تخشى إسرائيل وحلفاؤها في الخليج أن تتجه إدارة بايدن لعودة سريعة إلى المفاوضات مع إيران بهدف الرجوع إلى صفقة النووي في 2015.
أنتجت الصفقة في حينه تنازلاً واسعاً عن العقوبات وغيرها من التنازلات، ولكنها لم تسدّ الطريق الآمن والسعيد لبرنامج نووي يسمح لها ببناء ترسانة نووية في فترة وجيزة. إذا ما دخلت الإدارة مرة أخرى إلى صفقة، وحسب كبار المسؤولين المعينين (ساليبان، برانس، شيرمان وآخرين) ويبدو أن هذا هو الاتجاه، فستكون النتيجة هذه المرة أسوأ. لقد تقدم الإيرانيون جداً من 2015 ولم يعد ممكناً العودة إلى الوراء. ثمة تحديات كبرى للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما، ولكن هناك أربع خطوات ملموسة يجب اتخاذها ومحاولة منع الأزمة.
على إسرائيل أن تبدي وحدة سياسية داخلية. وهذا ليس سهلاً في ظل الفوضى السياسية الداخلية
أولاً، على إسرائيل أن تبدي وحدة سياسية داخلية. وهذا ليس سهلاً في ظل الفوضى السياسية الداخلية، التي تدخل إلى جولة انتخابات رابعة في سنتين. رغم ذلك، فإن الشخصيات السياسية في الحكومة ملزمة بالحفاظ على انضباطها.
حتى لو اعتقد بعض من السياسيين في الحكومة بأن لديهم سياسة أفضل، فإن عليهم أن يظهروا ضبطاً للنفس وألا يعرضوها كسياسة إسرائيل، وبخاصة إذا كانت تختلف جوهرياً عن التعليمات التي تصدر عن مكتب رئيس الوزراء. ولموظفي الدولة غير السياسيين، في الجيش وأسرة الاستخبارات ووزارة الخارجية، يجب أن يكون واضحاً ما هو المسموح وما هو المحظور.
ثانياً، على إسرائيل أن تبني ائتلافاً دولياً واسعاً مع شركائها الجدد في الشرق الأوسط. لشركائنا مخاوف مشابهة بل وأقوى بالنسبة للنووي الإيراني. لقد تجاهلت الولايات المتحدة مخاوف شركائها الإقليميين في الجولة الأخيرة. وسيكون من الصعب تجاهلها الآن، ولا سيما إذا ما تحدثوا بصوت واحد إلى جانب إسرائيل.
ثالثاً، على إسرائيل وحلفائها أن يتعاونوا مع الديمقراطيين والجمهوريين الذين يعارضون التنازلات لإيران، ثم الامتناع عن جعل النقاش حزبياً. بالتوازي، من المهم إقناع بنوك وشركات في العالم بأن الدخول إلى إيران خطير. فإيران تواصل فرض القوانين الدولية ولا يمكن لأي اتفاق أن يمحو ذلك. مشرعون ورؤساء مستقبليون في الولايات المتحدة كفيلون بأن يقرروا خروجاً من صفقة عليلة مع إيران مثلما جرى في 2018.
رابعاً، على إسرائيل وحلفائها أن يعملوا مع الولايات المتحدة ويبقوا على تهديد عسكري مصداق ضد البرنامج النووي الإيراني. لا يدور الحديث عن تشجيع للحرب، ولكن إيران لن تجري مفاوضات على صفقة معقولة إلا إذا كانت واثقة من أن منشآتها النووية تتعرض لتهديد الدمار. وبشكل مشابه، على النظام أن يستوعب بأن بقاءه في شك إذا لم يتنازل هذه المرة عن البرنامج النووي بكامله.
لن يكون سهلاً، بل ويحتمل أن يكون متعذراً، إقناع الإدارة بتبني مثل هذه العقيدة، وبالتالي من المهم عرض استفزاز النشاط النووي الإيراني. فالنظام منشغل بالابتزاز النووي، وتخصيب اليورانيوم إلى 20 في المئة، ويركب أجهزة طرد مركزي متطورة في منشآت تحت أرضية، ويواصل البحث والتطوير المتطور ويتخذ إجراءات خطيرة أخرى في الساحة النووية.
لقد أعلن مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية مؤخراً بأنه مطلوب اتفاق جديد لإحياء الصفقة. بالتوازي، نشرت الوكالة تقارير تثبت أن إيران خرقت جوهرياً ميثاق منع نشر السلاح النووي ومواثيق أخرى والاتفاق النووي نفسه. التقارير مسنودة بزيارات إلى إيران وبوثائق من الأرشيف النووي. إسرائيل وحلفاؤها لا يعارضون اتفاقاً جديداً، ولكنه ملزم بأن يمنع السلاح النووي عن إيران إلى الأبد، والاتفاق الأخير لم ينجح في ذلك. على الصفقة التالية أن تمنع بشكل كامل عن إيران الإبقاء على “برنامج نووي مدني” في منشآت تحت أرضية، وهي ملزمة بالتعاطي مع كل العناصر الثلاثة للبرنامج النووي الإيراني غير القانوني: المواد المشعة، منظومة السلاح ووسائل حملها. المواد المشعة (اليورانيوم، في كل مستويات التخصيب، والبلوتونيوم)، وتكنولوجيا إنتاجها، يجب أن تكون ممنوعة تماماً، لا مجال للمفاوضات في هذا الموضوع.
لقد تغيرت الاستراتيجية الإيرانية، وعلى الولايات المتحدة أن تعي بأن الحديث يدور عن واقع جديد. فالنظام لم يعد يعول على “اقتحام” إلى السلاح، بل يعتزم “الاستراق” للسلاح بمعونة أجهزة طرد مركزي وبحث وتطوير متطورين في منشآت تحت أرضية. ولا يمكن لأي اتفاق مستقبلي أن يسمح بهذه المنشآت، فيبقي الأسئلة عن الأبعاد العسكرية للمخططات السابقة مفتوحة ويسمح بوجود منظمات تعنى بتطوير منظومات السلاح.
سيتعين على إيران أن تدفع ثمناً
يقترح المستشارون في واشنطن على بايدن التركيز على الحل الوسط، وقد طرحوا أمثلة على ذلك باقتراحات للمطالبة بتخفيض مخزون اليورانيوم في التخصيب المتدني إلى نصف ما هو موجود (ولا يزال هذا أكثر بكثر مما كان مسموحاً به في الاتفاق)، أو تفكيك بعض أجهزة الطرد المركزي المتطورة التي ركبت مؤخراً ويمكنها الآن أن تضاف إلى قائمة وقف التخصيب إلى 20 في المئة مقابل التخفيف من العقوبات. سيكون هذا خطأ جسيماً، فهذا ما قصده الإيرانيون.
إن الراغبين في صفقة جديدة وسريعة يفترضون بأن المطالب المتشددة ستؤدي إلى المواجهة. ما هكذا تبدأ المفاوضات. لا ينبغي للإدارة رفض مطالبات الولايات المتحدة بأن تدفع ثمن سياسة ترامب، لأن زعماء إيران هم من يتعين عليهم أن يدفعوا ثمن خروقاتهم في الماضي والحاضر.
ثمة أعمال إيرانية أخرى تحتاج إلى اهتمام خاص من الإدارة وحلفائها في الشرق الأوسط، مثل دعم الإرهاب، وتوريد السلاح الدقيق، والتموضع في سوريا، ومواصلة تطوير برنامج الصواريخ وغيرها. وسيتعين على الولايات المتحدة وإسرائيل وشركائهما في الخليج أن يميزوا بين التصدي للبرنامج النووي والمواضيع الأخرى. وسيكون من الخطأ إدراج هذه الأعمال في المفاوضات النووية. يمكن معالجتها في مسارات موازية، أو بعد حل المشكلة النووية. أما خلطها فسيؤدي إلى تنازلات خطيرة في النووي.
التحرك بحذر
تتحمس الإدارة الجديدة أن تتصدى للتحدي الإيراني، ولكن الأكثر حكمة سيكون التحرك بحذر والتعلم من أخطاء الماضي. يمكن لإسرائيل أن تساعد، ولكنها ملزمة بأن تتحدث بصوت واحد وتنسق مع شركائها لتمنع العودة إلى الاتفاق الفظيع في 2015.
بقلم: يعقوب نيغل
بروفيسور في التخنيون، مستشار الأمن القومي لنتنياهو سابقاً
ورئيس هيئة الأمن القومي في الوكالة
إسرائيل اليوم 15/1/2021