

رحل حاتم علي في عز عطائه ونضوجه الفني، وهو ما زال مشغولا بهموم الإبداع والتفكير، بما قد ينجزه بعد، لولا أن الموت اختاره ليغلق ستارة عام 2020 المظلمة بأشد خسارتها وجعا.

غادرنا ابن الجولان المحتل، تاركا وراءه إرثا فنيا وبصريا وإبداعيا، جمع الناس حوله واتفقوا على تميزه وتفرده، إذ كانت أعماله مثار إعجاب النقاد والمشاهدين والمثقفين معا.

اختبر النزوح في طفولته لتسكن هذه الذاكرة مخيلته، فتملأ روحه بذاكرة مثقلة بوجع النزوح، هذه الذاكرة التي خبأها في طيات روحه، مازجا إياها بأوجاع اللجوء الفلسطيني في رائعته “التغريبة الفلسطينية” حيث كان لنشأته وترعرعه في منطقة مجاورة للمخيم الفلسطيني الدمشقي مخيم اليرموك ودراسته في مدارس مخيم اليرموك، أثر كبير في رغبته في إنجاز عمل درامي يؤرخ السردية الفلسطينية بأمانة وصدق، قل نظيرهما عن بقية الأعمال التي تناولت القضية الفلسطينية.

مشروع نجم

اختار دراسة التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية، تخرج من المعهد في عام 1986، ليبدأ مشواره الفني ممثلا في العديد من الأدوار الاجتماعية والتاريخية والبدوية، لعب دوره التمثيلي الأول في مسلسل “دائرة النار” للمخرج هيثم حقي، كتب العديد من المجموعات القصصية “مات 3 مرات” ” البارحة واليوم وغدا” و”آخر الهوى” بالإضافة إلى عدد من النصوص الدرامية، ليدخل في ما بعد في تجربة الإخراج التلفزيوني، حيث قدّم العديد من الأعمال التلفزيونية الناجحة والمميزة، التي أحبها الجمهور وقدر قيمتها، لأنه ببساطة احترم فيها ذائقة المشاهد وعقله، فالفن والعمل التلفزيوني وإن كان لا يخلو من مغامرة الخسارة، إلا أن تجاربه التلفزيونية العديدة حوّلها حاتم علي إلى مغامرة ناجحة مميزة، مغامرة تنوع فيها بين التاريخي والاجتماعي من أهمها “الزير سالم”، “ربيع قرطبة”، “التغريبة الفلسطينية”، “الفصول الأربعة”، “صلاح الدين الأيوبي”، “عمر”، “ملوك الطوائف”، “صقر قريش”، “قلم حمرة”، “أوركيديا”، “عصي الدمع”، “العراب”، كما أنه دخل مغامرة الفيلم السينمائي بفيلمي “آخر الليل”، و”العشاق” والفيلم القصير “شغف”، بالإضافة إلى إخراجه للعديد من المسلسلات المصرية كـ”الملك فاروق”، “تحت الأرض”، “كأنه مبارح”، “أو ده يلي صار”.

أعمال كثيرة أخرجها حاتم علي بعناية فائقة، فمن منا لم تأسره أحداث وشخصيات “الزير سالم” لرائعة الكاتب الراحل ممدوح عدوان، ومن منا لم يردد “لا تصالح”، وكأنها آخر وصايا عهد رومانسية الثبات والمقاومة.

من منا لم يجد حكايته الاجتماعية البسيطة في حوارات الـ”فصول الأربعة”، لريم حنا ودلع الرحبي من منا لم يجد ضالته في قراءة التاريخ، والبحث في تفاصيله وردهاته في “ربيع قرطبة”، “صلاح الدين الأيوبي”، و”عمر” وغيرهما من الأعمال التاريخية التي أنشأت بعدا وجسرا عميقين لامتداد التاريخ وقراءته بعمق وتبصر، من لم يبك هجرته وتغريبته الفلسطينية، تلك التغريبة التي أعادت سردية اللجوء الفلسطيني بعمق وحس ومسؤولية، بدون مزاودة، أو تربص لوقائع غريبة عن الحقيقية التاريخية، من منا لم يحفل بإنصاف حكايتنا الفلسطينية التي تاجر بها من تاجر، فأعاد صياغتها دراميا وفنيا، فأنصفت صورتنا التي شوهتها أروقة السياسية والمصالح والمنافع الضيقة.

عبقرية الكاتب والمخرج

 ثنائية جدلية مميزة جمعته مع الكاتب الفلسطيني وليد سيف، فأنجزا معا وأخرجا من صندوق الذاكرة جزءا من دموع وحرقة قلوب جداتنا وأجدادنا، المقتلعين قسرا من وطنهم فلسطين، من منا لم يستمتع بفيلمه “الليل الطويل” ومن منا مازال ينتظر حارسا أمينا كحاتم علي ليعيد صياغة وكتابة سردية التغريبة السورية، ليخرجها من صندوقها المعتم، ويعيد إخراجها بأمانة كما فعل في تغريبتنا الفلسطينية. أمل كبير بمنجز قد يقترحه حاتم علي انقطع فجأة تاركا فراغا أليما في قلوب محبيه في كل الوطن العربي، حيث أمتلأ فضاء الفيسبوك ووسائل التواصل بمرثيات توجز الاحترام والتقدير لفنه ولمسيرته وحزنا على رحيله المفاجئ، فقد أجمع الناس على اختلاف مشاربهم وآرائهم واتجاهاتهم، اجتمعوا والتقوا جميعا ليردوا شيئا من جميل حراسته لصندوق ذاكرتهم الأمين، اجتمع الناس في رثائه بعد أن فرقتهم السياسة والحروب والغربة، اجتماعا يلخص الاحترام الدفين والتقدير لمسيرته الفنية الحافلة بالعطاء والتميز والتحدي والشجاعة. فعالم التلفزيون والإنتاج التلفزيوني غالبا ما يحكمه عالم المال والتسويق والشروط المسبقة، إلا أن حاتم استطاع القفز فوق براثين الاختلاطات الصدئة التي تؤرق وتبطئ، بل تتجاهل القيمة الإبداعية للعمل التلفزيوني بمراهنته الدؤوبة والشجاعة على تجاوز الخطوط الحمر، مراهنته المرهقة التي كلفته الكثير، وآخر تلك التكاليف التي كلفته حياته.

كان حاتم علي متأنيا في اختيار نصوصه وممثليه وأدواته الفنية، فلم يستسهل يوما ويتماشى مع لعبة التسويق والمنافسات التلفزيونية المحمومة، فقد حافظ حاتم علي جوهرة الاختلاف عبر لعبة التأني، التي تعبر عن حس المسؤولية والالتزام الأخلاقي تجاه ما سيقدم ويعرض للناس، لم يتزلف ويجامل وكأنه في كل مرة يردد وصية الزير سالم لا تصالح، فلم يتصالح مع القوالب المفروضة على العمل التلفزيوني، لم يتصالح مع الاستسهال والاستنساخ، ولكنه أتقن بجديته واحترامه ما يوجب على المخرج تقديمه ونقله بأمانة، فقد أتقن بإبداعه ومسيرته الفنية الطويلة معادلة يصعب حلها في هذه الزمن الرديء. فوداعا لأيقونة الفن وحارس الصندوق الأمين ستبكيك دمشق كلها في يوم وداعك وسيبكيك من غرفت من حياتهم أجمل التفاصيل، فعبرت بهم إلى الشاشة الفضية فكنت بحق حارس الصندوق الأمين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية