القاهرة-“القدس العربي”: في كل عام يمر على ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011 تأتي التساؤلات والمراجعات المستمرة عما هو مفترض أن يكون بعد هذه الثورة التي قام بها الشعب المصري، وما هو كائن بالفعل الآن من كافة أشكال التردي على جميع المستويات في مصر. هذه التساؤلات أو المراجعات قد تأخذ شكل المقالات في الصحف أو إعادة تشكّل بعض الكتل السياسية الموسومة بالمعارضة، بأن تنحي خلافاتها جانباً لهدف أسمى وأعمق هو مواجهة النظام السياسي القمعي، الذي تحيا في ظله مصر، فتصدر بياناً تحاول من خلاله أن يلتف الشعب حوله بكافة أطيافه، أملاً في استعادة روح الثورة. وهناك مَن يحاول رصد التحولات التي طرأت على المجتمع المصري خلال هذه السنوات. ومع اقتراب العام العاشر على الثورة المصرية يمكن مناقشة بعض الأعمال التي تناولت هذه الثورة وتداعياتها، ولعل من أهمها التقرير الصحافي المصوّر “في سبع سنين” والذي أثار الكثير من الجدل وقت عرضه منذ سنتين ولم يزل.
تناول التقرير مجموعة انتقائية من الشباب المصري، محاولاً رصد تبعات ثورة يناير عليهم، ومآلهم بعد الحلم الثوري الذي غاب كثيراً. وقد حصر التقرير مصير هؤلاء إما في صورة الملحدين ــ مع استسهال هذا الوصف أو هذا المعتقد ــ وإما صورة الجهادي الذي لا يؤمن سوى بالسلاح ويرى فيه خلاصه الأخير وخلاص مجتمعه مما يعيشه من حالة ظلم وعدوان، حتى لو تم التوسل بإحصاءات مشكوك في مدى مصداقيتها. فالتقرير يبدأ بمقوله مفارقة وهي أن “الشعب المصري متدين بطبعه” ــ مقولة ساخرة بالأساس تدور على لسان المصريين ــ وأكثر شعوب العالم تديناً، واستشهد بإحصاء مؤسسة “غالوب” الأمريكية للأبحاث، حيث ذكرتْ في عام 2009 أن 80 في المئة مِن نساء مصر محجبات ــ ولا ندري ما علاقة الحجاب بالتديّن! ــ وصولاً إلى ما آل إليه الحال في تقرير لـ”الجزيرة” نفسها في عام 2017 يكشف النتائج المهولة لحالة التديّن المُنتَكَسَة. فالشباب من سن 18 وحتى 35 تبلغ نسبة الملحدين منهم 4 في المئة، واللاأدريين 5.6 في المئة، ويرى 24 منهم أن الحجاب ليس فرضاً دينياً. وفي الأخير تأتي نسبة الذين يؤيدون العمل المسلح ويرونه الحل الأوحد للتعامل مع السلطة، فيمثلون 11 في المئة. ومن خلال هذه الإحصاءات ونِسبها، نجد أن النسبة ذات الأثر والثقل هي نسبة الجهاد المسلح. وسنحاول مناقشة المغالطات التي حاول التقرير إثباتها والتأكيد عليها من خلال وجهة نظر ومعالجة ضيقة إلى أبعد الحدود. التقرير إعداد وتقديم محمد ماهر عقل وسيناريو وإخراج محمد رشيدي.
المغضوب عليهم
نبدأ أولاً بعيّنة المغضوب عليهم، وهم مجموعة من الشباب الذي وفقه الله إلى “الإلحاد” هكذا بكل بساطة، لنجد أن السبب في ما يتصورونه معتقداً إلحادياً يعود إلى تجربة شخصية لم تستطع نفسياتهم تحمّلها، ولهم الحق في التعبير عما يشعرونه أو يتبنونه من أفكار ووجهة نظر، لكن أن يتم اختيارهم وتصديرهم بأنهم يمثلون قطاعاً مؤثراً أو أن الثورة وما تلاها من أحداث هي السبب الأساسي، فهو أمر زائف ومغالطة ساذجة. فتأتي الحكايات التي لم تستطع أن تتجاوز الشأن الخاص، وأن ترسم ملمحاً عاماً يمكنه خلق ظاهرة مؤثرة، ولو من وجهة نظر دراسة اجتماعية.
حسن البنا
أطلق والده عليه هذا الاسم مُتبركاً بالإمام الشهيد، فالأسرة بكاملها تسير على خطى الإمام وأفكاره. فالفتى كان يتم إعداده ليكون ــ حسب قوله ــ الإمام الجديد، إلا أن نقطة التحوّل جاءت بعد فض اعتصام رابعة واستشهاد أخيه الذي يعتبره بمقام والده، في أحداث مسجد الفتح بميدان رمسيس، وما صاحب ذلك من ردة فعل له بأن “الله لم ينصرهم” وحينها قال: “لقد فقدت الثقة في كل شيء. أنا لا أومن بوجود إله”. وها هو في عدة لقطات يدخن ويسكر وكله تمام. وقد تداول البعض على فيسبوك ــ وقت عرض التقرير ــ أن الشاب البنا معتقل على خلفية قضية أخرى، وأن ظهوره بهذا التقرير سيعرضه للكثير من الأذى داخل محبسه. فأن تكون معارضا أو إخوانا من الممكن أن يتعاطف معك البعض، أما والعياذ بالله فلا ديّة لك.
مصطفى
وهو يمثل حالة شاب الأقاليم الذي بهرته المدينة، وكان يبحث له عن دور، ولم يجد سوى السير وراء داعية الميديا والسلطة الفنان عمرو خالد، الذي تركته الدولة يعمل تحت بصرها في النوادي الشهيرة والجامعات. فكان مصطفى من مؤسسي أسرة صناع الحياة في جامعته ــ أحد ألعاب عمرو خالد السحرية ــ ولكن أين الأزمة؟ بدأت الأزمة عندما رأى مصطفى أستاذه عمرو خالد دون مستوى الحدث، فلم يعلق أو يتخذ موقفاً من الكوارث التي كانت تحدث أمامه ــ لم ينتبه مصطفى إلى كون أستاذه صنيعة أمن الدولة ــ فقرر الشاب أن يبدأ مرحلة الشك حتى يصل إلى الإيمان، فهو الآن في مرحلة الـ لاأدرية، والله الموفق والمستعان.
سُنّة
فتاة من أسرة سلفية، كانت لا تطالع إلا قناة “الناس” وشيوخها المنغصين على الناس حياتهم، فهي من أسرة متدينة، وكانت تحضر دروس العلم في المساجد، وارتدت النقاب في سن 16 باختيارها وقد رأته حماية لها مما تتعرض له مثيلاتها من الفتيات السافرات، ولكنه لم يحمها، وقد تعرضت للضرب والإيذاء من مجموعة من الشباب داخل المترو، فاهتزت ثقتها في ما تعتقد فخلعته. أما تركها للدين فكان بسبب زوجها الذي كان يعاملها بشكل سيئ ويقوم بضربها وإيذائها. وهنا استحكمت الحالة، فشعرت سُنّة بانتفاء الفرض، وأن الخوف هو محرّكها الأساسي، فكل شيء ليس لله، وأن الله ليس له وجود من الأساس.
إسراء
من أسرة مشابهة لمعظم الأسر المصرية، ارتدت الحجاب في سن 11 ووجدت ترحيباً كبيراً من العائلة والمدرسة لهذه الخطوة. إلا أنها قررت خلع الحجاب والدين معاً، فلا فرضية لحجاب ولا وجود لله. وترجع إسراء ذلك إلى أن الثورة هي التي “حررتها” كذلك كان موقف الإخوان المتخاذل من قتل المتظاهرين في أحداث محمد محمود نقطة فاصلة في توجهها، “فأحسست أنني لا أنتمي لهم لأنهم يبررون قتل الثوار المتظاهرين” ثم انخرطت مع اليسار ــ أي يسار؟ الذي حسب تعبيرها كانت تخافهم، وتعتبرهم “كُفارا”. وهي الآن لا تتخيل وجود الله، ولا تستطيع التحدث إليه وتشعر بوحدة شديدة.
الضالون
أما فريق الضالين، فهم مجموعة من الشباب فضلوا الجهاد ومواجهة ما يحدث من ظلم الدولة ونظامها الانقلابي بالقوة، وبالقوة وحدها حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا. فمن خلال زمن المخلوع، مروراً بالثورة، ثم حكم الإخوان وصولاً إلى الانقلاب وصاحبه، تتوالى ردود الفعل، لكنها هذه المرّة كانت الهجرة والانضمام إلى صفوف التنظيمات الجهادية في سوريا ــ أية تنظيمات لا ندري! رغم أنهم في مصر لم يكن أحدهم ينتمي إلى أية جماعات إسلامية، إلا أن بعضهم تم اعتقاله وتعذيبه، فكان رد فعله هو المواجهة بالقوة. ونذكر منهم أحمد الذي قال إنه لم يكن يحب الإخوان وكانت اهتماماته منحصرة في مشاهدة الأفلام والكرة، ولم يزل يتذكّر بعض الأغنيات ــ أمل حياتي التي ردد كلماتها دون موسيقى ــ وقد كان يحب عبد الوهاب وأم كلثوم وفيروز. لكنه فجأة شعر بعد الانقلاب بأن “الإسلام قد ضاع” وبعد فض اعتصام رابعة طرح على نفسه السؤال “لماذا لا يحمل المعتصمون سلاحاً يدافعون به عن أنفسهم؟”.
آمين
ثم ماذا بعد كل هذه الانتقائية والمغالطة، فهل من المفترض أن نقول “آمين” على ما شاهدناه وأن نثق في مدى ما تعكسه هذه الحكايات والبيانات الإحصائية التي يريد أن يمررها التقرير ويؤكدها من خلال توثيقات موهومة؟ وفي الأخير، إما الألحاد أو الجهاد، وقد غاب “الله” و”السلمية” عن المشهد. هذا بخلاف المهنية الغائبة عن مقدّم التقرير ــ ثقيل الظِل ــ الذي لا يستطيع إخفاء حسرته على الأخوة الملحدين، وكأن لسان حاله كل لحظة يردد “طب ينفع كده؟ طب يرضيكوا كده؟” حتى أنه في النهاية يضرب رأسه في الجدار حزناً على ضياعهم وخسرانهم الدنيا والآخرة. من ناحية أخرى توضح التعاطف ووجهة النظر المتواطئة، فقد جاء التصوير من حاملي السلاح وهم يغطون وجوههم، بينما “الغلابة” اللي عايشين في مصر فيظهرون بكل وضوح، وكأن الأمر، “مش بيقولوا ما فيش ربنا، خليهم يشربوا بقى”. ولا ينسى التقرير في النهاية أن يأتي بشاب مسيحي لا محل له من الإعراب، يتباهى في بلاهة هو الآخر بأنه ملحد، وكأن التقرير يمهد لجزء ثان سيتناول من خلاله شعب الكنيسة. وفي صحة المزيد من التخاريف.