يقول عالم الطبيعة والجيولوجيا والبيولوجيا الإنكليزي تشارلز داروين، «البقاء على قيد الحياة ليس للأنواع الأقوى، ولا الأذكى، وإنما لمن كان أكثر استجابة للتغيير».
التغيير الذي يطرأ على حياة الإنسان مسار طبيعي لا مفر منه. وإن كان في وسع الإنسان التحكم في بعض التغييرات التي تعترض سبيله وتكتسح حياته، فإنه في كثير من الأحايين يلفي نفسه عاجزا عن السيطرة عليها وتسييرها وفق إرادته وخدمة لمصالحه وأغراضه، فلا يسعه في مثل هذه الأثناء إلا تقبلها ومسايرتها والتعايش مع الواقع الجديد، الذي تفرزه، وطيّ صفحة من حياته وفتح أخرى، والمضي نحو الأمام.
والتغيير يلازم الإنسان منذ فجر الإنسانية، فالتغيير هو الذي حكم على لغات ـ كانت في يوم ما مزدهرة وسيدة، في مقام اللاتينية، لغة أعظم امبراطورية في تاريخ البشرية، واللغة السومرية، لغة أكبر حضارة عرفتها الإنسانية ـ بالانقراض.
وهذا التغيير هو ما يؤدي في عصرنا هذا إلى موت لغة كل 14 يوما، وسيحصد لا محالة آلاف اللغات واللهجات في العقود المقبلة. وهذا التغيير هو الذي يودي اليوم بالمطبوعات الورقية والإعلانات التقليدية إلى الموت. وها هو سيل التغيير الجارف في يومنا هذا يهوي بالصحف والمجلات الورقية نحو بركة الفناء.
تراجع المبيعات
موت الإعلام الورقي لن يكون موتا طارئا مفاجئا، ولا في عشية وضحاها، وإنما موت بطيء يمتد عبر حقبة طويلة قد تتعدى القرن. تتجلى أعراض الداء ومظاهر الموت البطيء في هذا التراجع الذي تشهده مبيعات الصحف والمجلات، في كل أنحاء العالم، لاسيما منذ بداية القرن الحالي. ففي المملكة المتحدة تعدى التراجع كل الحدود، حيث بلغ نسبة الثلثين خلال 20 عامًا، ولم تسلم من هذا التراجع كبريات الصحف البريطانية أمثال صحيفة «الغارديان» التي تراجع توزيعها بنسبة 67٪.
ولعل أكبر المتضررين صحيفة «صاندي بيبول» التي تراجعت بنسبة 91٪. ويتجلى الموت البطيء للصحف في بريطانيا باختفاء ما لا يقل عن 200 صحيفة محلية منذ عام 2005. وفي اليابان يستمر عدد قراء الصحف المطبوعة في التراجع، فقد انخفض تداول الصحف اليابانية بمقدار 10 ملايين منذ عام 2000.
التراجع يكتسح البلدان العربية أيضا، ومنها المغرب حيث انخفض حجم المبيعات بنسبة تجاوزت الـ50٪ في أقل من 7 سنوات، مع تسجيل توقف 58٪ من الصحف. وعرفت الجزائر من جهتها اختفاء 60 صحيفة بين يومية وأسبوعية منذ 2014، فضلا عن إجراءات جديدة للحد من استيراد الصحف الورقية العربية والأجنبية بالعملة الصعبة، بحكم تداعيات الأزمة العالمية، وقلة الإقبال عليها، وتحول الصحف إلى الرقمية، وهذه القرارات تبدو منطقية سليمة تساير تحولات العصر، فالقارئ في يومنا هذا قادر على الاشتراك مع كل هذه الصحف والحصول على أعدادها بانتظام، وتصفح النسخ المطبوعة منها على اللوح الإلكتروني، أو شاشة الكمبيوتر، أو حتى الهاتف النقال، حتى قبل طبعها وتوزيعها، ومن دون الحاجة إلى الخروج من منزله، والتحول الرقمي واقع لا مفر منه.
التكنولوجيا تخدم الإعلام
وإن كان كثير من الباحثين يعتقد أن أزمة الإعلام الورقي، اندلعت في بداية الألفية الجديدة، إلاَّ أنها في واقع الأمر ترمي بجذورها في أعماق القرن الماضي. فموت الصحف الورقية بدأ في خمسينيات القرن الماضي، بعد ظهور التلفزيون الذي جذب أنظار العالم، وصار مصدرا مهما لمتابعة الأخبار والفكاهة والترفيه. وازداد الأمر سوءا لاحقا وبشكل خاص في مطلع التسعينيات بعد اختراع الإنترنت ورواج استخدام أجهزة الكمبيوتر والهاتف الجوال. وقد شهد العقد الماضي نموًا سريعًا لتكنولوجيا الهاتف المحمول، ومنصات الوسائط الاجتماعية. وإن عجلت هذه التقنيات في تراجع الصحف المكتوبة، إلاَّ أنها لم تكن السبب المباشر لموتها. فالقارئ هو من ساهم بشكل مباشر وفعال في موتها، بانصرافه عنها وانغماسه في العالم الرقمي، وانشغاله بالسوشيال ميديا، وما توفره هذه التقنيات من اتصال تفاعلي وترفيه وراحة وإثارة، فضلا عن المعارف والأخبار التي صارت تصله على المباشر، بمجرد وقوع الأحداث وساعات طويلة قبل نشرها في الصحف المكتوبة، التي قد لا تصل إلى القارئ بسبب اضطرابات التوزيع… فالتكنولوجيا لم تكن نقمة وإنما نعمة، فقد ساهمت في إنقاذ كثير من الصحف التي كانت على حافة الانهيار والزوال، بتحويلها إلى القالب الإلكتروني الرقمي الأقل تكلفة. الوسائل التكنولوجية الحديثة ساهمت أيضا في تغيير طريقة حصول القارئ على الأخبار، بإقباله على المنشورات الإعلامية الرقمية، بدلا من المطبوعات الورقية المتطلبة. من العوامل الأخرى التي ساهمت في قتل الصحف المكتوبة انحسار مساحة الإعلان وانخفاض المبيعات وارتفاع تكاليف الطبع والتوزيع.
كورونا تساهم في موتها
كان لوباء كورونا عميق الأثر في الصحف الورقية، فقد استطاع هذا الوباء خلال أسابيع قليلة، شل حركة الحياة على سطح الكرة الأرضية، مؤثرا في كل نشاطات الحياة، وكان ضربة مباشرة قاسية ساهمت في انهيار الإعلام الورقي السائر في طريق الزوال. ففي بريطانيا أدرك ناشرو الصحف المحلية والإقليمية أن الاستمرار في إنتاج الصحف، لن يكون مجديا، ما حملهم على إيقاف نشر عشرات العناوين ووضع مئات الإعلاميين في إجازة مدفوعة الأجر، أو الاستغناء عن خدماتهم.
وما زاد الطين بلة توقف حركة التنقل بين المناطق والمدن، وغلق الحدود بين الدول وشل حركة النقل، وانحسار مساحة الإشهار التي كانت تشكل مصدرا مهما من مصادر عائداتها وشريان حياتها.
ونتيجة هذه المشاكل وانخفاض نسبة العائدات من الأعداد المطبوعة، والقيود والإجراءات التي أصدرتها حكومات العالم للحد من انتشار كوفيد-19، قام العديد من المجلات بالتخلي نهائيا عن المطبوعات التقليدية لينصرف كلية إلى النشر الرقمي المتطور. كما سجل العديد من الصحف زيادة في عدد المشتركين الرقميين. فقد أكدت دراسة نشرتها المجلة الإعلامية البريطانية (براس جازيت) حصول عشر مجموعات صحافية في الولايات المتحدة وبريطانيا على أكثر من مليون اشتراك رقمي جديد وسط أزمة جائحة كورونا. من أكبر المستفيدين من الوضع الجديد في بريطانيا صحيفة «فاينانشيال تايمز» التي أضافت إلى رصيدها 50000 مشترك رقمي جديد منذ بداية أزمة كوفيد -19. وفي أمريكا، جذبت صحيفة «نيويورك تايمز» وحدها أكثر من نصف مليون مشترك رقمي منذ نهاية عام 2019، ليتعدى المجموع سقف 5 ملايين مشترك رقمي!
هل تستعيد مكانتها
واليوم، بعد اكتشاف الإنسان لقاحات مضادة لكوفيد ـ 19 والشروع في عمليات التلقيح في أنحاء الدنيا، وبينما تتجه أنظار العالم إلى قهر الفيروس، والتخلص من آثاره وعودة الحياة إلى طبيعتها تدريجيا، وتتجه تطلعات المؤسسات الاقتصادية والخدمات إلى استعادة نشاطاتها ومكانتها، يتساءل كثيرون عما إذا كان في مقدور الصحف والمجلات الورقية العودة واستعادة مكانتها ثانية؟ الجواب الموضوعي على ذلك سيكون بالسلب. لن يكون في استطاعة الصحف الورقية استعادة ما فقدته بعدما فقد الناشرون الثقة في المطبوعات، وتحولت سائر الصحف والمجلات إلى النشر الرقمي السريع والعالي الجودة، والقادر على الوصول إلى كل بقعة في الكرة الأرضية في أوقات قياسية، ولا يقتضي مطابع عملاقة، ولا معدات ضخمة، ولا وسائل نقل مكلفة، ولا كلف تشغيلية عالية، ولا أطنانا من الورق، ولا حبرا؛ وتحوَّلَ اهتمام القارئ عنها إلى منصات السوشيال ميديا التفاعلية والترفيهية، التي لا تتطلب إلا نقرات قليلة للوصول إلى أكبر المواقع الإعلامية الرقمية العالمية على منوال «الغارديان» البريطانية أو «الواشنطن بوست» الأمريكية وكبريات الصحف العربية. فلن يكون السؤال بعد اليوم ما إذا كانت الصحف والمجلات الورقية ستموت وإنما متى سيكون ذلك؟
كاتب جزائري ـ بريطانيا