تدكّرت وأنا أحرّر هذا المقال، مباشرة بعد أحداث الكونغرس؛ ما قالته لي السيّدة سيغريد كاله ابنة المستشرق السويدي نوبرغ من أنّ أمريكا “مقياس حرارة” العالم. كان ذلك في أوائل الثمانينات في تونس حيث كان زوجها الألماني سفيرا لبلاده، وكنت أيّامها أساعدها في قراءة شعر أدونيس مثل “قبر من أجل نيويورك” وغيرها من القصائد، بطلب منها. ولا أزال أتذكّر قولها، وهي التي أقامت سنوات بأمريكا، أنّ الشعب الأمريكي هو عامّة “شعب طيّب ساذج سياسيّا”، وأنّ أمريكا هي بلد الحرّيات، وكلّ ما هو مستغرب عالميّا، قابل فيها للوقوع. وخير مثالها اليوم “لحظة العار” هذه كما سمّاها الرئيس أوباما وهو يعقّب على اقتحام الكابيتول، ويستدرك: “لكنّنا سنخدع أنفسنا إذا تعاملنا معها على أنها مفاجأة”.
ومع ذلك فهذه “لحظة فارقة” لا في تاريخ أمريكا فحسب، وإنّما في تاريخ العالم أيضا؛ حيث ستكون لها ارتدادات وأصداء. قد يعدّها البعض إحدى “شعبويّات” ترامب، وقد تكون كذلك؛ ولكن “الشعبويّة” وهي في الأصل أدبيّة قبل أن تكون سياسيّة، إذ هي نظريّة الروائيّين الشعبيّين الذين يصوّرون بمنتهى الواقعيّة حياة عامّة الشعب؛ سمة من سمات الديمقراطيّات الغربيّة عامّة، أو هي من أعراضها. على أنّ ما تضمره قد يكون أدلّ بكثير وأنمّ على ما تصرّح به، إذ يمكن أن تكون علامة على “شوفينيّة” من نوع خاصّ، وتزمّت عرقيّ، و”انفصاليّة” محصورة جغرافيّا، تسوقها إرادة جماعات ذات “تجانس” عرقيّ لغويّ دينيّ حقيقيّ أو مفترض؛ في فصل نفسها عن الدولة التي هي جزء منها، من أجل إرساء كيان سياسيّ مستقلّ. فلم يكن بالمستغرب أن رفع أنصار ترامب أعلام الكونفيدراليّة، ورايات الجنوب القديم الأبيض العنصري؛ بما ينمّ عن احتقار لأمريكا المتنوّعة متعدّدة الثقافات؛ ويذكّر بالحرب الأهليّة.
في فرنسا مثلا وهي جارنا الأقرب، وبيننا وبينها ماء وملح هو البحر الأبيض المتوسّط؛ يفضّل ماكرون كلمة “انفصاليّة” على كلمة “طائفيّة”. وهو إذا حملنا خطابه على ظاهره، يحكم لصالح نوع من التعدديّة الثقافيّة: “من المهمّ أن يحافظ الفرنسيّون والفرنسيّات الذين هاجر آباؤهم أو أجدادهم إلى بلادنا، على ما هو مصدر قوة للجمهوريّة؛ ألا هو معرفة ثقافتهم ولغات عائلاتهم؛ وعلى إمكان أن يُغنوا الجمهوريّة بثقافتهم الخاصّة. وفي هذا الصدد يجب أن نكون واضحين جدّا، فهذه فرصة مواتية لنا جميعا.”
وقد يثلج هذا صدور بعضنا، ويخفّف من غلواء خطابه بعد جريمة قتل المدرّس صمويل باتي؛ ومع ذلك يظلّ حديثه محفوفا بقدر من الغموض، والكلمة انفصاليّة “مفخّخة” كما يرى بعض منتقديه من الفرنسيّين. والمسوّغ لذلك في تقديرهم، أنّ فرنسا عرفت طوال تاريخها أشكالا من التعدديّة الثقافيّة و”الإقليميّة” الدينيّة أو الإثنيّة مع الذين سعوا إلى الاحتفاظ بتقاليدهم وحرّياتهم الخاصّة ضمن الدولة. ولا أحد ينكر أنّها ثروة ذات نفاسة كبيرة لفرنسا. على أنّ هذه الاختلافات الثقافيّة كانت إلى عهد غير بعيد؛ تحملها وتعيشها فئات على أساس من قاعدة اجتماعيّة مشتركة. إنّما المشكل يُطرح في نظرهم مع التدفق الهائل للمسلمين، وهو من نوع مختلف؛ الأمر الذي يجعل التعدديّة الثقافية اليوم التي يشيد بها ماكرون؛ هي النزعة الانفصاليّة ذاتها التي ينكرها ويدينها. وحجّة هؤلاء أنّ فرنسا بنيت طوال قرون، بنوع من التراكم؛ على أساس من إضافات متتالية، حول دائرة مركزها الأسرة أي عشيرة الرجل وأهل بيته، أو من يحيط به منهم؛ فالعائلة بالمعنى الأوسع، وهي تشمل وشائج القرابة وصلات الدم والمصاهرة. ثمّ ترسّخ البناء حول مؤسّسات جمهوريّة، وتحديدا حول ثقافة بعينها. وهذه الثقافة بتركيباتها وتوليفاتها الجمعيّة، وأنا أنقل رأي هؤلاء بأمانة، هي التي اصطنعت لفرنسا هويّتها ووحدتها وإشعاعها في الخارج أي نفوذها وتأثيرها. صحيح أنّ البروتستانت واليهود، والبيكارديّين (نسبة إلى إقليم بيكاردي) والباسكيّين والمهاجرين من جزر الأنتيل وغيرهم، كانوا يسعون باستمرار إلى الاحتفاظ بدياناتهم وثقافاتهم المحلّيّة. بل ناضلوا من أجلها، لكن دون أن يتنصّلوا من انتمائهم إلى فرنسا؛ ومنهم من شارك في حروبها وفي الدفاع عنها. فلم تكن لهم مواطنيّة غيرها، حتى وإن كانت قلوبهم تخفق للقدس أو روما وغيرهما؛ فقد كانت فرنسا ولا تزال مرجعا مشتركا لساكنيها، ونمط حياة. وإذ نسأل هؤلاء: وإذن لِمَ يستثنى المسلمون، وكثير منهم وخاصّة من الشمال الأفريقي، قاتلوا هم أيضا وماتوا في الحربين الكبريين من أجل فرنسا؟ يأتي الردّ في صيغة سؤال: كيف يمكن للفرنسي أن يلتزم في الآن نفسه، تعاليمَ الإسلام ومبادئ الجمهوريّة؟ أو رؤية أكان حاملها القرآن أم الإنجيل، حتى وإن أعاد عصر الأنوار النظر فيها؟ أيمكن لولاء مزدوج كهذا أن يستقيم؟ ويتمثّل هؤلاء بدراسة لمعهد مونتانييه تبيّن أنّ 15 في المئة من مسلمي فرنسا وعددهم أكثر من خمسة ملايين، قطعوا صلتهم بالإسلام؛ وأنّ نصفهم تقريبا يعتقد في أنّ العلمانيّة تتيح لهم أن يعيشوا ديانتهم شعائر وطقوسا، بحرّيّة في فرنسا. ولكنّ 25 في المئة تقريبا يلفظون المجتمع الفرنسي، ويرفضون قيمه. ويتساءلون كيف سيكون عليه الوضع بعد عقدين من الزمن؟ فمهما يكن الموقف العملي للمسلمين الفرنسيّين من كرامة المرأة ومنزلتها ومساواتها بالرجل، ومن الزواج والأسرة وحرّية الضمير والمعتقد، والقدرة على قبول وجهة نظر تاريخيّة نقديّة للإسلام، وحياة الفرد الخاصّة، والعلاقة بين الروحي والدنيوي؛ فهل بإمكان الإسلام أن يكون منسجما مع مفهوم العلمانيّة الفرنسي، ومع مؤسّسات فرنسا وأخلاق ما بعد الحداثة التي يتقاسمها أغلب الفرنسيّين؟ هذه الأسئلة قد تعبّر عن عالمين متعارضين في القيم والمثل الجوهريّة. لكنّ الأمر من هذا المنظور، راجع إلى الطريقة التي تصوغ بها القوميّة الفرنسيّة مفهومها للعالم؛ وقد لا يخفى أنّه “عرقيّ” في جانب منه، وإن تخفّى بلبوس الحداثة. و”الانفصاليّة” نفسها تضفي لونا قاتما على المسلمين، حيث يذهب البعض إلى حدّ القول إنّ الإسلام في فرنسا، يكشف عن انهيار عامّ للإنسانيّة المستوحاة من المسيحيّة. وهو انهيار ينبئ في تقديرهم، بمواجهة حتميّة، إذ يتعذّر التعايش طويلا بين رؤيتين للإنسان والعالم متعارضتين، في حيّز الكلّ السياسي نفسه. ويزعمون أنّ التاريخ لا يقدّم مثالا على ذلك. بيْد أنّه قد يكون ثمّة أمل ما، إذا قبل المسلمون أن يراجعوا بجرأة بعض أسس دينهم، وقبل الفرنسيّون أيضا أن يراجعوا ادّعاءاتهم بشأن “ما بعد الحداثة الغربيّة” من حيث هي قيم عالميّة.
هل يمكن أن تكون هذه “الانفصاليّة” إيذانا بنهاية عالمية الأنوار، بعد أن هيمنت أوروبا أكثر من قرنين على العالم؟ وها هي اليوم تشهد “غرْبَويّتها” [الأكسيدنتليزم] أو نزعتها المستعلية في تفضيل قيم الغرب السياسيّة والفكريّة والاجتماعيّة وغيرها على قيم الشرق؛ وهي تتفكّك. فالمسألة إذن أكبر من كونها مسألة هجرة وديموغرافيا. والموقف المناهض لـ”الغربويّة” ليس حكرا على المسلمين، فهو يشمل الصينيّين والروس، والعديد من بلدان أمريكا اللاتينيّة وأفريقيا وآسيا؛ بل الشعبويّين في الغرب، حيث لم يعد “الأنموذج الأنثروبولوجي” لأوروبا التنويريّة هو المعيار العالمي لجميع البلدان. وثمّة اليوم عودة قويّة لمفهوم الإنسان المتجذّر في التعالي الديني، وفي غموض الماضي الذي لا ينضب؛ على نحو ما تتمثّله الفنون عندنا وعندهم.
وما أكثر ما يتهيّأ لنا في عصر مثل عصرنا، حافل بحوادثه وتغيّراته الدائبة، أنّ العلم هو الذي يمتلك القوّة تفسيرًا واستشرافا، وليس الفنّ. ذلك أنّ المبدع يكاد يعيش في عزلة هي أشبه بنوع من الإقامة الجبريّة في هذا العالم المتحوّل حيث العلم مصدر للهيمنة أكثر منه للسعادة. غير أنّه من مفارقات عصرنا، أنّ ما هو عقلانيّ في العلم أو السياسة، ليس معقولا بالضرورة في الأدب أو الفنّ. ولعلّ هذا ممّا يجعل الثقافة في تجلّياتها الفنّية، لا تحيا بفضل قوّة رمزيّة مزيّتها الاستشراف؛ هي من أوهام الرومنطيقيّة، وإنّما باغترابها أو ضيق زمنها. على أنّنا ما نكاد نطمح بأبصارنا أبعد إلى بلدان يعلو فيها شأن العلم، حتى نلاحظ أنّه على قدر ذلك لا يعلو شأن العقل الكامن في العلم فحسب؛ وإنّما الثقافة أيضا، واغترابها يزيدها على ما يبدو وعيا بذاتها، فلا تتقبّل أن يكون المسوّغ العلمي هو الموجّه الوحيد لحياة الإنسان. هل ما يحدث في أمريكا “الترامبويّة” خطأ ما؟
يقول الأمريكي روبرت فروست 1874 ـ 1963: “أظنّ أنّني أعرف من يملك هذه الغابات/ كان بيته في القرية/ وكأنّه لن يراني وقد توقّفت هنا/ لأشاهد غاباته وهي تكتسي بالثلج/ لابدّ أنّ حصاني الصغير يرى الأمر غريبا/ أن نتوقّف في مكان ليس به بيت ريفيّ/ بين الغابات والبحيرة المجمّدة/ في أحلك أمسيات العام/ إنّه يهزّ أجراس اللجام/ ليسأل عمّا إذا كان هناك خطأ ما.”
* كاتب تونسي