بيروت ـ «القدس العربي»: لبيروت في وجدان سلين خيرالله مكانة خاصة تكثّفت وأثمرت ابتكارات فنية جميلة بدأت ترى النور منذ سنة 2011. ولد “منيفستو بيروت” كمشروع، وبعده كرجت سبحة الأفكار من رحم المدينة وحركة سكانها. وهي تحديداً الانتفاضات المتتالية منذ 2011 وصولاً إلى17 تشرين الأول/اكتوبر 2019. وحصل تفجير المرفأ ليضاعف الحنين والحب لمدينة توقف كثيرون عند سر سحرها.
شعار “منيفستو بيروت” هو القلب الأحمر النابض، وانطلاقاً منه ولدت أفكار لمقتنيات شخصية، وأخرى مكملات لديكور المنازل. وغالباً ما تنهل سلين خيرالله من التراث. عدّة شغلها الأساسية القماش وأحياناً الـ”كانفاس” ومن ثمّ الطباعة على الحرير. وتلك المنتجات حملت اسماً تجارياً هو س|Scene Beirut مثل سلين و scene مثل مشهد، مشهد من الحياة.
مع المصممة سلين خيرالله هذا الحوار:
○ كيف ولد مشروعك؟
• بعد سؤال وجهته لنفسي “ماذا يمكنني أن أعمل لمدينتي بيروت”؟ ولد البوستر والقلب، وكتابة اسم بيروت على شكل قلب. هذا الإنتاج الأولي أتى على صعيد شخصي وترافق مع نص عبّرت فيه عن مكانة بيروت في قلبي ووجداني. كان ذلك في نهايات 2011 حيث ولدت فكرة “منيفستو بيروت” بعدما سبقها تصميم الكثير من البوسترات الفنية التي تحمل أفكاراً كما “السعادة تكتمل بالحرية”. وبوستر التلفزيون الذي يضحك علينا ونحن نضحك له.
○ وكيف حققت الانتشار؟
• وصلت أفكاري للناس بمجرد بدء العمل التجاري. والسبب في رأيي أن امتلاك الشيء من قبل الناس يؤدي لرواجه، كمثل قلب بيروت على دفتر مدرسي، أو على “تي ○ هل صُقلت موهبتك الفنية المتعددة بالدراسة الأكاديمية؟
•إجازتي الجامعية في “غرافيك ديزاين”. امتهنت العمل في هذا الميدان وما أزال. أحب كتابة الحرف العربي بشكل هندسي، وكذلك تجذبني الطباعة اليدوية على القماش، وهي تُعرف بالطباعة الحريرية. حملت هذه التسمية لكون شاشة الحرير تحمل الألوان المستخدمة في الطباعة. هذا النوع من الطباعة أقوى وأرق من الطباعة الرقمية السائدة بشكل عام. وليس للطباعة الحريرية أن تُعطي الألوان ذاتها وحتى في الموضوع نفسه.
○ثمة قراءة اجتماعية وسياسية لبعض البوسترات كما “بيروت سمعت بيروت ضحكت”. فماذا عن هذا البوستر تحديداً؟
•من الطبيعي أن يُترك تفسير العمل الفني للمتلقي. من جهتي قرأت في شاشات التلفزيون أنهم اضحكونا وضحكوا علينا. وأظنك توقفت عند هذا البوستر لأننا لا نزال على الحال نفسه، رغم صدور البوستر في سنة 2011.
○قد يكون التصميم متاحاً لك بيسر وسهولة فماذا عن التنفيذ بخاصة الأساور المعدنية؟
•أُنجز التصاميم بواسطة الكمبيوتر وأنا في منزلي، وتنفيذها يتمُّ عبر حرفيين ماهرين كل في مجاله. ثمة حرفيون في الطباعة الحريرية. وحرفيون آخرون بارعون في تنفيذ تصاميم المجوهرات وطليها بماء الذهب. والخياطون المحترفون ينجزون الحقائب النسائية. وهكذا. ومنذ بدأت تنفيذ التصاميم تضاعف تعلُّقي بالمدينة وحرفييها. أسعد لحظات مهنتي حين ألف مشياً شوارع المدينة بحثاً عن حرفي قيل لي أنه موجود في هذا الشارع أو ذاك. والناس في تلك المناطق الأليفة على القلب يتسابقون في إرشادي إلى هذا أو ذاك. كل هذا موجود في بيروت وبقية المدن اللبنانية، ونسمع من يردد “ما في صناعة بلبنان”؟ ونحن نسأل لماذا لا يتم تشجيع هؤلاء الحرفيين؟
○فناجين القهوة العربية “شفِّة” انتشرت في أكثر من تصميم. لماذا هذا الاهتمام بها؟
• صحيح، تلك الفناجين بتصميمها العربي الأصلي طُبعت على الدفاتر، والـ”تي شيرت” والأرائك، وصُممت على الأقراط. منذ بدأت رسم هذا الفنجان أشعر وكأنه بات جزءاً من موضة حياة.
○ الأساور والأقراط وسواها ليست باهظة الثمن كما هو ملاحظ على الموقع الخاص بك؟
•اعتمد النحاس في تصنيعها، وبعد إنجازها من قبل الحرفيين بالكامل تُغطس بماء الذهب. بقيت الأسعار ثابتة للبيع أونلاين لأنها مسعّرة بالدولار. في واقعنا الاقتصادي الحالي تحديد الأسعار من الأمور الأكثر صعوبة في لبنان. بعد أن وجد البيع أونلاين حلّه بالدولار، وتبقى الحيرة واقعة على البيع في المحل، لأن الأسعار بالليرة اللبنانية وهي تتقلّب.
○كيف تصل المبيعات أونلاين في لبنان والخارج؟
•في لبنان والخارج عبر انستغرام وللخارج أطلقت موقعاً جديداً.
○من يرغب باقتناء تصميم لاسم بيروت؟
•ليس لك تخيُل حجم المحبين لبيروت، وليس بالضرورة أن يكونوا لبنانيين فقط. ترغب النساء بالإسوارة والقرط. والشباب بال”تي شرت” أو الحقيبة الصغيرة الحجم. اسم بيروت مطلوب من اللبنانيين الذين يأتون في زيارة قصيرة وهم يعرفون وطنهم جيداً. وأيضاً من اللبنانيين الشباب الذين ولدوا خارجه. لبيروت وقع السحر على القلوب. يحبون بيروت رغم كافة الويلات التي تعيشها، ويسألون ذاتهم عن سبب هذا الغرام المتحكم بهم.
○هل يصحّ التشبيه بين الحقيبة من صناعتك والأخرى التي سبقتك إليها “حقائب سارة”؟
•أبداً. لا شك بأن سارة من الأوائل في إنتاج التصاميم اللبنانية على الحقائب. ولكن الحقائب التي أصممها تحكي ذاتها. ومن يراها لمرة واحدة يميزها وسيعرفها بالتأكيد لدى مشاهدتها ثانية.
○ لماذا هذا الحنين للتراث وبيروت ظاهر في أغلب التصاميم التي تحمل اسمك؟
•من يركن سيارته جانباً ويتجول في أحياء بيروت وأزقتها سيُغرم بها حتماً. منذ بدأت العمل وبيروت تشكل هوساً لي. أخاف ان يختفي هذا السحر الذي في مدينتي وأحاول ان التقطه على أي وسيلة ممكنة.
○هل ثمة تصاميم خاصة بك لبيروت وليس للتسويق؟
•يتضمن الكمبيوتر مئات التصاميم التي لم أقرر بعد أنها أصبحت منجزة وصالحة للعرض. لا أعتبر تلك الأعمال خاصة بي وحدي، بل هي أعمال تحتاج للمزيد من اللمسات.
○أين تعرضين إنتاجك إلى جانب التسويق الإلكتروني؟
•ستة من المصممين اللبنانيين يشتركون في عرض إنتاجهم في محل واحد في أحد المجمعات التجارية الكبيرة في الأشرفية. وهذا طبعاً أعطانا فرصة التواجد المباشر مع المتسوقين وفق الطريقة المعهودة. لكننا الآن في حالة حجر والمحال مقفلة. وفي الغالب كان التسويق في العام المنصرم أونلاين.
○لماذا اخترت رسم الخط العربي بأسلوب هندسي حاد الأطراف دون أي إنحناء رقيق أو مرونة؟
•بالنسبة لي هذا الوضوح في الخط فيه بعض من الهندسة المعمارية التي أحبها. أراه حرفاً واضحاً واثقاً من ذاته، ويقول ما يريده. “كاليغرافي السعادة تكتمل بالحرية” حرف يتيح قراءة السعادة بسهولة، وكذلك تكتمل، أما الحرية فتحتاج لتدوير زوايا البوستر للتمكن من قراءتها.
○ وأين تلجئين إلى الكانفاس؟
•في بعض الحقائب المميزة لا بد من الكانفاس إذ يؤدي لنتيجة طباعة أفضل كما يعتبر ايكولوجيا، صديقا للبيئة، بعيدًا عن جلد الحيوان.
○ من هم المشترون وهل يكررون طلباتهم؟
•ثمة معجبين بهذه الأعمال الفنية يكررون شراء القطع نفسها. بعضهم من الذين يتتبعون عملي منذ بدئه فنياً ومن ثم تجارياً، ولهم أتوجه بالشكر. هؤلاء ساهموا بنشر ما أنجزه عبر وسائط التواصل الاجتماعي. وهم يشكلون السفير الخاص بالماركة التي تحمل اسم scene beirut أو منيفستو بيروت.
○وهل منيفستو بيروت تجمع بين الفن والموقف معاً؟
•وجدت لتقول أننا نحن بيروت. شعرت بضرورة أن نكون ملتفين حول عاصمة وطننا وأكثر. ففي أحيان كثيرة نحن لا ندرك تماماً ماذا نحن وأين نحن؟ أنا في مرحلة تجربة وهذا ما تشكله بيروت بالنسبة لي وللناس. بيروت تمرّ في أيام صعبة جداً، أتمنى لها الوصول إلى حقوقها. وأتمنى الوصول إلى مكان نتأكد فيه أننا تمكنا من التغيير. وهكذا تحصد الناس نتائج تعبها المستمر منذ سنوات بهدف التغيير. أمنيتي أن نتمكن من القول مرّة بأن حقوقنا وصلت. وأننا نعيش في وطن وندرك ماذا نريد.
○هذا الموقف من بيروت هل تتشاركين به مع آخرين أم تغردين منفردة؟
• بيروت ولبنان “يعج” بالمبتكرين والحالمين والثوار الخلاقين ولكن هذا التفجير صدم وأتعب الناس وكثر فقدوا الدافع للاستمرار في المطالبة. نحن كثر ونغرد منفردين.