الوفد الأمريكي حمل رسائل وعاد بأخرى : الجزائر تطالب بالحياد وواشنطن تطمئن

رضا شنوف
حجم الخط
5

الجزائر ـ «القدس العربي»: زيارة مساعد كاتب الدولة الأمريكي المكلف بشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ديفيد شينكر إلى الجزائر، اكتست أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها خاصة وأن الكثير من القراءات ذهبت إلى إمكانية حدوث تشققات في حائط العلاقات الأمريكية الجزائرية وتحديدا في مجال التعاون الأمني بسبب موقف ترامب حين أعلن دعمه وكما قال سيادة المغرب على الصحراء الغربية، وهو ما تعتبره الجزائر انحيازا غير مسبوق في تاريخ المواقف الأمريكية للمغرب على حساب الشرعية الدولية وعلى حساب علاقاتها معها بالنظر إلى أهمية هذه القضية التي تعتبر ضمن نطاق الأمن القومي الجزائري.
وقدمت الجزائر رسالة واضحة ومباشرة لضيفها الأمريكي بأنها غير راضية على مواقف واشنطن الأخيرة، خاصة في قضية الصحراء الغربية، وقال وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم خلال استقباله ديفيد شينكر، أن الجزائر تنتظر من الولايات المتحدة الأمريكية “الحياد الذي تقتضيه التحديات الراهنة” من أجل إحراز تقدم في قضايا السلام على الصعيدين الإقليمي والدولي حسبما أفاد به بيان لوزارة الخارجية الجزائرية.
وكان قد صل إلى الجزائر مساء الأربعاء، وفد أمريكي يضم وزيرة القوات الجوية باربرا باريت، ومساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر، وقائد القوات الجوية الأمريكية في أوروبا وأفريقيا الجنرال جيفري هاريجيان.
وقالت وزيرة القوات الجوية الأمريكية باربرا باريت عند وصولها إلى الجزائر: “أردنا بشدة أن نكون هنا لدرجة أننا حتى مع كورونا، بذلنا جهدا خاصا للمجيء إلى الجزائر” وأضافت “نحن نعتبر الجزائر شريكا جديا، وهذه علاقة جدية، نظرا للدور الريادي الذي أظهرتموه، لذا نأمل أن نعمل معكم كشركاء”.
وتجمع الجزائر بالولايات المتحدة علاقات وطيدة خاصة في مجال التعاون الأمني ومحاربة الإرهاب، إلى جانب تعاون اقتصادي خاصة في مجال المحروقات، غير أن مسؤولين أمريكيين سابقين حذروا من تراجع هذه العلاقة وتأثرها بفعل الصفقة التي عقدها الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب مع المغرب والكيان الإسرائيلي، والتي اعترف من خلالها بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل تطبيع المغرب علاقاته مع الإسرائيليين.

 قضية الصحراء الغربية

وكانت الجزائر قد اعتبرت أن اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية لا أثر قانونيا له، ويتعارض مع جميع قرارات الأمم المتحدة. وحذرت في بيان لوزارة خارجيتها من أن ذلك من شأنه تقويض جهود خفض التصعيد التي بذلت من أجل إقناع طرفي النزاع المغرب وجبهة البوليساريو بالعودة إلى المفاوضات من جديد، وشددت على أن موقفها “يستند على الشرعية الدولية وضد منطق الصفقات المشبوهة”. وجددت “دعمها الثابت لقضية الشعب الصحراوي العادلة”.
وفي قرائته لتصريح وزير الخارجية الجزائري صبري بوقدوم الذي أكد فيه على مطلب الجزائر بان تتبنى الولايات المتحدة موقفا حياديا في سياستها إزاء المنطقة، يقول الكاتب الصحافي المتابع للشؤون الدبلوماسية حمزة محصول في تصريح لـ”القدس العربي” كان “ملفتا جدا أن يقول وزير خارجيتنا للمسؤول الأمريكي: ننتظر منكم الحياد” وأضاف فالقوة “المعنوية والدبلوماسية لهذه الصراحة، تحمل براغماتية دقيقة وواضحة مفادها أنه من غير الممكن ان تسعى واشنطن معنا إلى شراكة أمنية وعسكرية مميزة وموسعة، بينما تنحاز في قضية تشكل خطرا على الأمن القومي الاستراتيجي لها” وحسبه فإنه على واشنطن أن “تحسم بعناية خياراتها في التعامل مع المنطقة المغاربية ككل”.
ويظهر ان الجزائر ترفض ان تكون متعاونة مع الولايات المتحدة في مجالات حساسة كمحاربة الإرهاب وضمان الاستقرار في المنطقة، في وقت تتسبب مواقف واشنطن وسياساتها في المنطقة بإضرار كبيرة على أمنها القومي. وبالنسبة للجزائر قضية الصحراء الغربية ليست فقط قضية تدعم فيها حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، ولكن أيضا مسألة لها علاقة بأمنها القومي الحيوي. وترى بأن حلها لا يكون إلا عبر بوابة الأمم المتحدة ووفقا لقراراتها، وترفض تحييد مسارها الطبيعي من طرف دولة عضوة في مجلس الأمن تتولى مهمة صياغة اللوائح المتعلقة بالصحراء الغربية، وهو ما من شأنه ان يؤثر على مسار القضية ويلغي العمل الدولي المتعدد الأطراف في إطار أهداف ومبادئ الأمم المتحدة.
وكان شينكر أكد في الندوة الصحافية التي عقدها بالعاصمة الجزائر في ختام زيارته أن سياسة الإدارة الأمريكية ثابتة فيما يخص منطقة شمال أفريقيا لا سيما بالنسبة للجزائر التي تلعب دورا “مهما ومثمرا” في القارة حسبه وقال أن “الإدارات الأمريكية المتعاقبة سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية أسهمت كلها في تعزيز العلاقات مع الجزائر”.
وخلق موقف ترامب من قضية الصحراء الغربية، شكوكا لدى الجزائر حول مقاربة جديدة لدى واشنطن تجاه المنطقة، والتي أبانت عن تحيز للمغرب مخالف لتقليد الدبلوماسية الأمريكية وفق متابعين، وكانت فرصة زيارة شينكر مهمة لوضع النقاط على الحروف بخصوص موقف ترامب الأخير.
وحسب الكاتب الصحافي حمزة محصول فإن تصريحات شينكر “تأكيد رسمي إضافي على أن اعتراف ترامب بمغربية الصحراء الغربية، لا يمثل إلا موقفا شاذا لهذا الرئيس الذي يصنع أسوأ مشاهد الديمقراطية والاعتداء على القانونين الدولي وقوانين بلاده”. وفي تعليقه على تصريح شينكر الذي قال فيه “لكل إدارة رؤيتها لحل القضية الصحراوية” يرى المتحدث أن بالعادة “مواقف السياسة الخارجية في قضايا مماثلة لا تحتكم إلى رؤية إدارة وإنما إلى إجماع وطني ومبادئ تثبت عليها الدولة مهما كان اللون السياسي الحاكم”.
ومن بين المسائل الهامة التي فصل فيها الدبلوماسي الأمريكي كانت قضية إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية في الصحراء الغربية، والتي أسالت الكثير من الحبر في وسائل الإعلام المحلية خاصة في المغرب، وقال شينكر حولها “أود أن أكون في تمام الوضوح: الولايات المتحدة الامريكية ليست بصدد إنشاء قاعدة عسكرية في الصحراء الغربية” مبرزا ان “قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا (افريكوم) لم تتحدث عن نقل مقرها إلى الصحراء الغربية”.
ويرى محصول أن “نفي المسؤول الأمريكي نقل أو إنشاء قاعدة عسكرية بالصحراء الغربية، ينهي ما كانت تعتقد وسائل إعلام دعائية مغربية أنها حرب نفسية تحقق فيها انتصارات وهمية” وأضاف “الحقيقة أن خلف هذه الدعاية نجد رغبة شديدة في الاستقواء بالخارج”.
ونوه المتحدث إلى كون “موضوع هذه القاعدة العسكرية، خلق مشاكل كبيرة للمغرب مع اسبانيا وربما حتى فرنسا، فمدريد لم تستسغ كل هذا الانبطاح المخزني أمام إدارة ترامب على حساب مصالحها كحليف تقليدي وصاحب نفوذ تاريخي في المنطقة” وختم تصريحه بالقول “نستطيع ان نفهم المغرب يصنع حصارا إقليميا على نفسه”.
أما بخصوص ملف ليبيا فقد عبر شينكر عن تقاسم كل من الجزائر والولايات المتحدة دعم “الحل السياسي في ليبيا ويدعمان المسار الأممي لحلحلة الأزمة في هذا البلد”. وقال ان الجزائر “دولة رائدة على الساحة الدولية ولبلدينا مصلحة مشتركة في ضمان منطقة أكثر أمانا واستقرارا وازدهارا”.

 تعاون عسكري واقتصادي

 زيارة الوفد الأمريكي لم تكن فقط لإزالة اللبس حول المواقف التي خلفتها مواقف ترامب الأخيرة، بل كانت سانحة لمناقشة التعاون العسكري بين البلدين خاصة في مجال سلاح الجو، حيث ان شينكر كان مرفوقا بكل من وزيرة القوات الجوية باربرا باريت، وقائد القوات الجوية الأمريكية في أوروبا وأفريقيا الجنرال جيفري هاريجيان، عقدوا اجتماعا مع قيادات عسكرية جزائرية حيث استقبلوا من طرف الأمين العام لوزارة الدفاع الجزائرية، اللواء عبد الحميد غريس، واللواء عمار عمراني، وقائد قوات الدفاع الجوي عن الإقليم اللواء محمود لعرابة، قائد القوات الجوية، واللواء قايدي محمد، رئيس دائرة الاستعمال والتحضير لأركان الجيش الجزائري.
وحسب بيان لوزارة الدفاع الجزائرية فقد تناولت المحادثات “حالة التعاون العسكري الثنائي وسبل تنويعه إلى مجالات اهتمام تخدم المصالح المشتركة للبلدين، كما تم تبادل التحاليل ووجهات النظر حول مختلف القضايا الراهنة”.
وكان شينكر قد أكد في ندوته الصحافية على أهمية التزام واشنطن بتعزيز وترقية التعاون الأمني الذي وصفه بـ”الممتاز” مع الجزائر، لا سيما في مجال مكافحة الإرهاب. وأشار في السياق إلى زيارة عدد من القيادات العسكرية الأمريكية الرفيعة على غرار وزير الدفاع الأمريكي السابق مارك اسبر، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي وزيارة قائد القوات الأمريكية في إفريقيا “افريكوم” الجنرال ستيفان تونساند، تؤكد حسبه “التزامات الولايات المتحدة مع الجزائر”.
وأشار الدبلوماسي الأمريكي لأهمية الجزائر في المنطقة والقارة بحكم أنها “عضو مهم وقيادي في الاتحاد الأفريقي ولدورها المثمر في المنطقة ووزنها على المستوى القاري” انطلاقا من موقعها ومساحتها الجغرافية.
أما من الناحية الاقتصادية فقد وصف شينكر العلاقات الجزائرية الأمريكية في المجال الاقتصادي بـ”المثمرة للجانبين” متوقعا ان تواصل الإدارة الجديدة المنتخبة بقيادة جو بايدن “نفس النهج”. وأكد على أهمية “تعزيز الاستثمار الأمريكي المباشر في الجزائر” مشيرا إلى إمكانيات الجزائر التي تخولها لعب دور مهم في أفريقيا وعلى المستوى الأوروبي في المجال التجاري، وحسبه هذا يعد “معيارا مهما” تأخذه الولايات المتحدة بعين الاعتبار، وشدد على أن الشراكة الأمريكية الجزائرية “أعمق بكثير من التعاون السياسي والأمني”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية