مع نهاية المواسم السينمائية تقدم شركات الإنتاج كشف حساب للأفلام الصاعدة والهابطة في بورصة الإيرادات، والدخول الاقتصادية على مدار السنة، فإذا حالف الحظ بعض الأفلام، فهي عينات ممتازة لصناعة متقدمة تحقق الأرباح، وتضيف للرصيد الفني مُصنفاً جديداً بمستوى إبداعي راق ومختلف، وإذا تعسر تسويق الفيلم وتراجع معدل إيراداته في شباك التذاكر في دور العرض، فإن الحُجة تكون جاهزة لدى صُناعه، حيث يتم تبرير الخسارة بانتماء الفيلم لسينما المهرجانات.
وهذا التصنيف يوحي بوجود سوء فهم بين الجمهور واللغة السينمائية الراقية، باعتبار أفلام المهرجانات المزعومة ناطقة بلغة أخرى يستعصي فهمها على العامة من الناس، فتكون النتيجة تراجع الأرباح بشكل مُزعج ومخيف، وحسب هذا الاعتقاد الخاطئ يتم تحديد مواصفات وأطر للفيلم التجاري، تختلف عن ذلك النمط السائد في أفلام المهرجانات، التي يعزف عنها الجمهور لصعوبة استيعابها، وبناءً عليه ووفق القاعدة المغلوطة، بات مُصطلح سينما المهرجانات مبرراً للتعالي على الجمهور، وفي الوقت نفسه ذريعة تُعطي للمخرج العاطل عن الموهبة الحق في الدفع بأسباب غير حقيقة لإلقاء المسؤولية على الغير، حتى لا يُتهم هو وبقية صُناع الفيلم بالعجز عن تحقيق المعادلة الصعبة بالجمع بين القيمة الفنية والمطلب الجماهيري.
وتتكرر الحالات والمقارنات بين الأفلام الناجحة تجارياً، وغيرها من الأفلام المنسوبة للمهرجانات، علماً بأنه لا يوجد فعلياً على الخريطة السينمائية ما يُسمى بسينما المهرجانات، غير أن التسمية جاءت كما ذكرنا لتبرير الخسارة الإنتاجية، وهو تبرير محلي، ويخص فقط السينما المصرية، لأن هناك المئات من الأفلام العالمية الحاصلة على جوائز الأوسكار نجحت تجارياً وحصدت ملايين الدولارات كناتج للأرباح، وهو أمر يسمح بالطعن في ذلك التصنيف الساذج للنوع السينمائي الاستثنائي الخاص الموعود بالخسارة والفقر الاقتصادي المُدقع. ولكي تتضح الصورة أكثر فلابد من إعطاء أمثله لبعض الأفلام التي جرى تعريفها على هذا النحو، لإعفاء أصحابها من الحرج وتخفيف وطأة الخسارة المالية عنهم، ومن بينها فيلم «البداية» للمخرج صلاح أبو سيف رائد الواقعية وأحد كبار المخرجين في السينما المصرية والعربية، فعلى قدر التميز الكبير للفيلم إلا أن الجمهور لم يرحب به كترحيبه ببقية أفلام المخرج الأخرى، كـ»بداية ونهاية» و«الفتوة» و«القاهرة 30» و«شباب امرأة» و«المواطن مصري» وغيرها، ليس لأن أبو سيف فقد قدرته على التعبير، أو أنه فرط في بعض أدواته، ولكن لأنه ذهب لمنطقة غامضة لم ترق للجمهور، الذي تعود على الخلطة السحرية في مكونات السينما التي اعتادها من مخرجه المُفضل.
وعلى الرغم من وجود مشكلات في عملية التفلسف السينمائي إلا أن هناك من نجا من مُعضلة انقطاع الصلة بينه وبين الجمهور، واستطاع أن يحقق بالفعل المعادلة الصعبة بشروطه، من دون التنازل عن أفكاره أو الخضوع القسري للذوق الجماهيري العام.
وقد حدث ذلك في بعض أفلام يوسف شاهين كـ«حدوتة مصرية» و«اليوم السادس» و«إسكندرية ليه» و«إسكندرية كمان وكمان» و«إسكندرية نيو يورك» حيث لم تجد الجماهير ما تشتهيه وما يُعبر عنها، وما يشابه فيلم «باب الحديد» أو فيلم «الأرض» اللذين ناقشا واقعاً حياً، وتكلما بلسان فصيح عن مشكلاتهم وحياتهم. ولما استمر شاهين في طرح قضايا بعيدة عن الهموم القريبة للمواطن المصري في فيلميه «المصير» و«المهاجر» كاد أن يفقد القاعدة العريضة من محبيه والمؤيدين له، لولا أنه عاد فختم حياته بفيلم «هي فوضى» فاسترد مكانته وحافظ على شعبيته إلى أن رحل، وما حدث له حدث لتلميذه النجيب يسري نصر الله، الذي اعتمد أسلوبه نفسه في بعض أفلامه، كـ»سرقات صيفية» و«مرسيدس» ولولا حرصه على عمل التوازن المطلوب، لكان الآن مُنفصلاً تماماً عن الجمهور، لكنه فطن لهذه الإشكالية، وقدّم أفلاما اقترب فيها من وعي المواطن العادي، فحدث التواصل المرجو، من خلال مجموعة جد متميزة كفيلم «بعد الموقعة» وفيلم «الماء والخضرة والوجه الحسن» وفيلم «باب الشمس» والأخير بالتحديد تفوق فيه نصر الله على نفسه، رغم أنه راهن فيه على البُعد الثقافي والمعرفي المتراكم لدى الشرائح الجماهيرية الخاصة، عن الواقع الفلسطيني القاسي والحرج في الأراضي المحتلة.
ولعل فيلم «المومياء» للمخرج الأشهر شادي عبد السلام، حدد الأزمة بدقة في ذائقة المُتلقي العادي، الذي لا يميل إلى التركيب في الأطروحات والمفاهيم، ويفضل وضوح الفكرة كشرط للتجاوب معها، فـ»المومياء» وهو أحد أهم مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية لا يزال إلى الآن محل خلاف بالنسبة للبعض من الذين يرون في الأفكار الفلسفية صعوبة في التلقي ونمطاً مغايراً لميولهم ورغباتهم وذوقهم الخاص في الفرجة والمتعة السينمائية.
ومن بين المخرجين الذين عانوا كثيراً من صعوبة الجمع بين الذوق الشعبي والتميز الموضوعي لأفلامه، المخرج توفيق صالح صاحب الأفلام المهمة، «المخدوعون» و«المتمردون» و«درب المهابيل» حيث ظل صالح حريصاً على وجود الخط السياسي المعبر عن وجهة نظره في القضايا التي تشغله، ومن ثم لم يستطع النزول بمفاهيمه وأفكاره إلى المستوى الشعبي الدارج وبقى معروفاً بأنه مخرج النخبة الثقافية. وكذلك يمكن اعتبار رأفت الميهي واحداً من مخرجي أفلام المهرجانات تبعاً للتوصيف المتعارف عليه، فلم يعتنِ الميهي طوال مسيرته الفنية والإبداعية بالمسألة الجماهيرية والشعبية، ولكنه انشغل أكثر بما يُعبر عن أفكاره وما يمكن أن يكون مهماً في الإطار الثقافي السياسي الفانتازي، الذي تحقق في أفلامه، «آنساتي سادتي» و «تفاحة» وغيرها من النوعيات المثيرة للذهن والداعية للتفكير والتساؤل. وقد انتهج المخرج سعيد حامد النهج نفسه في فيلم «الحب في التلاجة» غير أنه لم يستمر كثيراً للمعوقات والصعوبات ذاتها في التواصل مع السواد الأعظم من جمهور القاعدة العريضة.
وعلى الرغم من وجود مشكلات في عملية التفلسف السينمائي إلا أن هناك من نجا من مُعضلة انقطاع الصلة بينه وبين الجمهور، واستطاع أن يحقق بالفعل المعادلة الصعبة بشروطه، من دون التنازل عن أفكاره أو الخضوع القسري للذوق الجماهيري العام، ومن أبرز هؤلاء المخرجان داود عبد السيد وخيري بشارة، فقد قدم كل منهما ما يرضي غروره ويناسب تطلعاته الفكرية، من غير أن يفقد أحداً من جمهور الترسو، فاستطاع عبد السيد أن يطرح أفكاره العميقة في أبسط الثيمات، فلا يمكن على سبيل المثال الخلاف على «الكيتكات» أو «الصعاليك» أو «رسائل البحر» أو «سارق الفرح».
وكذلك الحال بالنسبة لخيري بشارة فهو من أبدع «يوم مر ويوم حلو» و«إشارة مرور» و«آيس كريم في جليم» و«أمريكا شيكا بيكا» وكلها أفلام مُعتبره وقيمه وتحقق المطلوب.
ولم يختلف محمد خان عنهما فهو ابن المدرسة المُعتنية بالقيمة والشكل والمضمون، والمُرتقي بأفلامه إلى أعلى مستويات المنافسة في المهرجانات الدولية والعالمية، «ضربة شمس» و«أحلام هند وكاميليا» و«شقة مصر الجديدة» و«ملك وكتابة» وجميعها نجحت في الجمع بين الذوق الرفيع والمطلب الجماهيري بمقاييس دقيقة واعتبارات إبداعية شديدة الخصوصية في دلالاتها ومعانيها وعلاماتها التجارية غير المُقلدة.
كاتب مصري