في الفضاء تأتي الذكريات بالفرح، وبين الجدران تأتي بالأحزان. فعلتها وخرجت إلى الشارع في النهار مرة، أجل.. قالت لي زوجتي نجلس في «جروبي» شارع عدلي في الشمس، قد نسترجع الذكريات. وافقت قائلا لعل هذا أفضل من الذكريات التي تأتي إليّ في البيت. منذ فبراير/شباط الماضي لم أخرج إلا خمس أو ست مرات. العزلة فرضتها كورونا. وما أسمع مثلي لا يخاف على نفسه فالسماء هي الأقرب إليه من الأرض، لكن يخاف على من معه. صارت الشرفة هي طلتي على الدنيا. لا أسمع صوتا لأحد. قليل جدا من السيارات فالشارع جانبي صغير، وقليل من الموتوسيكلات يركبها عمال توصيل الطلبات إلى البيوت، وقليل من الكلاب تنبح مع أي صوت. ورغم أنني أجلس في الشرفة أقرأ أو احتسي القهوة صامتا، فالكلاب حين تراني تنبح كأنها تُلقي السلام، أو تسألني لماذا لا يجلس أحد غيرك في الشرفات. أما القطط وهي عادة لا تزيد عن اثنتين، فتمشيان جوار الحائط في صمت، نافضة يدها من هذا العالم، أو تتمدد مستكينة جوار الجدار منتظرة عالما أجمل تشك في وصوله، كأنها قرأت مثلي مسرحية «في انتظار غودو» أو قصيدة «في انتظار البرابرة» واستسلمتْ للعدم.
في كل الأيام انشغل بالميديا والأحداث، العالم كله يأتي إليّ أكثر من ذي قبل. ليس كرما منه، لكن لأن الوقت طويل، ومساحة الوقت المتاحة لمتابعة العالم أكبر من أي وقت. انشغلت كثيرا بمتابعة الانتخابات الأمريكية. أصابتني دهشة كبيرة من سلوك دونالد ترامب الذي شكك في نتائج كثير من الولايات، والولاية التي استجابت لشكوى فريقه القانوني، وأعادت فرز الأصوات، أضافت أصواتا لجو بايدن. رُفضت كل شكاوى ترامب، فطلب نزول مريديه إلى مبني الكابيتول، حيث يوجد الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكيين، في الوقت الذي كان فيه المجلسان يجتمعان لإقرار النتيجة بفوز جو بايدن. خطب خطبة كبيرة يدعو أنصاره لذلك، ففعلوا واقتحموا المبني. فض المجتمعون من المجلسين اجتماعهم، واشتبك البوليس مع المقتحمين، ومات بعضهم وأصيب آخرون، وانشغلت الميديا بتحليل ما جرى. دعك من الموافقين على ما فعل، لكن أكثر التحليلات عمقا كانت من الرافضين. ورغم أني قرأت عشرات التحليلات تدين ما فعل، غاب عنها ما فكرت فيه. هذا رجل مؤيد للديكتاتوريات أصابته العدوى منها. لابد يفكر لماذا يبقى هؤلاء الحكام إلى أن يموتوا، بينما هو عليه خوض الانتخابات في كل مرة، وكيف حقا تنتهي الانتخابات برفضه بعد أول مرة. هو سيعيش ألف سنة، ولا صوت إلا صوت الزعيم، فهو وأمريكا ليسا أقلا منهم ومن بلادهم. لكن الحياة المصرية دخلت أيضا في الوقت الطويل لتقطعه. صار الفيسبوك سرادق عزاء، وكذلك صارت صفحتي عليه، حتى أني فكرت مرة أن أوقف حسابي، وأدعو محاميا متهورا، أن يرفع قضية على الفيسبوك للإغلاق، فقد يتوقف الموت عن البلاد.
رُفضت كل شكاوى ترامب، فطلب نزول مريديه إلى مبني الكابيتول، حيث يوجد الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكيين، في الوقت الذي كان فيه المجلسان يجتمعان لإقرار النتيجة بفوز جو بايدن. خطب خطبة كبيرة يدعو أنصاره لذلك، ففعلوا واقتحموا المبني.
حملت كورونا كثيرا من الأصدقاء إلى الفضاء، وكثير من أهل أو أسر الأصدقاء. صار الحديث عن الموجة الجديدة والتحور الجديد للفيروس مخيفا جدا، وارتفعت أعداد الموتى في كل العالم، وأعيد إغلاق الأنشطة والمتاحف والمقاهي وكثير من الأعمال، وظهرت صور الشوارع خالية في الدنيا في الليل أو النهار، تماما كما أرى الشارع تحتي من الشرفة وهو شارع صغير. تجرأت وذهبت إلى منطقة وسط البلد. رأيت الجحيم في الطريق. الجحيم بمعنى الكلمة، من أعداد السيارات في الذهاب والعودة. رأيت كل المقاهي مفتوحة. حدثت صديقا لي قائلا، لو أن الدولة تنشر الأعداد الحقيقية للمصابين لما خرج الناس بهذه الكثافة. ضحك وقال حتى لو أعلنت الدولة الأعداد الحقيقية. هل أنت لا تعرف المصريين، إنهم حين يعثر البوليس على قنبلة في الشارع، يجرون يتفرجون عليها ويأخذون الصور معها، لكنني ظللت أفكر هل هؤلاء الناس لا يتابعون الميديا ويعرفون أعداد الموتي كل يوم. الإحصاء المركزي للدولة أعلن إنه في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي 2020 زاد عدد الموتى خمسين ألفا عن العام السابق. وطبعا يمكن أن تقيس على الشهور الثلاثة، الشهور السابقة لها. ستكون أقل بالتأكيد، لكن يمكن أن يكون لكل ثلاثة شهور أربعون ألفا، أو حتى ثلاثون. هذا يعني أكثر من مئة ألف زيادة عن العام السابق في الوفيات. لا يمكن أن يكونوا جميعا قد داهمتهم الأمراض فجأة هكذا، أو أن عزرائيل يتآمر على مصر. هي كورونا التي لا نعرف أعداد ضحاياها الحقيقية، وأيضا لا تُعلِن ذلك الكثير جدا من الأسر. الجنازات لم تعد تتم كما كانت من قبل ولا العزاء، أكثر هؤلاء يدفنهم أهلهم بدون دعوة لأحد، بل لا يكون إلا أهلهم معهم. في الأغلب لا يزيد الحضور عن ابناء الفقيد، ذلك كله يخفي ولو بدون قصد الأعداد الحقيقية. رغم ذلك فالنهار ممتلئ بالحركة والناس، إلى درجة توقف الطرق، ما يعطي الانطباع بأنه لا يوجد أصلا وباء. ضاع نهار اليوم الذي خرجت فيه أنا وزوجتي في الدهشة، ليس لأني لا أخرج من قبل وكل شيء حولي جميل، لكن لأن كل شيء يقول إن كتاب الموت مفتوح بشدة. الميديا التي أرى فيها أنشطة ثقافية عن بعد، أميل إليها فلا طريق غير ذلك، لكني حُرمت منها لأن شبكات الاتصال في المنطقة التي أعيش فيها من أسوأ الشبكات، ومن ثم لا يمكن الحديث بنظام زوم أو سكايب أو غيرهما، وأقرأ وأضحك كيف تتعامل مع هذه البرامج، بدون أن تتحول إلى شبكة تجسس عليك. لا أتابع نظم الاتصال التي يقولون عنها، ليس لتفادي التجسس فأنا لا استخدمها أصلا. أعود أضحك وأنا أتصور إدارة الفيسبوك أو تويتر التي لديها كل أسرارنا، يمكن يوما أن تفضح من تشاء، بل يمكن أن تطلب نقودا هائلة فدية من أي شخص أرسل رسائل سرية إلى أحد. وهكذا سيكون على البشر جميعا دفع مليارات فدية للفيسبوك وتويتر كي يسترا على الناس. كل شيء وعكسة يمشي على الميديا، فتنشغل به، وأتذكر يوم الخامس من سبتمبر/أيلول عام 1981 حين قبض السادات على ألف وخمسمئة من القيادات السياسية والدينية والعمالية والطلابية والصحافيين والكتّاب، أني لم أعرف إلا ظهيرة ذلك اليوم صدفة، حيث قابلني صديق كان هاربا من المطاردة البوليسية باعتباره شيوعيا، وسألني كيف لم تعرف وقد نشرت الخبر الصحف في الصباح. أجبته تعرف أني أسهر كثيرا وأصحو متأخرا فلم أقرأ الصحف، ثم سألته لماذا تظهر في الطرقات والأمن يبحث عنك، فقال لي إنهم يبحثون عني في كل مكان إلا الطريق إلى البيت. يفعلون ذلك مرة واحدة في البداية، لذلك أخرج من البيت مبكرا أمشي في الطرقات وأعود إليه ظهرا كما ترى.
ضحكت كثيرا ذلك اليوم، وبعد شهر تم اغتيال السادات في احتفال السادس من أكتوبر/تشرين الأول، بين هذا كله أجد مساحة كبيرة للضحك الآن. من أكثر ما أضحكني رجل مسن يجلس جوار فتاة صغيرة جميلة في ميكروباص، يقول لها كثيرا من النكت الجميلة عن خبرته في الحياة، والبنت الصغيرة التي بدت في حوالي الخامسة عشرة من عمرها شديدة الدهشة مما تسمع، وتضحك من قلبها غير مصدقة. الحقيقة أن الرجل مبهج جدا، وأجمل ما فيه هو ختام حديثه إذ قال «مرة كنت خارج من عيادة للطب البيطري شفت الدكتور راكب على حمار قلت له أول مرة أشوف واحد راكب على زباينه» قتلني أنا ضحكا وانهالت على عقلي عشرات التفسيرات السياسية من عدوى الميديا، لكني سرعان ما أبعدت كل تفسير حتى لا أفسد النكتة الجميلة. النكتة التي لها عشرات التجليات السياسية كما قلت، آخرها لوم ترامب لأنصاره لأنهم لم يكونوا سلميين.
روائي مصري