جيش الصهاينة يعرف فظاعة أفعاله في جنين ويريد محو الأدلّة محمد بكري يرفع رأسه بـ»جنين جنين» والسينما الفلسطينية رائدة في تثبيت السردية

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-»القدس العربي»:

أخيراً، وبعد 19 عاماً من الدعوى القضائية المرفوعة أمام المحاكم الصهيونية بحق فيلم «جنين جنين» ومخرجه محمد بكري، صدر الحكم الذي أريد منه تقليم أظافر صانعه، وتركه يعلن توبته الأبدية ويحيد بناظريه عن رؤية الحقيقة الماثلة أمامه. شُفي غليل أحد الضباط الصهاينة بهذا الحكم لأنه «ظُلِم» فهو لم يكن نازياً عندما استباح وجنوده المخيم الصغير وناسه سنة 2002 ولأسبوع كامل. فكل ما فعله أنه رشّ عليهم ماء الزهر الذي حمله مشكوراً من بساتينهم في يافا وحيفا.
الغريب أن الضابط الصهيوني نسيم مغناجي، رافع الدعوى قال لصحيفة صهيونية قبيل صدور الحكم إنه أحصى من شاهد الفيلم من اللواء الذي اقتحم المخيم، فلم يسجل أي مشاهدة ليصل إلى حصيلة: «كل من أعرفهم أرادوا الابتعاد ونسيان ذلك». وإليه أضاف الشاويش يسرائيل كسبي «حاربنا مثل الأم تيريزا، الممرضة الرحيمة. إذا كانت الأمور هكذا فيمكن أن نتوقع بأن كل جندي من جنود اللواء سيذهب لزيارة من قدموا لهم علاج الأخت الرحيمة. ولكن عميقاً الكل يعرف بأن هناك أمراً فظيعاً من الأفضل السكوت عنه».
شهادتان لإثنين من المشاركين في عملية «السور الواقي» الدموية، ومع ذلك تدين المحكمة الصهيونية فيلماً تحدث فيه المصدومون عن أفعالٍ لا يقرِّها سوى الصهاينة وداعميهم.
حكم جائر، لم يكن سواه متوقعاً من جلاّد يحاكم الضحية. محمد بكري الذي قال في بيروت لجريدة «القدس العربي»: «أنا أكبر من إسرائيل» قال في قريته البعنة في الجليل، خلال تكريمه قبل أيام «لو لم أصنع هذا الفيلم لكنت سأخجل من النظر لنفسي في المرآة».
في قراءة لهذا الحكم القضائي الصهيوني على أحد أهم الأفلام التي تدين ممارسات المحتلين سألت «القدس العربي» بعضاً من أهل السينما والنقاد:
○ ما هو دور التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني في الحكم القضائي الذي صدر على فيلم «جنين جنين» ومخرجه محمد بكري؟
• كيف للسينما الفلسطينية أن تلعب دوراً أكبر في تسليط الضوء على ممارسات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني أينما كان؟
مي عودة: سنعرض «جنين جنين» رغم أنف المحكمة العسكرية

المخرجة والمنتجة وعضو الهيئة الاستشارية في مؤسسة الفيلم الفلسطيني مي عودة قالت رداً على السؤال الأول: سألت نفسي هذا السؤال أكثر من مرّة. محكمة محمد بكري متواصلة منذ 19 سنة، فلماذا الآن صدر الحكم؟ فإن لم نربطه مباشرة بحركة التطبيع السائدة، لكأننا نقول إننا الآن كقضية فلسطينية نحن الحلقة الأضعف عالمياً. إسرائيل والولايات المتحدة نجحتا في كسب تعاطف دول عربية، وهذا مؤسف ومحزن جداً أن يتم التخلّي عن القضية الفلسطينية لصالح التطبيع مع إسرائيل. وهذا دون شك سيجعل إسرائيل وحكوماتها والمناصرين لها دون خجل نهائياً. القرار ضد محمد بكري يصحُّ وصفه بالمثل القائل «إذا لم تستح فأفعل ما تشاء». إنها قمة العنصرية والعنجهية والإجرام. وهذا ما نراه إضافة للحكم على محمد بكري، في كافة القرارات التي تُنفذ على أرض الواقع في فلسطين، من اعتقالات يومية، وقرارات بناء مستوطنات جديدة لتثبيت الواقع لصالح إسرائيل، وهذا ما تسارع للأسف بعد تلك الاتفاقيات. فهم يعرفون الآن أن ما من أحد سيقول لهم لا.
وعن دور السينما الفلسطينية قالت مي عودة: كانت السينما الفلسطينية سبّاقة على مر الزمن لأن تكون بالمرصاد. وهي سبقت السياسيين بتثبيت اسم فلسطين عالمياً، ونقل الصورة الحقيقية عن معاناة الشعب. وتثبيت تلك الصورة إلى جانب القصة والرواية الفلسطينية من خلال أفلام تمّ إنتاجها بجهود فردية مؤمنة بعدالة القضية. وفي ظل التحولات الحاصلة ستلعب السينما الفلسطينية أيضاً دوراً أكبر، رغم المصاعب التي تزداد يوماً بعد يوم في إيجاد تمويل للأفلام المستقلّة، وخاصة منها الأفلام الفلسطينية. موازنات تمويل أفلامنا تتقلص. وأيضاً يتقلص عدد الدول التي نتعاون معها، والسبب هو التطبيع. موارد مِنَح الأفلام تتناقص وهذا يشكل خطراً ويطرح السؤال عن نوعية الأفلام التي سنراها، وكم هو عدد الأفلام التي سننتجها للمستقبل؟ السينما الفلسطينية كانت حاضرة على الدوام في المهرجانات العالمية للسينما وكانت تجد شهرة وانتشاراً. وهذا ما جعلنا نتصور أن تمويل الفيلم الفلسطيني سيكون أسهل وأسرع. لكن العكس صحيح. فالموضوع يتعقد يوماً بعد يوم أوروبياً نظراً لضآلة المال المرصود للأفلام المستقلة. وكذلك عربياً بسبب التطبيع، وعدم قبولنا كصانعي أفلام بتمويل من دول مُطبّعة. وأيضاً قلة الموارد عربياً، حيث الوطن العربي جميعه يعتمد على صندوقين يشكلان متنفساً للمخرجين في الوطن العربي. رغم هذه الصورة الضبابية فصنّاع السينما الفلسطينية يحاولون بكل وسيلة إنتاج أفلام تثبّت الرواية الفلسطينية. أفلام تحكي عن الشعب الفلسطيني بمهنية ومعاصرة، وهذا ما شاهدناه سنة 2020 مع إصدار فيلم «غزّة مون آمور» للأخوين طرزان، وأيضاً فيلم «200 متر» لأمين نايفة. وهذا يحدث مع مقاضاة محمد بكري، ومع التطبيع العربي. فالسينما سلاح مهم للشعب الفلسطيني كي يُثبّت قصته وروايته، وهذا ما سنستمر عليه. كسينمائية أقول إننا سنستمر في عرض تلك الأفلام وخاصة «جنين جنين» رغماً عن أنف المحكمة العسكرية الاحتلالية الإسرائيلية. وسوف نستمر بالهتاف أننا مع محمد بكري، فالحكم ليس ضده كشخص، بل حكم ضد كل فنان سينمائي مُثقف فلسطيني أو عربي أو من أي دولة من العالم، يقول بأنه ضد الاحتلال الإسرائيلي. نقف مع محمد بكري لأننا ضد تكميم الأفواه بحق أي إنسان حر في هذا العالم.

محمود غندور: للأفلام الرومانسية والكوميدية دورها بجذب الجمهور

وقال الناقد السينمائي اللبناني محمود غندور رداً على السؤال الأول: إنه لمن المستغرب ولكن المتوقع، في زمن المصالحات والمهادنات والتطبيع وإدعاءات المساكنة، أن يتم الحكم على عمل فنيّ وثائقيّ يؤرشف مرحلة من التاريخ المعاصر. فيلم محمد بكري الجميل والقاسي ليس روائياً ولا خيالياً. هو فقط نقل مرحلة حقيقية وقعت فعلاً وصوّرها.
إسرائيل تعودت على ان تكون هي، من خلال سيطرتها على الميديا العالمية ومن يصدر الخبر، يحوّله ويحوّره لمصلحته. التطبيع العربي الحديث، والذي يدّعي بأنه مناصر للقضية الفلسطينية، لن يكون مؤثراً ولا راغباً في التأثير على الخبر العالمي. لكن وإن أراد لن يمكنه ذلك إلا إذا استطاع أن يسيطر ولو قليلاً على الرأي العام العالمي، ولكنني لا أظن بأن هذا سيحدث أو يُسمح له. الإعلام هو قوة هذا العصر وإسرائيل تسيطر عليه تماماً، والتطبيع لن يؤثر في هذا الواقع أبداً.
ورداً على السؤال الثاني قال محمود غندور: بعد سنوات قليلة من النكبة بدأت بعض الأعمال المناصرة للقضية الفلسطينية بالظهور على أيدٍ أوروبية في البداية، ومن ثمّ بأيدٍ عربية وفلسطينية. ولكن تلك الأعمال لم تر الانتشار المطلوب ولا وجدت جمهوراً كافياً ليساعدها على ذلك، طبعاً بسبب القمع والتعتيم والظلم. حتى اليوم، ومع بعض الأعمال التي استطاعت إحداث خروقات في الجدار الصلب، ما زالت الأعمال بحاجة لدعم جماهيري يمكنه التأثير على الرأي العام العالمي. في رأيي، يجب على مواضيع الأفلام أن تتغير عبر الابتعاد عن المباشرة والخطابية. سيطرت الحركة الصهيونية على الإعلام العالمي عبر الاستعطاف والكوميديا الرومانسية، ذات الرسائل المبطنة، وحتى بأفلام الخيال العلمي، برسائل مموهة لكنها جاذبة وجذّابة. يمكننا اظهار البطش والظلم الصهيوني بطرق عديدة غير مباشرة تستقطب الجماهير للترفيه، ولكن تزرع في أدمغتهم أفكارنا وواقع القضية.

نجا اشقر: دور السينما الفلسطينية يتنامى مع تسارع التطبيع

نجا اشقر مدير «نادي لكل الناس» في لبنان قال بصدد الحكم على محمد بكري: يأتي التطبيع العربي المتسارع مؤخراً في إطار خطة ممنهجة لكسر المقاطعة العربية للكيان الصهيوني. والحكم الذي صدر بحق فيلم «جنين جنين» ومخرجه محمد بكري من محاكم الكيان الصهيوني أتى في سياق تسارع التطبيع مع الخليج العربي. أعتقد أن المخرجين كما محمد بكري وغيره من الفنانين في فلسطين الـ48 يقفون في المواجهة الأولى، ليس الآن إنما منذ النكبة في سنة 1948. وهم يشكلون خط الدفاع الأول بمواجهة التطبيع رغم الإشاعات والمواقف من هؤلاء الفنانين والمخرجين كما محمد بكري الذين أعطوا أمثولة في الصمود ونحن نشأنا على تاريخهم ونضالاتهم، وإنتاجهم السينمائي. وكذلك غيرهم من الفنانين ممن قدموا الأعمال الأدبية والموسيقية لنا كأجيال على صعيد لبنان والمنطقة العربية. هذا الحكم بحق بكري أتى ضمن سياق الواقع العربي اللاهث نحو التطبيع. إنما نحن نراه من ضمن المواجهة المستمرة من الاستيطان الاحتلالي لفلسطين.
ورداً على السؤال الثاني قال نجا أشقر: ما قدمه المخرجون ميشيل خليفي، ومصطفى أبو علي، وهاني أبو أسعد، وإيليا سليمان، ونزار حسن، ونجوى النجّار، وآن ماري جاسر، والمخرجة الفلسطينية اللبنانية مي مصري، وعامر الشوملي وغيرهم الكثير، يعرفه العالم. عرض أفلام هؤلاء المخرجين في أكبر المهرجانات الدولية شكّل ويشكل خدمة كبيرة للقضية الفلسطينية. انه صوت الثقافة الذي يمكن وصوله لكافة أنحاء العالم. تماماً كما وصل صوت إدوارد سعيد ومحمود درويش وسميح القاسم وكثر غيرهم. صوت الشعب الفلسطيني على صعيد الثقافة كان ولا يزال عالياً، وبلغ كافة المحافل الدولية. وفي هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها القضية الفلسطينية، يتنامى بالتأكيد دور السينما التي يفترض أن تجد الدعم الإنتاجي والتمويل من قبل السلطة الفلسطينية وكافة المتمولين المؤمنين بالقضية. ونحن نرى ما حققه فيلم «200 متر» لأمين نايفة من نجاح عربي وعالمي. وهو مرشح الآن من قبل وزارة الثقافة الأردنية لجوائز الأوسكار. وهذا ما يؤكد قدرة السينما في التعبير ومن خلال قصة إنسانية مهما كانت بسيطة. فأمين نايفة يحكي في فيلمه «200 متر» عن الـ200 متر التي تفصل بيته عن جدار الفصل العنصري بأسلوب مشوق جداً. المخرجون الشباب من الجيل الفلسطيني الجديد يعبّرون بشفافية كبيرة ويتابعون سيرة المخضرمين الذين سبقوهم. وجاء فيلم «200 متر» ليقول للعالم مدى المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني بسبب الاحتلال، ومن ثم جدار الفصل العنصري الذي ضاعف المعاناة. القضايا الإنسانية مهما كان حجمها مهم جداً أن يسلط الضوء عليها لتصل إلى العالم أجمع. فمن شأنها أن توصل الفكرة أكثر من سواها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية