الفيلم الأمريكي «Ma Rainey’s Black Bottom»: موسيقى البلوز في مواجهة العنصرية

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

في صياغته لمسار حكاية مطربة البلوز ما ريني التي أدت شخصيتها في الفيلم الممثلة فيولا ديفيس، لم يكن المؤلف المسرحي الأمريكي اوغست ويلسون (1945 – 2005) معنيا في نصه المسرحي الذي كتبه عام 1982 بتتبع السيرة الذاتية للمغنية السوداء، التي يطلق عليها لقب ملكة البلوز بين أوساط الموسيقيين، بل اكتفى بمشهد واحد من حياتها، كان كافيا للتعبير عن رؤيته في رسم شخصيتها، مؤكدا فكرة محورية يشير فيها إلى ان ما ريني اتسمت بقدرتها على فرض حضورها وإرادتها على كل الذين تعاملت معهم، فهي وإن كانت تعيش من وراء الغناء، لم تكن مضطرة لتنازل لأي شخص عما كانت ترغب به.
تدور أحداث الفيلم بين غرف استديو التسجيل الصوتي الذي جاءت لتسجل فيه مجموعة من أغانيها بإدارة مدير أعمالها الأبيض، وهنا تبدو أهمية المعالجة الفنية التي لجأ اليها المخرج، في الإبقاء على الاحساس وكأننا أمام فضاء مسرحي تدور فيه التفاصيل الدرامية التي كان يتصاعد نموها ما بين الشخصيات، رغم خطورة ملامسة الخيار المسرحي في صناعة فيلم سينمائي مشحون دراميا، خاصة إذا كانت شخصيته المحورية نجمة غناء شهيرة. وما زاد في صعوبة هذه المهمة انه اختار ان يضبط سرد السيرة وفق اشتراطات ارسطية، تمثلت بوحدة الزمان والمكان والموضوع بدل ان يستجيب لمقتضيات السرد السينمائي الذي يفترق عن البناء المسرحي في نزوعه إلى تعددية الأماكن ومرونة تعامله مع الزمن بارتداداته وتنقله بين الماضي والحاضر، وبتقنيات تتوزع ما بين التوازي والتجاور والتداخل والاستباق.
بنية النص المسرحي الذي اعتمده الفيلم تجلت أيضا في تقنية الحوار بين الشخصيات، حيث تضمن مقاطع طويلة عادة ما تشكل عنصرا أساسيا في بناء النص المسرحي لكشف طبيعة الصراعات التي تعيشها مع نفسها ومع الآخرين، وقد تجلى ذلك بوضوح في سياق ما كان يدور من حوارات بين أعضاء الفرقة الموسيقية “Marenez Black Bottom ” المرافقة للمطربة ما ويني أثناء فترة تدريباتهم قبل البدء بتسجيل الأغاني، ومن السهولة الإحساس بهيمنة المناخ المسرحي على هذه المشاهد، إضافة إلى انها كانت وسيلة رئيسة اعتمدها المؤلف في تعرية التاريخ العنصري الذي تعرض له السود من قبل الرجل الأبيض، بكل مافي هذا التاريخ من عمليات بشعة تعرضت فيها النساء إلى الاغتصاب وذاق فيها الرجال صنوف التعذيب والقتل، كما جاء في الحوار الطويل لشخصية ليفي الذي أدى شخصيته الممثل تشادويك بوسمان وكان هذا آخر أدواره السينمائية، لانه غادر الحياة بعد عشرة أيام من عرض الفيلم، وفي هذا الحوار الذي كتب بصياغة درامية مشحونة بالعواطف استعاد قساوة التجربة التي مرت بها الشخصية التي اضطلع بادائها، عندما تعرضت والدته إلى الاغتصاب من قبل مجموعة من الرجال البيض، ولم يكتفوا بذلك بل انهم طعنوه بالسكين في صدره لما حاول الدفاع عنها، وأرغموا والده على ان يبيع لهم أرضه بثمن بخس ويغادر إلى مدينة أخرى، ثم ليعود متسللا بعد ان صمم على الانتقام لشرفه، ويتمكن من قتل أربعة من اولئك الذين شاركوا في اغتصاب زوجته قبل ان يتم القبض عليه وقتله بطريقة وحشية بحرق جثته.
من الوارد جدا ان تتحول الحوارات الطويلة ذات البنية المسرحية في الفيلم السينمائي إلى عبء تقني يتسبب في ضعف عملية التلقي وتراجع عنصر التشويق، لأن الفيلم يعتمد على الصورة ودلالالتها، باعتبارها الوحدة الاساسية في البناء السردي للشريط السينمائي، إلاَّ ان المخرج ومدير التصوير استطاعا ان يخففها من ثقل الحوار بمعادل موضوعي عندما انساق عملهما إلى ناحية التركيز على ايجاد تكامل فني متوزان في جميع عناصر الصورة، بدءا بالإضاءة الواقعية التي تمكن مدير التصوير من ملامسة الاحساس بارتفاع درجة الحرارة والرطوبة في المكان، إضافة إلى ارتقاء أداء الممثلين الذي أحال الحوارات إلى سلسلة أفعال نفسية كانت تنمو وتتصاعد كما لو انها كانت تحاكي حرارة وحساسية ايقاع موسيقى البلوز.

الزمن السردي والزمن العنصري

جاء سيناريو الفيلم ليستند على نص المسرحية، ولتنضبط حبكته في زمن سردي مضغوط، بما يتناسب مع الفترة الزمنية التي تستغرقها عملية تسجيل أغنية ما ريني الوحيدة في الاستديو، وهو نفس الزمن الذي يستغرقه عرض الفيلم، بذلك تحول الزمن إلى مكون أساسي في البنية السردية للشريط السينمائي وفي تحديد إطاره الشكلي، ومن خلاله تدفقت التفاصيل الصغيرة التي راهن عليها السيناريو لايصال رسالته حول تراكمات الزمن العنصري الذي كانت تعيشه مغنية البلوز والذي ما يزال يلقي بظلال إسقاطاته على الزمن الحاضر، وكأن الزمن الواقعي لم يتغير في عنصريته بين الأمس واليوم.
فرادة وجمالية هذه المغامرة الفنية في تقديم هذه الشخصية بما هي عليه من كبرياء وغرور وثقة مفرطة بالنفس، تطابقت فيها وجهتا نظر مؤلف النص المسرحي ومخرج الفيلم جورج س. ولف، وتمحور التطابق في الاكتفاء بمشهد واحد فقط ليستحوذ على معظم زمن الفيلم، باستثناء الدقائق الخمس الأولى، ونجح كاتب السيناريو روبن سانتياغو-هدسون في ان يرسم لوحة واقعية تناغمت فيها تفاصيل طبيعتها الإنسانية بخصوصيتها التي كانت تضع حدودا صارمة بينها وبين الآخرين الذين تتعامل معهم، وما كانت تبدو عليه سايكولوجيتها من مظاهر سلطوية يتجلى فيها العنفوان والتوهج والشجاعة رغم البيئة العنصرية الموجهة ضد السود التي كانت تغرق فيها أمريكا في ثلاثينات القرن الماضي.

الغضب والحزن والثورة

البعد الجمالي في معالجة الزمن بصوره المختلفة أصبح محور البناء السردي، وهذا ما كان له الأثر في ان يتمكن من التقاط حساسية الشخصيات الموسيقية من ذوي البشرة السوداء ازاء ما مر بها من تجارب قاسية، خاصة لدى شخصية المغنية ما ريني وعازف البوق ليفي، فتدفقت المشاعر كمعادل لفظي لنغمات البلوز، بما تتسم به من كثافة وإيحاء للتعبير عن مشاعر الغضب والحزن والثورة ضد ما كان يتعرض له الأمريكي من أصول أفريقية من قهر وقمع واضطهاد من قبل الأبيض. وفي هذا السياق يشير نقاد الموسيقى إلى ان اغاني البلوز كانت محاولة من الفنانين السود الأوائل للمزج بين الآلات والنغمات الغربية والفولكلور الأفريقي الصوتي الذي احتفظت به ذاكرتهم من أرضهم افريقيا قبل ان يتم استعبادهم وترحليهم إلى أمريكا في القرن التاسع عشر ليباعوا إلى الأثرياء من ملاك الأراضي وليعملوا كعبيد في الحقول والمزارع.
الفيلم قدم لنا شخصية المطربة ما ريني بما تتسم به من فردية عالية في مواقفها وردود أفعالها، إضافة إلى انها كانت تحمل وعيا حادا ازاء ما كانت تتعرض له هي وأبناء جنسها من السود من عملية تمييز عنصري، ولم يكن ينقصها الذكاء لتدرك بانها ليست إلا وسيلة لجني الأموال من قبل البيض أصحاب الشركة الموسيقية التي تستثمر صوتها، وما ان يتحقق لهم غرضهم فإنها لا تعني لهم أي شيء، ولهذا كانت تتعمد ان تفرض رأيها تحت أي ظرف، وتصر على ان تستثمر نجوميتها للتعبير عن ثورتها ضد البيض، فلا تتردد في اذلالهم حتى لو اضطرت إلى ايقاف التسجيل وقتا طويلا إلى ان يحققوا لها ما تريده، حتى لو كانت قنينة كوكا كولا، مع ان الاطار العام المجتمعي كان لا يسمح لذوي البشرة السوداء في ان يكون لهم حضور مجتمعي يساويهم مع البيض، لكنها وبسلطوية شخصيتها المؤثرة كانت تفرض حضورها، مستمدة ذلك من قوتها كنجمة بارزة في الغناء لها شعبيتها العريضة بين أوساط السود والبيض، اضافة إلى انها بطبيعتها وكما أوحى الفيلم كانت تعبر عن سلوك ذكوري أكثر منه انثوي، وهذا ما عكسته العلاقة بينها وبين الفتاة الشابة التي كانت بمثابة خليلتها التي ترافقها دائما ولا تستطيع ان تبتعد عنها وتغار عليها إذا ما اقترب منها أي شخص.
دون شك تنتاب المتفرج غصة حارقة وهو يتابع الممثل الراحل تشادويك بوسمان وهو يتألق بشكل ساحر في أدائه، ولا أغالي إذا ما قلت بأن ما قدمه في هذا الفيلم من أجمل تجارب الأداء إذ تجلت قدرته على التعبير وبحرفية عالية عن لحظات درامية مختلفة، تنقل فيها ما بين مشاعر الفرح والنشوة والتمرد وبين الاحساس بقسوة القهر والعبودية التي ما زالت عالقة في أعماقه، وهذا الانطباع تتقاسمه الممثلة فيولا ديفس التي سبق ان نالت جائزة الأوسكار وجائزة إيمي، وجائزة توني ولمرتين، وبذلك أصبحت أول ممثلة سوداء تحصل على التاج الثلاثي للتمثيل. كما حازت على تصنيف مجلة التايم الأمريكية كواحدة من المئة الأكثر تأثيرًا في العالم في عام 2012 و 2017. وبامكان هذه الممثلة ان تستولي على انتباه المتلقي دون ان تنطق بكلمة واحدة، فيكفي ان تستعين بما تمتلكه من موهبة لشحن ملامحها بجمل تعبيرية تستغني فيها عن الحوار، ويذكرنا سحر أدائها بنماذج فذة سبق ان مرت في تاريخ السينما العالمية أمثال غليندا جاكسون واليزابيث تايلور وجيسكا لانغ وليف اولمان وصوفيا لورين وميريل ستريب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية