لندن – “القدس العربي”: حطم الوحش الخفي كورونا، الكثير من المعتقدات والمقدسات الثابتة في عالم كرة القدم، أهمها كبح جماح وغرور عمالقة اللعبة ولو بشكل مؤقت، للتقارب غير المسبوق في مستوى التنافس بين الجميع بدون استثناء، في ظل صعوبة إقامة المباريات بجماهير، بسبب الموجة الثانية للوباء، ونلاحظ هذه الظاهرة أسبوعيا في بلدان كرة القدم الحقيقية، آخرها الصفعة التي تلقاها بطل أوروبا والخماسية بايرن ميونيخ منتصف الأسبوع الماضي، بالخروج المبكر من كأس ألمانيا.
صحيح أن الحكمة القديمة تقول: “مفاجآت الكأس واردة في كل دول العالم”، وهذا لظروف البطولة المختلفة كليا عن البطولة المحلية الأهم وهي الدوري وكذلك دوري الأبطال، حيث تتعامل معها أغلب الأندية الكبرى، على أنها مباريات ودية بصبغة رسمية، أو على أقل تقدير، فرصة لإعطاء البدلاء فرصة للتعبير عن أنفسهم، في المقابل تعطي لها الأندية المتوسطة والصغيرة أهميها مضاعفة، ما يساهم بشكل أو آخر في تقارب الفرص بين أندية القسم الثاني والكبار الـ20، لكن مهما كانت الظروف، لا تصل أبدا إلى حد هزيمة بايرن ميونيخ أمام مضيفه المغمور هولشتاين كيل، في الدور الثاني لكأس ألمانيا، وبعد مباراة بطولية لأصحاب الأرض، انتهى وقتها الأصلي بنتيجة التعادل بهدفين لكل منهما، بفضل الهدف التاريخي، الذي سجله هاوكي وال في الدقيقة 90، قبل أن تبتسم ركلات الترجيح لأبناء مدينة كيل. والأعجب من ذلك، خروج أتلتيكو مدريد من الدور الثاني لكأس ملك إسبانيا، بهزيمة لن تُمحى من الذاكرة بهدف نظيف أمام كورنيا، الناشط في السيغوندا B، ناهيك عما يحدث بشكل متكرر، وبات يُعرف بمفاجآت زمن كورونا، إذ لم يعد مستبعدا حدوث أي شيء، طالما هناك 11 لاعباً ضد 11 آخرين، وبصوت الجميلة الأنيقة ياسمين صبري سيكون “البقاء للأقوى”، كما سنلقي الضوء معا على متغيرات اللعبة والمنافسة مع مرور قرابة العام على الجائحة، التي قلبت موازين البشر منذ مارس / آذار الماضي وحتى وقت كتابة هذه الكلمات.
يحدث للمرة الأولى
تجسدت المقولة الشهيرة للشاعر الهندي طاغور “الفشل هو مجموعة التجارب التي تسبق النجاح”، في ما قام به المدرب النرويجي أولي غونار سولشاير، منذ وصوله إلى سُدّة حكم “مسرح الأحلام”، خلفا للمثير للجدل جوزيه مورينيو أواخر العام 2019 وحتى الآن، كمدرب اعتاد على الفشل وأدمن الخروج من البطولة، آخرها الخروج المهين للعلامة التجارية للنادي من مرحلة مجموعات دوري أبطال أوروبا، وفي غضون أسابيع قليلة، قلب الطاولة على الجميع، بسلسلة من الانتصارات والعروض الجيدة، التي أعادت إلى الأذهان صورة ذاك المخيف الأحمر، الذي كان يخشاه الكبير قبل الصغير في بريطانيا، وذلك بتحقيق الفوز في تسع مباريات والتعادل في اثنتين، بدون أن يتجرع من مرارة الهزيمة في آخر 11 مباراة، وهو أمر لم يفعله أي ناد آخر في أوروبا منذ بداية الموسم، دليلا على أن انقضاضه على صدارة البريميرليغ لم يأت بالصدفة أو بضربة حظ، كأول مرة تُلتقط فيها صور “الشياطين الحمر” في مقدمة بطولتهم المفضلة بعد 17 جولة، منذ موسم سير أليكس فيرغسون الأخيرة 2012-2013.
وبالنظر إلى أسباب صحوة يونايتد الأخيرة، سنجد أن من أهمها المستوى الخرافي الذي يقدمه بول بوغبا في هذه الفترة، بتقديم الصورة التي طالما انتظرها عشاق النادي منه منذ عودته من يوفنتوس في صيف 2016، يكفي أنه تقمص الدور الذي جاء من أجله، كلاعب من الطراز العالمي مطلوب منه صناعة الفارق في المباريات واللحظات الفارقة، وهذا ما فعله أمام بيرنلي، في المباراة التي أرسلت الفريق إلى الصدارة، حيث تقمص دور المخلص بامتياز، بإسكات منتقديه، بتقديم أدواره الدفاعية والهجومية على أكمل وجه، في واحدة من المباريات القليلة التي وُظف فيها في مركزه المفضل، كلاعب وسط بلا قيود، بدلا من التزامه في الجهة اليسرى، وظهرت براعته وشخصيته داخل الملعب، في مشاهد الشجاعة في التحامه مع لاعبي بيرنلي، والتي خرج منها بـ5 كرات هوائية و12 مرة افتكاك للكرة، بخلاف تأثيره في الهجوم، بالتواجد 7 مرات داخل مربع العمليات، وصناعة فرصتين إلى جانب هدفه الثمين، وذلك في اليوم الذي لم يكن فيه نجم الدور الأول برونو فيرنانديز في أفضل حالاته.
منافسة مختلفة
بطبيعة الحال، إذا حافظ بوغبا وماركوس راشفورد وباقي الرفاق على هذه الصحوة في الأسابيع المقبلة، ستكون فرصهم قوية للظفر باللقب الغائب منذ تقاعد شيخ المدربين، لكن قبل أي شيء، ستبقى قمة اليوم ضد ليفربول هي مفتاح استمرار مانشستر يونايتد في المنافسة على اللقب، ليس فقط لأهميتها من أجل توسيع الفارق بينهما إلى ست نقاط، بل أيضا لإبقاء العدو الشمالي في المربع صفر، بعد عثراته الأخيرة، التي أفقدت المدرب الألماني يورغن كلوب صوابه، لدرجة المقامرة بمحمد صلاح وساديو ماني وأغلب القوام الرئيسي أمام مراهقين أستون فيلا في مباراة الدور الثالث لكأس الاتحاد الإنكليزي. والأمر لا يتعلق برد الاعتبار الى شعار “لن تسير وحدك” بعد وصمة عار سباعية “فيلا بارك”، بل لاستعادة نغمة الانتصارات وثقة اللاعبين في أنفسهم، بعد تمنع الكرة عليهم في آخر 3 مباريات في حملة الدفاع عن اللقب، بتعادلين أمام وست بروميتش ألبيون ونيوكاسل يونايتد وهزيمة على يد قديسي ساوثهامبتون، قبل المهلة المؤقتة للجدول المزدحم. ولا يخفى على أحد، أن تذبذب نتائج أحمر الميرسيسايد، جاء تزامنا مع التصريحات المثيرة للجدل التي أدلى بها محمد صلاح للإعلام الإسباني، في ما يخص انفتاحه على فكرة الذهاب إلى ريال مدريد أو برشلونة، مع تلميحات مفهومة بأنه لا يلقى التقدير ولا المعاملة التي يستحقها من قبل المدرب، لعدم منحه شارة القيادة في غياب القائد جوردان هندرسون ونوابه أمام ميتيلاند الدنماركي في دوري أبطال أوروبا، الأمر الذي استفز المدرب وجعله يرد على لاعبه برسالة شديدة اللهجة، مفادها باختصار شديد أن النادي لا يجبر أحد على البقاء.
وسواء كانت أزمة تصريحات صلاح وصديقه الصدوق محمد أبو تريكة، سببا أو لا في تراجع نتائج الريدز، فهناك عوامل أخرى أدت لذلك، منها الهشاشة الدفاعية، لصداع النقص العددي الحاد في مركز قلب الدفاع، في ظل غياب الثلاثي فيرجيل فان دايك وجو غوميز وجويل ماتيب، وإصابات أخرى ضربت حتى الوافدين الجدد دييغو جوتا وتياغو ألكانتارا، إلى جانب عدوى الهبوط الجماعي في مستوى أغلب الأساسيين، خصوصا القادرين على صناعة الفارق، غير أن صلاح اعترف في مقابلة صحافية مساء الخميس، أن كورونا أثر بشكل سلبي على لاعبي ليفربول، لافتقادهم دعم وحماس الجماهير، التي كانت تدفعهم وتحفزهم على مدار 90 دقيقة، هذا في الوقت الذي يرفع فيه مانشستر سيتي شعار “بلا رحمة” أمام خصومه، بتحقيق أفضل سلسلة نتائج منذ فترة طويلة، بلغت 7 انتصارات على التوالي في مختلف البطولات، منها رسائل تحذير، كثنائية آرسنال وثلاثية تشلسي، لذا لا مفر أمام حامل اللقب سوى أن يُكشر عن أنيابه أمام المتصدر في قمة اليوم، ليخرج من النفق المظلم ويثبت بشكل عملي أنه لن يفرط في اللقب بسهولة. وفي كل الأحوال، تُظهر المؤشرات أن المنافسة ستكون ثلاثية بين يونايتد والسيتي وليفربول حتى الأمتار الأخيرة، وليس السيتي وليفربول كما جرت العادة في السنوات الماضية.
فرصة الهنود الحمر
في إسبانيا، بدأت تلوح في الأفق فكرة تكرار معجزة 2014، عندما أوقف أتلتيكو مدريد هيمنة ريال مدريد وبرشلونة على لقب الليغا، بتتويج تاريخي في أوج وأعظم لحظات فترات الثنائي الفضائي كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي، والسبب وراء ذلك، ما يفعله التشولو دييغو سيميوني، باستغلال الفرصة تلو الأخرى، بجمع 42 نقطة من 16 مباراة، متقدما بأربع نقاط ومباراتين أقل من الوصيف الميرينغي، وسبع نقاط ومباراتين أقل من البارسا، وقد أظهر المدرب الأرجنتيني نواياه ورغبته في عدم تفويت فرصة الانقضاض على اللقب، بتعويض دييغو كوستا بمهاجم ليون موسى ديمبيلي ليعاون الأوروغواني لويس سواريز في الهجوم، وما يمنحه أفضلية على الملكي والبلوغرانا هذا الموسم، الصلابة الدفاعية غير الاستثنائية هذا الموسم، باستقبال هدفين فقط من اللعب المفتوح من أصل ستة أهداف هزت شباك الحارس أوبلاك في 16 مباراة، على عكس الجار المدريدي، الذي يواجه صعوبة بالغة في الحفاظ على انتصاراته، بفصول باردة من حين لآخر، كما تعادل مرتين في آخر 3 مباريات على مستوى الليغا، وذلك كما يعرف مشجعو النادي، لحالة التراخي التي تسيطر على اللاعبين، خاصة في المباريات التي تندرج تحت مسمى “مواجهات سهلة”، على عكس النتائج والصورة التي يكون عليها الفريق أمام الكبار أو عندما يكون المدرب على بعد خطوة من الإقالة، وهذه معضلة يحتاج المدرب الى حلها، إذا أراد التشبث بآماله في مطاردة الهنود على اللقب. وسواء تحسنت نتائج ريال مدريد أم لا، فهذا لا يمنع أن برشلونة بدأ يتحسس العودة إلى الطريق الصحيح، مع المستوى المذهل الذي يقدمه بيدري، وقبله عودة ابتسامة ليونيل ميسي والتطور الواضح في مردود أنطوان غريزمان وانسجامه مع العائد من الإصابة عثمان ديمبيلي، الذي أعطى بدوره إضافة هائلة كان الفريق يفتقدها في الثلث الأخير من الملعب، ومع تعافي أنسو فاتي وباقي المصابين في النصف الثاني، قد ينقذ البارسا موسمه، أو على الأقل يختم الموسم بصورة مغايرة لما كان عليها في بداية الموسم، وفي كل الأحوال، يبقى الأتلتي المرشح الأقوى والأوفر حظا للظفر بالليغا هذا الموسم، بشرط أن يواصل بنفس الزخم حتى أبريل / نيسان الحاسم.
متغيرات كورونا
على غير العادة، لم يقطع يوفنتوس مسافة كبيرة نحو احتفاظه بلقبه المفضل السيريا آه للموسم العاشر على التوالي، بل يقبع في المركز الرابع بفارق سبع نقاط ومباراة أقل من المتصدر ميلان، ولولا الانتفاضة التي أعقبت ثلاثية فيورنتينا، لظل بعيدا عن المراكز الأربعة الأولى، لكن ما يبدو واضحا، أن المنافسة في جنة كرة القدم ستبقى مفتوحة على مصراعيها، على الأقل أمام 3 فرق، أوفرهم حظا سيكون مشروع ستيفانو بيولي مع شياطين الروزونيري، رغم الهزيمة أمام يوفنتوس بنتيجة 3-1 قبل أسبوعين، والدليل على ذلك رد الفعل السريع، بتجاوز تورينو مرتين في غضون أسبوع، مرة بثنائية في الدوري والأخرى بركلات الترجيح في دور الـ16 لكوبا إيطاليا، أما ما يتعلق بالمنافسين الآخرين، فبنسبة كبيرة سيكون الأول كريستيانو رونالدو والثاني إما الإنتر الوصيف، أو روما صاحب المركز الثالث، ما يعكس اختلاف شكل المنافسة على اللقب في زمن كورونا، على عكس الوضع في السنوات التسع الماضية، أكثر من نصفها حُسمت بشكل عملي في شهر فبراير / شباط. وهي نفس الطفرة التي تشهدها الملاعب الفرنسية، باحتلال ليون صدارة الليغ1 بفارق نقطة عن وصيف بطل أوروبا وحامل اللقب في آخر 3 نسخ باريس سان جيرمان، وكما نعرف، بالكاد كان الفريق الباريسي يقتل المنافسة على هذا اللقب في مثل هذه الأيام في كل عام ليتفرغ لدوري أبطال أوروبا. وحتى في البوندسليغا، هناك منافسة حامية الوطيس بين البطل المهيمن بايرن ميونيخ ومطارده لايبزيج، بفارق نقطتين بينهما، ويتبعهما باير ليفركوزن بأربع نقاط أقل من البايرن ثم بوروسيا دورتموند في المركز الرابع بخمس نقاط أقل من المتصدر، ما يعكس تأثير كورونا على شكل المنافسة في الدوريات الأوروبية الخمس الكبرى، كمؤشرات لاحتمال تغير بعض الأبطال الدائمين هذا الموسم.