“من أحوال المحبين” مجموعة القاص المصري أحمد حلمي:: المتوالية القصصية وبناء المثالي والواقعي

عادل ضرغام
حجم الخط
0

بقدر كبير من الرهافة الفنية التي تحافظ على طائر الفن، وتهدهد ملامح تحليقه دون سقف جاهز لمساحة الحركة، ودون نتوء يوقف قيمة التشكيل الأدبي، يلتقط الكاتب أحمد حلمي في مجموعته القصصية الأولى “من أحوال المحبين” المواقف العادية والبسيطة، ويشعلها من جديد مستندا إلى ذاكرة تضم وتجمع الشبيه والنظير والمباين من البشر والروائح والتجارب والسلوك، يختزنها في صناديق يحملها بداخله، ويؤطر رماده بداخلها. كتابة تحتفي – وفق منطق فني خاص- بالذات في إحباطاتها المستمرة، وفي انتصاراتها المصنوعة من الخيال وأحلام اليقظة، ولهذا يجيء الواقع بحمولاته متواريا هامشيا، ويتحول الخيال أو حلم اليقظة إلى متن أساسي لمقاربة الحياة والاستمرار فيها، بالرغم من خطورة هذا المنحى الجدلي وانزياحه وارتباطه بجانب دون آخر، لأن هذا الانزياح سيؤدي بالضرورة إلى الوصول – البطل في قصص المجموعة – إلى نمط شبيه بالحالات التي تدثّر وتوحّد بها مثل المرأة البدينة أو الرجل العجوز البهلول، أو العارف الذي يختزن معرفته، ولذلك لا يقلقه بؤس العالم وفداحة الألم والتعوّد عليه.
قصص المجموعة تؤسس ارتكازها بالداخل الخفي، لا شيء يتجسد أمامها واقعا، ولكنها تطارده، وتحاول اصطياده، تتعقب أشباحه التي لا تظل على هيئة واحدة، فمع كل مقاربة أو عودة تحت أي مثير آني للمعاينة تتبدل وتتغير وتتشابك، وتأخذ أشكالا مختلفة، وتغدو كيانات سريعة العدو والطيران دون حيز جاهز يحدد مسارها وحركتها.

المتوالية القصصية والبطولة المجهرية

بعض الكتّاب يكشفون عن موهبتهم في عملهم الأول، من خلال الإعلان عنها في إطار المغايرة في آلية المقاربة، أو من خلال المنحى الفكري، ولكن هناك كتابا يكشفون- بالإضافة إلى ما سبق – عن هذه الموهبة من خلال جدة وانفتاح على الإنساني، فيشعر القارئ بمروره بالتجربة ذاتها، ويقيس ردود أفعاله من خلال النصوص المقدمة، ومن خلال ردة الفعل في الكتابة الفنية، وكأنها اقتراح قائم على التجربة والمعايشة.
تشكل قصص المجموعة متوالية سردية لها بطل واحد، يطل على القارئ بشكل جزئي في كل قصة، وبوعي خاص في مقاربته للحياة، فيلمح القارئ الندوب الصغرى التي تظل موجودة، وتطل برأسها مؤثرة في طبيعة الحركة، وفي طبيعة التوجه، كاشفة عن عمق الأثر ودوره في تحريك الآني.
كل قصص المجموعة مشدودة لبطل واحد يتم الحفر في ملامحه من الداخل حتى تظهر، وتتجلى للوجود، يكشف عن ذلك طبيعة السرد في قصص المجموعة حيث يتحرك ببطء، فالقصص هنا شكل سردي ينحت في موقعية ثابتة، مشدود للسكون وليس إلى الحركة، قصص ضد السردية المعهودة المرتبطة بالتدفق، فحركتها حركة داخلية مرتبطة بصناعة الأيقونات والنماذج البشرية من خلال إسدال الصفات الكاشفة عنها بالتراكم والتكرار في ردود أفعالها.
يتجلى ذلك واضحا إذا أدركنا أن ضمير السرد المهيمن هو ضمير المخاطب الذي يحيل إلى الداخل، وإلى أفق تيار الوعي، بوصفه آلية سكونية أكثر منها حركية، للكشف عن العواء والعراك الداخلي النفسي مع الذات والعالم. ويكشف عن ثبات السرد وموقعيته السكونية الداخلية هذا القصر اللافت في بنية النصوص القصصية، وكأنها مقاربة شعرية جزئية لصورة ذاتية من مختلف الجوانب المتاحة للرؤية، تفتح الباب لسؤال النوع الأدبي في العقود الأخيرة، وتشظي الحدود تحت تأثير شيوع مصطلحي (نص) و(كتابة). يتساوق مع القصر البنيوي للقصص ظاهرة تفتيت القصة لجزئيات في بعض القصص مثل قصة(دون خط رجعة)، لقياس مساحات التشابه والاختلاف وردود الأفعال في مواقف مختلفة، ووعي مختلف زمنيا.
في هذه المجموعة هناك خيط رهيف يجمع بينها، يتمثل في وحدة البطل، ووحدة المناخ، الماضي نفسه الخاص بالشخصية، لا يتم تشكيله في قصة واحدة، والحدث نفسه نشعر به موزعا ومقطرا في قصص عديدة، فملامح البطل بماضيه وهزائمه وانكساراته المتوالية التي شكلت طبيعة الخطوات أو التوجه الآني، ومسارب القادم، لا تتشكل في قصة واحدة، وإنما يتمّ تشكيلها بشكل متجاوب في ظل آلية الانفتاح والانغلاق النصي للكشف عن الأسباب والنتائج التي أدت إلى هذا النمط الضاغط والمستمر في الارتباط بالماضي والانفتاح عليه.
تتشكل الكتابة في ظل بنية مكتنزة تختار المشابه والنظير، وتشكل خيوطا متوازية متشابهة أو متطابقة الأثر، لتفصح عن كتابة بينية في النوع، أي بها من الشعر مجازاته واكتنازه، وبها من السرد الخيط السردي الرفيع والرهيف الذي يجمع بين القصص، ولينقل القارئ إلى حالة شديدة الخصوصية في تتبع السلوك نتيجة للمثيرات والنتائج والتراتب. وبها أيضا من الشعر الإلحاح على المقاربة، واستعادة المقاربة من الثبات وليس من الحركة، لأن هناك صندوقا يرافقه في حله وترحاله يحتوي على رماد التجارب السابقة، ولا يستطيع أن ينفذ إلى الجزء الحيوي الفعال بعد كنس هذا الرماد للقدرة على الفعل والمسير مرة أخرى.
ففي قصة “روح مغبرة في صندوق” يعيد المقاربة، وكأنه ينظر إلى مرآة مغطاة بالتراب، للإشارة إلى الروح في تجليها الفطري التي تأثرت بتراكم الرماد، فتغيب الملامح تحت تأثير هذا الغبار أو الأثر المترسب بفعل التجارب السابقة المتوالية والعديدة، وكأن كل شيء قابل للذوبان إلا هذه الأشياء التي تترسب بفعل فقدان المحبة، وتوزعها من نمط إلى نمط، ومن سياق إلى سياق. فمع كل تجربة تصحو التجارب السابقة، وتطل برأسها انطلاقا من المقدمات أو النتائج، وكأنه يعيد العزف على نوتة موسيقية سابقة، فلديه خزانات جاهزة للتجارب يكدسها ويستدعيها، فالحب اشتعال، وانتهاؤه رماد.
يكشف تأمل هذه المتوالية القصصية عن ملامح بطل واحد، يكتفي بالانعزال والمراقبة، ليس لديه قدرة على (النزال) مع الواقع، لأن الإدراك التجريبي كشف عن أوجاع ظل وجودها فاعلا بالرغم من تقدم العمر، ففي كل موقف يستدعي مواجهة أو نزالا، يكتفي البطل في كل التجليات بالمراقبة، بالانفعال، وليس بالفعل. ويكشف أيضا عن حضور دائم للوعي التهويمي الفطري، ودور هذا الوعي في اكتساب الفعل التجريبي، يصبح هذا الوعي الجديد بناء خاصا كما تجلى في قصة( الدرجات الخمسة أو الستة)، حيث يراقب البطل رد فعل البشر على  فعل ابن عمه في عمره الصغير لحظة جلوسه على المقهى طلبا للانتقال من وعي إلى وعي، ومن مرحلة إلى مرحلة، وظل ذلك حاضرا-أي فكرة التعنيف التي تعرض لها ابن العم- في مقاربة كل المواقف الشبيهة مع اختلاف الفارق الزمني، قهي قصص اكتساب الوعي، ومعاينة نموه.
فمع كل موقف قديم هناك نقش قديم يتشكل، ربما يظل مقياسا فاعلا بالرغم من سذاجته، وارتباطه بوعي تهويمي، يبني اختلافه وحضوره من كونه لحظة التعرف الأولى أو التحقق الأول في عنفوانه وفطريته دون سابق يمكن القياس عليه كما في قصة “عناق أول”. فهي لحظة تحول المثالي إلى تجريبي، وما يبعثه ذلك الدخول ويسدله من أسس قد تظل قائمة ما لم تهشم بفعل مساو أو زائد عن تلك الحال من المتعة والتجلي.
في ظل المتوالية القصصية ليس هناك بنية قصصية منغلقة على ذاتها، باحتوائها على مركز خاص قائم بها، وإنما تظل القصص بهذه المجموعة جزئيات منفتحة دون وجود مركز تتوجه إليه في وجودها الجزئي، وإنما يتولد المركز بفعل القراءة وعملية التلقي، وإعادة الترتيب، وإعادة فحص الجزئيات الكاشفة عن بطل واحد ثابت في كل قصص المجموعة، بحيث يشعر القارئ أن هناك مع كل قصة يتولد جانب أو ملمح من ملامح هذه الشخصية التي وزعها ربما دون تعمد، ولكن بناءها تولد من خلال الانتصار والارتباط بالذات والإيمان بقيمة ما تقدمه من وعي ذاتي خاص.
في ظل هذا الوعي الخاص الفردي يتأسس الدور الفاعل في التأطير وتشكيل هذه البنية المنفتحة التي لا يمكن الوعي بحدودها إلا من خلال قراءة كل القصص بوصفها كتلة واحدة مشدودة للبطل الذي يترك أثره ورائحته وشيئا من صفاته وملامحه في كل قصة. وعلى القارئ- والحال تلك- أن يقاربها وفق هذا التصور الباعث على الحركة والانفتاح، لا على الثبات والانغلاق.

المثالي والواقعي
في قصص المجموعة هناك اشتغال على منحى فكري، يتمثل في التوزع في مسألة الحب بين المثالي والواقعي، الحب في ذلك التصور موزع بين المثالي الذي لم يوجه السلوك العام للفرد، والواقعي ومتطلباته ومنطلقاته. تفصح قصص المجموعة أن المرأة/السماء/المثال حين تغيب أو تصبح حلما بعيد المنال يطل البطل وحيدا في العراء، وتسكعه على اختلاف هيئاته وألوانه ليس إلا حركة دائبة أو عواء مستديما للاقتراب من هذا المثال، قد يفلح ذلك التسكع في صناعة قشرة رهيفة، ولكن مع أول مواجهة مع الذات يطل هذا المثال بعنفوانه من جديد، مسدلا آليات وجوده، وقد كشفت قصص عديدة في المجموعة عن هذا المنحى، مثل (لوحة بيضاء ومنتظر).
تتشكل بالمقابل ملامح التشظي أو العراء في قصص كثيرة. وتنبع قيمة المثال في اكتماله من نواح عديدة، والتشظي في حالة العراء بدون سماء أو العواء ليس مقصودا لذاته، ولكنه يشكل محاولة أو بحثا عن مكونات هذا الاكتمال المثالي، حيث لا يتحقق في كيان نسوي واحد، وإنما يتشكل في إطار التعدد في نساء عديدات. فالمرأة المثال واحدة كما في قصة “ليلة مقمرة أخرى” تأتي كاشفة عن الاكتمال والفردية والثبات، تحرّك الجوانب الروحية والجسدية، بينما على الجانب الآخر يتحقق التشظي من خلال نساء عابرات عديدات، يتحركن من نسق النقصان، ويحركن جانبا واحدا هو الجانب الجسدي.
يمكن تلقي هذا النص (ليلة مقمرة أخرى) تلقيا بسيطا يقف به عند حدود الإشارة إلى فكرة تأمل الحياة واسترجاع الوجوه المؤثرة في حياة البطل، خاصة الوجوه الأنثوية مناط الاهتمام في النص، ولكن الإشارة إلى فان هيسلنج في قصة (وعد واحد) تجعلنا نعيد القراءة مرة أخرى، بشكل لا ينفي التلقي السابق، ولكن يبني عليه، لكي يصل به إلى توجه يرتبط في الأساس بسمات هذه المرأة /المثال، فهي تند عن التصور الطبيعي، وأقرب إلى الساحرات، فهي القمر الذي إذا أبصره الإنسان في لحظة اكتماله تحوّل إلى نسق مغاير، وخرج من سياقه بفعل تحوله إلى ذئب، ولم يعد قادرا على التواصل وفق سياقه المنطقي والطبيعي، ومن هنا تتولد فكرة المطاردة لهذا القمر، ولهذه المرأة المثال، حيث تغيّر وتبدّل في عاشقها، وتفقده مرتكزاته، وتقطع خيوط تواصله بعالمه السابق، ولم يكن كل هذا العواء، أو التقلب في سياق العابرات في ظل النسق الطبيعي إلا طلبا لاكتمال ما، مرّ به، ويحاول استعادة تواصله معه بتقديم وتشييد الانتماء الكامل من خلال هذا السلوك الموجب للاكتمال وما يوجده في النص من مغايرة للنسق المقبول انتظارا للحظة الصحو القادمة، وحتمية التواصل مع الواقع.
هذه الحالة من العراء المشحون بالعواء الصامت الداخلي تجد مشابهين لها في النهاية، تتوقع الذات أن تصل إلى صورتهم حين تتقدم بها السن، ففي قصة “وجبة الجحيم” تصبح السيدة المسنة – تعيدنا بدون وعي إلى نص صلاح عبدالصبور المرأة الشمس – نموذجا شبيها للإيمان بفكرة التيه والعراء، بوصفها نتيجة طبيعية لمطاردة التيه أو المثال الذي يمر به البطل الحقيقي المشارك في القصة، وكأن هذا الترابط كاشف عن الحال القادمة، فهو ارتباط بالشبيه والنظير.
ربما تشكل قصة “المجرم” الإطار الفكري لهذه المجموعة حيث تؤسس لثنائية المثالي والواقعي، في إطار نماذج أنثوية كاشفة عن سمات كل قسيم على حدة، وربما تشكل هذه القصة المرتكز الضوئي لكل قصص المجموعة، فهي تحمل الكثير من ملامح السرد الكاشفة عن الحكاية والحركة بعيدا عن الثبات الغالب على قصص المجموعة. فهي تشكل مرتكزا مهما يستطيع القارئ من خلالها إعادة فهم ورصد ووضع الصور المجهرية أو القصص التي تشكل بنى صغرى في سياقها المعهود بوصفها أجزاء من حكاية، وبوصفها مؤثرا ومفسرا، للحال التي وصل إليها السارد الفعلي الذي تتكامل ملامحه في كل قصة على حدة.
قصة “المجرم” تكشف عن المثال وفرديته وترفعه، وعن اثنتين في الاتجاه المقابل المتحقق الواقعي، حيث تغيّب الإفراد لتحوله إلى مثنى. تأتي نور نموذجا كاشفا عن المثال الذي يند عن التحقق، وتُحدث – من خلال غيابها – شروخا في الروح. ولم يكن التشظي مع الأخريات في الإطار المقابل سوى وسيلة لترميم هذه الشروخ. تأتي مريم – ومعها جيهان بدرجة أو بأخرى – رمزا للمتحقق المبتذل الذي يفرق منه البطل، ولكنه يستبقيه طالما يفلح من خلال أثره في ترميم جروح الروح السابقة، ويشير الوجود الثنائي على هذا الجانب الواقعي المتحقق إلى أن سمات المثال هي الاكتمال والتفرد، ذلك الاكتمال الذي إن تحقق واقعيا لا يتحقق إلا في إطار من التعدد، ومن هنا تأتي قيمة المثال من زاوية الرؤية أو المقاربة التي يطل منها البطل، فالمرأة المثال تشغل جميع الجوانب الروحية والجسدية، بينما نساء الجانب الآخر لا يشبعن إلا حاجات الجسد، مع فارق في التراتب بين (مريم) و(جيهان).
وفي قصة “مجنون الشمس” تتجلى الثنائية ذاتها، يبدو المثال في هذه القصة مشدودا للمغايرة والاختلاف بين كيانين، الأول بطل القصة مساعد ميكانيكي – يمثل وجها من وجوه العراء والعواء – حيث يتحرك وفق نسق معهود مرتبط بالأرض، وبآلية حياة تتشكل حدودها وملامحها من تعامل الأسطوات في نمط يكشف عن تراتب واعتداءات جسدية ولفظية، بينما يتجلى الكيان الآخر الأنثوي من نمط التعالي في ظل وجود الشمس بوصفها إشارة من إشارات العلو والارتفاع، وثبات وحتمية الوجود والتأثير في الكيان الأول، فكأنها في ذلك السياق تمثل أفقا متعاليا، ولا يجد بطل القصة في هذا الإطار سوى التدثر بحلم اليقظة، ومطالعة ومراقبة الشمس في سطوعها وارتفاعها وراء البنايات العالية التي تؤسس لفارق طبقي في تجل خاص.
جانب كبير من قصص المجموعة يستند إلى بحث عن منافذ للخروج من هذا العواء الذي تجلى بشكل لافت في قصة “عدو واحد” من خلال شخصية فان هيسلنج حيث يتحول في لحظة اكتمال القمر إلى ذئب يعوي ويطارد القمر العالي في السماء، للإشارة إلى فعل التشظي في مطاردة الآمال والأحلام التي لا تتحقق.
وقد تشكل المنفذ الأول في إعادة الهدهدة للروح في الانتباه إلى فكرة الشبيه أو النظير، أو المتخيل للمتحقق القادم، أو ما سوف يصير إليه، وسوف تتوزع الخيارات المتاحة في قصص المجموعة إلى نموذج الجنون أو البهلول الذي لا يخلو من معرفة قائمة، كما في قصة “سيجارة للرجل العجوز”. ففي هذه القصة التي تختم بها المجموعة، وكأنها المرفأ الأخير للذات في تشظيها واندحارها والذي ستنتهي إليه يشعر القارئ أن هناك حالة من حالات التوحد بين الاثنين، وأن هناك مقاربة خاصة للحالة الوجودية بالرغم من تشظيه، وسفه الظواهر المحيطة وأثرها السلبي، بالإضافة إلى عدم القدرة على التأثير أو الفاعلية، فنجد أن رد الفعل المناسب يأتي ممثلا في الاحتقار.
ويتجلى النموذج الثاني المختار لعقد المشابهة والتوحد في نمط المرأة الكبيرة الوحيدة كما ظهر في قصتين من قصص المجموعة “وجبة الجحيم” و”المرأة البدينة”. فالقصة الأولى تؤسس لهذا التوحد وتلك الحميمية، وكأنها ارتباط حتمي بين شخصين فقدا البوصلة للحركة، ولكنهما يصران على التمازج والاستمرار بالرغم من هذا الفارق الزمني، فيدرك أن هناك معرفة قائمة على النفاذ إلى جوهر الأشياء تؤسس لذلك الترابط، وهو ما يجعل القصد مشدودة إلى أسئلة وجودية تتكامل في التجلي والوجود في قصص المجموعة.
هذا التوجه الخاص بميلاد الأسئلة الوجودية الناتجة عن الاندهاش من طبيعة الحال يظل فاعلا، لأن مدار الحركة وطبيعة الانتقال من المثالي الخيالي إلى الواقعي أحدثا خلخلة لافتة للنظر، فقد أصبح المتن-الواقع- هامشا، وأصبح الهامش-الخيال- متنا، وفي ذلك تكسير لنمطية لأشياء، ومن ثم كان ميلاد هذا التوجه مرتبطا بالمساءلة والدعوة إلى التأمل، خوفا من فقد السيطرة، وذوبان الخيط الفاصل الذي يؤسس لكل قسيم توازنه واتزانه وحدوده من خلال الإشارة إلى الأنماط الكاشفة المشابهة، مثل العجوز الذي يهذي بالمعرفة، والمرأة المشدودة إلى الشمس والجحيم. تأتي قصة “الأرجوحة” وثيقة الصلة بهذا التوجه من خلال بطلها الذي يقف على الأعراف بين متطلبات الروح والمثال وارتباطات الواقع، حيث يقول” “الأرجوحة رفيقتي هذه الأيام، أمكث معلقا من خيط الروح الرفيع على جبل الأعراف، بين جنان الشغف، وجحيم الواقع، أتنقل كل ساعة، كم أنت بائس أيها البندول، تمضي سنوات بين جيئة وذهاب في الفراغ دون وجهة، حتى لو سرابية”.
في الاقتباس السابق ندرك طبيعة الأزمة المشدودة إلى فقدان البوصلة والطريق، ومن هنا يتولد الاستغراب والتساؤل، وتتشكل نتيجة لذلك أشباح وأرواح مثل الدرويش والولي والمريد بوصفها مؤشرات دالة للانحياز إلى نمط المثال والبعد عن الارتباط بثقل العالم وواقعيته المميتة التي لا تحتمل، ولكن اختيار صنف من الأصناف السابقة لا يؤسس فقط لفكرة البعد، وإنما يشكل سياقا خاصا بالانعتاق وعدم الاهتمام في الارتباط بهذا العالم والتواصل معه.

أحمد حلمي: “من أحوال المحبين”
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2020
154 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية