فتنة التفاصيل في مجموعة «انعكاس» للعُمانية شريفة التوبي

قد تكون التفاصيل ـ أحيانًا – عيبًا وحشواً في القصة القصيرة، وزوائد لا داعي لها، ترهق كاهل النص وتضعفه، ولكن المشكلة ليست في التفاصيل؛ فقد تكون حشواً إن أُسيء توظيفها، أو قيمة مضافة وجزءاً أساسيًا من النص، إن أتقن سبكها ونسجها، وتكون في هذه الحالة بهارات تعطي النص نكهة مميزة، أو مفاصل لا يستقيم النص إلا بها، أو ألوانا لا تكتمل جمالية النص إلا بوجودها. وهذا ما برز بجلاء في جميع قصص مجموعة «انعكاس» للعُمانية شريفة التوبي، إذ جاءت التفاصيل جميلة، فاتنة، تعمق من روعة المشاهد، وتزيد من بهاء الصور، وتجذب القارئ لمتعة القص وبراعته.
تتكون المجموعة من اثنتي عشرة قصة، هي على التوالي: المزهرية، السحر الأسود، نفاس، سينما، الساحر، انعكاس، نزف، فراشة، غجرية، اللؤلؤة، البرتقالة، البياض والسواد. وأي قصة منها تصلح كنموذج لجمال التفاصيل وروعتها، ولكننا في هذه المقالة سنكتفي بثلاث قصص منها:

المزهرية

في الفقرة الأولى من القصة، نقرأ: «سقطت المزهرية البيضاء ذات النقوش الزرقاء من تلقاء نفسها، كما تقول العاملة، لا بد من يد دفعتها للسقوط، كما أقول لها، لكنها تنكر وتؤكد أن المزهرية سقطت فجأة، أجمع تلك القطع الخزفية التي تناثرت على الأرض، تجرحني الحواف المتشظية، ألف شريطًا طبيًا لاصقًا على إصبعي وأكمل جمع ما تناثر، لأضعه في علبة فارغة، أجلس على مقعدي المتأرجح في صالة البيت، أتأمل الشهادات والأوسمة العسكرية المعلقة على الجدار، أتناول الجريدة، يلفتني خبر في صفحتها الأخيرة، يغيّب الموت الفنان التشكيلي حسين سالم، أترك الجريدة جانباً، داعية له بالرحمة، وعلى كل الأموات الذين رحلوا، أتذكر سقوط المزهرية وموتها، وهي التي عاشت معي عشرين عامًا كروح كنت أشعر بوجودها، وكل يوم كنت أكتشف فيها سحرًا غريبًا يمدني بأسباب الحياة».
قد تبدو هذه الفقرة مجرد تفاصيل عبثية، أو مملة في نص قصصي قصير، ولكنها فقرة مكثفة، تكاد تلخص القصة كلها، وكل تفصيلة فيها لها دلالتها العميقة؛ فذكر ألوان المزهرية والحرص على أن تقوم بتجميع الفتات مع وجود العاملة، لقيمة هذه المزهرية وأهميتها في حياتها، وعلى الرغم من جرحها إلا أنها أكملت مهمة جمع الشظايا، ثم عادت بها الذكرى إلى مسيرتها العملية في السلك العسكري، وإلى يوم تلقيها أجمل وأكبر مزهرية رأتها من قبل كهدية من شخص لا تعرفه، وعندما تصفحت الجريدة، قرأت نعي الفنان «حسين سالم» صاحب الهدية بدون سابق معرفة، لأنها الشي الجميل الوحيد الذي كان يراه من نافذة زنزانته وهي تمشي إلى مكتبها في جناح غير جناحه، ولذا لم تكذب العاملة عندما أكدت أن المزهرية سقطت فجأة، لكأن للأشياء أجل، ولا بد أن تموت؛ فماتت المزهرية بموت مُهديها. إن بعض الأشياء تكتسب أهمية وقيمة كبيرة في حياتنا، ليس لارتفاع ثمنها أو نفاستها، وإنما لارتباطها بمناسبة معينة، أو لحظة سعيدة، أو بإنسان قريب من القلب.
تؤنسن القصة النوم، فهو كائن حي، يجيء ويذهب، يغيب ويتمنع، يشعر بالغيرة، يسرق، ويداهم؛ فهي تتهيأ له بالزينة والعطر والملابس، وعندما تأوي إلى سريرها برفقة كتاب، سرعان ما يأتيها، ويأخذها في رحلة خارج الزمان والمكان، تطير كفراشة إلى عوالم مدهشة، تستحضر كل الأشخاص والأشياء والعلاقات؛ ولكأنه يقدم نفسه كبديل عن الكتب، ففي أحلام النوم نرى عشرات القصص والحكايات والأحداث، ما لن نقرأه في كتاب أو رواية.

الساحر

«هكذا أحب مساءاتي وهكذا هو يأتي في موعده بدون تأخير، أتناول كتابًا وأندّس في فراشي الأبيض الدافئ، فلا يغريه أكثر من أن يرى كتابًا في يدي، هو مثلي عاشق للكتب، لكنه غيور، يباغتني حضوره وأنا في الصفحة الأولى وأحيانًا في منتصف الصفحة الثانية، يقترب، ينتزعني من أحضان كتابي، يقف على رمش عيني، فتبدو لي الصفحة ضبابية، تختلط الحروف والكلمات مع بياض الصفحة، يُنسيني الكتاب ويغيبني عن كل ما يحيط بي. يسقط الكتاب من يدي، أصبح بخفة فراشة، يسرقني من نفسي ومن بخوري، ومن عطر الصابون الملتصق بمسامات جلدي، تمتد يدي لإطفاء ضوء المصباح الخافت المعلق في الجدار بالقرب من سريري، أحلّق كطائر، أسافر معه، يأخذني على جناح حلم، تختلط المشاهد، تتداخل الحكايات، فيحضر أبطال الكتب، الأموات والأحياء، الأصدقاء والأعداء.».. هذه التفاصيل، وصف مدهش للنوم حين يباغتنا ونحن نقرأ في فراشنا، لكأن بينه وبين القراءة عداء؛ فإما هو أو هي، وغالبًا ما يكون هو المنتصر.

البياض والسواد

تختتم القصة بخروج الروح وتحليقها في فضاء المكان، تصف ما تشعر وتشاهد، لكأنها لوحة سينمائية بتفاصيل دقيقة عن تلك اللحظات بما فيها من دهشة وسحر ووداع حزين، إنها التفاصيل الغائبة في الحقيقة، المتخيلة في الأذهان، التي تسجل لحظات الانتقال والعبور من حياة إلى حياة، ومن حالة إلى حالة: «أصرخ.. أمي، أمي، أمي.. تمتد يد إليّ، ترفعني اليد من ذراعي، تسند جذعي الخفيف جدًا، لا وزن لي، أخرج من بين يديها، أطفو كريشة على سطح ماء، أطفو ومع الطفو كنت أعلو، أراني أحلّق، أتجاوز الجدران والأبواب المغلقة، أخرج من ليل العتمة، تفقد الأشياء خواصها وألوانها، يبهرني الضوء، يعانقني، يتلبسني، يُخرجني من العتمة، كما تُخرج الشعرة من العجين بدون أن تنقطع، أتحول إلى طائر من نور، أخرج من محيط غرفتي وبيتي إلى البياض، البياض باهر، يفقد كل شيء فيه خواصه من شكل أو لون، تفقد الأرض جاذبيتها، لا شيء يشدني إليها، أرفرف، وبين الرفرفة والسقوط وبين البياض والسواد ما زلت أسمع مواء قطتي الجائعة وأصواتًا مختلطة تتناهى إلى مسمعي كطنين بعوضة مزعجة، أسمع صوت بكاء أمي، أراها تحتضن الجسد المسجى وتبكي، أراهم يتحلقون حول جسد كان بالأمس لي ولم يعد كذلك، يعانقون الجسد، وروحي تهفو لعناقهم جميعًا، أعلو وأصبح بيضاء كبياض قطنة، أطير بخفة ريشة، أرتفع، أعلو، أتماهى مع لجة البياض». وبعد فإن «انعكاس، كتاب نزوى 104 ـ وزارة الإعلام ـ مسقط ـ أكتوبر/تشرين الأول 2020، 74 صفحة» مجموعة قصصية مميزة؛ بلغتها الجميلة، وتفاصيلها المدهشة، ولوحاتها المتنوعة الفاتنة، وقدرتها على الغوص في أعماق النفس واستخراج ما يعتمل داخلها. اتخذت من الأنثى شخصية حصرية لها، وهذا الانحياز له ما يبرره في مجتمعات ما زالت المرأة الحلقة الأضعف فيها.

كاتب أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية