“مرايا” فيلم يعزف على الأوتار المشدودة بين الرجل والمرأة

كمال القاضي
حجم الخط
0

في سياق التعويض عن غياب الفيلم الروائي الطويل، في ظل الارتفاع الباهظ في التكلفة الإنتاجية وعدم ملائمة الظروف العامة لاستكمال المشاريع السينمائية الكبرى، تجري محاولات الإحلال والتبديل ليكون الفيلم الروائي القصير هو الحل الأمثل لملء الفراغ داخل الساحة الإبداعية. وقد وجد المخرجون الشبان ضالتهم في هذا النوع المتميز من التعبير الإبداعي القائم على التكثيف والاختزال وثراء الأفكار والمعاني من دون النظر إلى الحدوتة الدرامية القائم عليها الحدث كشرط للجذب والإقناع والترويج الجماهيري.

وإزاء هذا التصرف ظهرت أنماط مختلفة ناقشت قضايا حيوية ومهمة وعرجت على خطوط فرعية متباينة للنفاذ داخل العمق الإنساني للتفتيش عن الغائر والمخبوء من المخزون النفسي المتواري خلف السمات والعلاقات الثنائية بين الجنسين، الذكور والإناث، وربما يمثل ذلك التفتيش الحثيث امتدادا لمفهوم المد والجزر في الحياة الاجتماعية بين الولد والبنت، لاسيما في مرحلة المراهقة قبل الاستقرار النفسي الكامل والوصول لسن النضج، حيث يكثر الجدل حول البديهيات ويحاول كل طرف إثبات صحة بيانه ومنطقه وفرض سطوته العقلية والفكرية وتأكيد حيثيته على حساب الطرف الآخر.

في فيلم “مرايا” للمخرج الشاب كريم ممدوح مداح نجد أصداء قوية للحالة الجدلية متبلورة في العديد من الصور، يأتي في مقدمتها ذلك التمسك الحرفي بمنطق المُفاضلة ورخص التميز والاستحقاق التي يسعى كل منهما لإثباتها واستغلالها ضد منافسه عبر الاستشهاد بالآيات القرآنية التي يتم تفسيرها وفق الهوى الشخصي ووجهة النظر الفردية التي تدعم منطق الرجل في مواضع معينة وتنتصر للمرأة في مواضع مقابلة، وهي حُجج يراها المتنازعون والمتصارعون حول فكرة التميز والتمييز قاطعة مانعة لا تقبل الشك، بينما هي في واقع الحال ليست سوى مفاتيح لإعمال العقل في الحُكم والتدقيق لاستقراء النصوص القرآنية في سياقاتها الصحيحة بعيداً عن التحيز العنصري والاجتراء على الحقيقة الراسخة بمنطقها الإنساني العادل المُقر بمبدأ المساواة بين الذكر والأنثى في الحقوق والواجبات على كافة الأصعدة، بغير ضير أو نقص لنوع من دون الآخر وفق حسابات ربانية تراعي كل التفاصيل المُختلف عليها بين الجنسين.

ويمد المخرج كريم مداح خطوط فكرته الإنسانية الفلسفية في فيلمه القصير “مرايا” ليذهب بنا إلى دواعي ذلك الجدل القائم بين العنصرين، النسائي والرجالي بادئاً من نقطة الصفر حول الأصل في عملية التكيف بينهما، هل هي العلاقة الحميمة التي يتم بموجبها التناسل أم أنها أواصر المودة والرحمة التي تتحدد على أثرها آيات التعامل والاحتواء؟ وبالتوازي مع السؤال الباحث عن إجابة يعرض لنا مداح صور التنافر والاختلاف البادية في المُعاملات اليومية وإحساس المرأة بسيطرة الرجل وعنفوانه تجاهها استناداً إلى السلوكيات المُنحرفة من جانب بعض العناصر التي ترى في نزوعها للعنف دليلاً على الرجولة، وهو أمر يتصل بالتكوين الاجتماعي الخاطئ ولا علاقة له بالتشريع أو مبادئ العقيدة لدى جميع الأديان السماوية، فلا يوجد دين يُبيح العدوان على المرأة أو يُعطي للرجل الحق في اضطهادها على أي مستوى، ذلك أنها تمثل عضد الحياة الأساسي وعليها تقوم عملية البناء الحيوي للمجتمع فليس بوسع الرجل تحمل المسؤولية بمفرده فهو مجرد طرف مُكمل ولا غنى عنه أيضاً كعنصر من عناصر الوجود وضروريات الحياة الأساسية كي يستمر التكاثر والتناسل إلى قيام الساعة.

يأخذ الخط الجدلي مساحة وفيرة من الفيلم وتتعدد وجهات النظر داخل المحتوى الدرامي من خلال مُعطيات الحوار الدارج على لسان الأبطال الشباب بمختلف ثقافاتهم ومنطلقاتهم الفكرية، التحررية أو الدينية بحسب ميولهم واتجاهاتهم، في تجسيد مجرد للأزمة التي يقترب منها كاتب السيناريو والمخرج محاولاً إلقاء الضوء على المُسببات الأولية للقلق  الذي ينتاب بعض الشباب في مُقتبل حياتهم نتيجة البحث عن إجابات لأسئلة صعبة والوقوف الطويل في مُفترق الطرق بسبب فقدان المعلومة الدينية والجهل بأصول التشريع وعدم الإلمام الكامل بالثقافة المعرفية في مجالات عديدة، لا سيما في هذا الخصوص.

ومن خلال المستوى التدريجي في النقاش يصل طرف الخيط في الفيلم الروائي القصير “مرايا” إلى حقيقة التكامل والمساواة بين قطبي الوجود الحياتي، الرجل والمرأة مُستقراً على المفهوم الإيجابي لأهمية النقاش والحوار كمقدمات لنتائج حتمية مُرضية في مسألة البحث والتقصي عن المعاني والدلالات والمرجعيات المؤدية إلى ثبات اليقين العقلي والمنطقي بأن لكل قضية جدلية مفاتيحها السحرية، لكن العبرة تكمن في الوصول لتلك المفاتيح وطرق استعمالها.

الفيلم يمثل تجربة مختلفة لمخرجه كريم ممدوح مداح الذي ذهب بعيداً عن المدار المألوف والمعتاد في طرح فكرته وتجسيدها بأدوات بسيطة اعتمدت على التوظيف الجاد لمواهب الممثلين الشباب من الجنسين والشراكة التضامنية لخروج المصنف الفني والإبداعي بالكيفية غير التقليدية ليكون علامة على دهشة الأفكار الحداثية في السينما الجديدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية