نضال الأحمدية في الموقع الذي تستحق… لماذا صباح السالم بالتحديد… والكاريزما العظمى لسبهان آدم

حجم الخط
4

بدا المذيع الصفيق، مُستجوِب الممثلة السورية صباح السالم في مقابلة جديدة، كمن يحمل تابوتاً، كذاك التابوت الذي حمله زميله أمجد طعمة إلى مبدعين في زيارة للشاعر محمد الماغوط العام 2005 . حينها سألَ المذيعُ الشاعرَ عبدالمعطي حجازي: «هل أنت هنا لتأبين مبكر للماغوط؟» وما لبث أن انتقل إلى محمود درويش ليسأله عن موته، وحينها أجابه الشاعر الراحل: «ما لك تحمل تابوتا!».
«صباح السالم قصة انتهت وخلصت؟ نحطّ نقطة عالسطر؟» هذا أول أسئلته، وقد تلاه سؤال: « قديش صار عمرك هلق؟ هل هناك بدايات جديدة بحياة الإنسان في عمر الرابعة والستين؟» إلى سؤال «الإنسان بس يطلع من السجن قدران يقدم فن؟» « إذا بعتولك ورق راح تعرفي تمثّلي؟ لسه بتملكي أدوات الممثل؟» «أنا متوقع دق باب إنسانة تعيسة».
«إذا كان قصدك التجربة اللي مريت فيها، فأنا بديت من جديد». قالت صباح، وحسمتْ: «أكيد. الإنسان قادر دايماً ما دام عقله صاحي وقادر على التفكير».

أسئلة تفترض أن الحيف نادر في سوريا الأسد. ولا كأن الناس اعتقلوا سنوات طويلة بسبب كلمة، وأحياناً من دونها. اعتقلوا، زجّوا في عتمة الأقبية اعتباطاً كي يكونوا درساً لسوريي تلك الأيام، كما لسوريي المستقبل.

كلّ همّ المذيع كان العودة إلى تجربة السجن التي تعرضت لها الفنانة ودمرتها. واضح أنها اشترطت عدم الخوض فيها في تلك المقابلة، لكن لا يبدو أن لدى المذيع محوراً آخر. اختصرت هي القول بأنه جرى توريطها بسبب «وساخة الآخرين» وفي مقابلة صحافية سابقة قالت بوضوح أن التوريط جاء في ضوء كشفها لفساد كبير في مؤسسة دوائية سورية عملتْ فيها بحكم شهادتها وخبرتها في الصيدلة، وهو اختصر كل ما يريد بوضعية المحقق: «من علّمك التعاطي؟».
بدا وكأن المذيع يحاول حشر ضيفته، حتى في طريقه المجابهة غير المريحة؛ شرطه أن يجلس هو بشكل جانبي، فيما تجلس هي في مواجهة الكاميرا، وكلما حاولت النظر إلى محدّثها إلى جانبها، لأن العين مغرفة الحكي، كما قالت، بدا وكأنه يضربها على يدها: «عينك على الكاميرا»! أما كان أفضل أن تتحرر أنت وضيوفك من هذه الوضعية، وتترك للكاميرا أن تتحرك كيفما تشاء!
يحاول المذيع حشرها بسؤال مشكك، عندما تحدثت عن مؤامرة توريطها: «لماذا أنتِ تحديداً؟». صباح قالت جوابها، لكنه سؤال يتجاهل ظلماً يومياً يقع على السوريين، سؤال يفترض أن الحيف نادر في سوريا الأسد. ولا كأن الناس اعتقلوا سنوات طويلة بسبب كلمة، وأحياناً من دونها. اعتقلوا، زجّوا في عتمة الأقبية اعتباطاً كي يكونوا درساً لسوريي تلك الأيام، كما لسوريي المستقبل. ما من سوري، أدرك ذلك أم لم يدرك، لم يقع عليه ظلم من حكم نظام الأسد، وإن صحّ السؤال فقد يكون الأصح «لماذا السوريون؟ لماذا سوريا بالتحديد؟!».
مقابلة تتركك بين الحزن والغضب، الحزن على المصير الذي ألقيت إليه فنانة عذبة، مهما كان حجم مسؤوليتها في ما وصلت إليه، والغضب من إعلام لا يستطيع أن يرى في ضيوفه من السوريين إلا مدانين، متهمين، متورطين، وكأن إعلام النظام السوري قد تحوّل كلّه إلى برنامج «الشرطة في خدمة الشعب» وكأن كل مذيعيه تحولوا إلى علاء الدين الأيوبي.

نضال الأحمدية

تصوّر لو أن نضال الأحمدية، الإعلامية اللبنانية الصفراء، بثت فيديو تعلن فيه تأييدها للاجئين السوريين ولحقوقهم في اللجوء والعمل والتعليم وخلافه! كيف كان السوريون المعارضون للنظام في بلدهم، العارفون منهم خصوصاً بما تعنيه الأحمدية من إعلامية فضائح، لا تتورع عن الخوض في تفاصيل الحياة الشخصية للفنانين وغيرهم، وعن الاعتداء على كراماتهم على صفحات مجلتها، محمية بقوة يمكن لنا جميعاً أن نتوقع من تكون، كيف كان هؤلاء سيتصرفون إزاء فيديو كريم كذاك الفيديو المتخيل؟
نحسب أنه سيكون محرجاً جداً لهم أن تناصر قضيّتهم، لن يكون مفهوما أن يناصر أمثالها قضية عادلة، لذلك فإن نيلها المستمر من اللاجئين السوريين، بكلام عنصري بغيض، ليس سوى استمرار لدورها في الاعتداء على كرامة الآخرين. إنها، وتصريحاتها، تماماً في المكان الذي تستحق.

كاريزما سبهان آدم

«مش حتقدر تغمض عينيك» هذه المرة ليس مع هيفاء وهبي، بل مع الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم.
معايدة سبهان لجمهوره على مواقع التواصل الاجتماعي كانت بفيديو أرفقه بعنوان «سبهان آدم (أبو هدلة): الكاريزما خاصتي أمام المجتمع».
فيديو متعوب عليه، لا بدّ أن سبهان استأجر له مصوراً محترفاً مختصاً بتصوير «الأنا». سيظهر أبو هدلة عازفاً على البيانو مع نظارات شمسية معتمة للغاية برغم الإضاءة الخافتة والشموع. جو رومانسي مموسق، أحب سبهان من خلاله أن يقول كلمتين يختمهما بدرس عظيم في فلسفة نجاحه.
قال الفنان «مهم أن يكون الإنسان نرجسياً. أنا عاشق للذات تبعي. عاشق للغتي». وأضاف في قفزة غير مفهومة: «عندي بنطال بلون واحد لأكثر من عشرين عاماً، مئتين إلى ثلاثمئة نسخة. كذلك الحذاء الذي أرتدي نفس النسخة منه لأكثر من اثني عشر عاماً» لكنه استدرك أن الحذاء انكليزي.
وتابع يقول: «عندي حصانة لنرجسيتي. لي مملكة خاصة». ليصل من خلال هذا القول إلى إعلان تعاليه على عموم الناس. مفهوم أن يرفض أن يكون بين المصفقين والمطبلين كما يقول، ولو أن تطبيله لبشار الأسد، بطريقة أو بأخرى، لا يخفى، لكن لا نفهم عبارته بالغة الغرور: «هل تتوقع أن يقف سبهان آدم أمام مؤسسة الكهرباء يدفع الفاتورة»! يشبه أبو هدلة في قوله هذا ذلك المشار إليه في الأمثال «عديم، ووقع بسلة تين». من قال لك إن العظمة هي ألا تقف لتدفع فاتورة! ألم تر زعماء العالم الأكثر عظمة ونبلاً وتواضعاً وهم يقفون ويعيشون بين البشر في المواصلات العامة، وعلى الدراجات الهوائية، مع اللاجئين، في أكثر الأماكن بؤساً، رغم قدرتهم على السير في مواكب عظيمة!

إن كان هنالك من درس يجب أن تتعلمه «أنا» الفنان سبهان آدم فهو أن تكفّ عن الكلام، والذهاب إلى المرسم، فليس سواه مصحّ.

في آخر خطابه يصل أبو هدلة إلى كلام يمكن وصفه بالقذافيّ المحض: «كويّس أنه عندك نوع من الرطانة، أسميها رطانة لها علاقة براديكاليتي العظمى، (على غرار) الولايات المتحدة العظمى، الاتحاد السوفياتي العظمى، بيزنطة، رومانيا العظمى.. فأنا أعتبر سبهان آدم العظمى، كما أرى نفسي». كلام، هو أي كلام، إن لم نقل إنه كلام معتوه، ولا جدوى من ملاحقته على الحرف، مع أن سبهان «عاشقٌ للغته» ويحرّض المرء على تدقيق لغوي صارم.
الأمثولة التي أراد أبو هدلة الوصول إليها في ختام الفيديو تتعلق بدرس مستقى من المسلسل الكرتوني «توم وجيري». قال إن فلسفة النجاح، ودرسه الأعظم أخذه من هناك، عندما يضع القطُّ بين جفنيه عود ثقاب كي يجبر نفسه على البقاء يقظاً. الرجل أراد أن يقول «هذا هو سبهان الذي لا ينام ولا يهدأ».
هذا هو المعنى الحرفي لـ «مش ح تقدر تغمض عينيك»، أنت يقظ لا من العجب وحده، بل أيضاً بسبب عود الثقاب، الذي ينصح سبهان بالاحتفال به ووضعه في «برواظ».
ما ورد في الفيديو كلام مختلّ ومريض، وإن كان من درس يجب أن تتعلمه «أنا» الفنان فهو أن تكفّ عن الكلام، والذهاب إلى المرسم، فليس سواه مصحّ.

٭ كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية