الشاعر اللبناني وديع سعادة في مجموعة عاشرة… سرود شعرية لا تعبأ بهاجس التجنيس

حجم الخط
0

 

لنصوص وديع سعادة مذاق خاص، فهو خبير في مزج النص الشعري بنصوص جمالية مختلفة آتية من عوالم السرد الفني أو المصفى النثري، الذي تخلفه نثريات الشعر والرواية والقصص والحكايا الشعرية، التي تتكىء على كتاب الطبيعة والكائنات والبعد الفطن للحكمة الشاعرية النائمة في تفاصيل الكون والوجود والحياة.
تحت ضوء هذا الفن الذي يتقن المزج بين الجماليات الفنية، ينهض العالم الشعري الذي يقيمه سعادة بحرفية واضحة، وبعض من هذا يظهر في ديوانه الجديد «قل للعابر أن يعود نسي هنا ظله» يليه «مَن أخذ النظرة التي تركتها أمام الباب؟». إن هذا الاسلوب المشار إليه اجراء خيالي، ذو نسق استراتيجي فنتازي، أنشأه الشاعر منذ ديوانه الأول «ليس للمساء أخوة» وهو عنوان يحمل إيحاءه الخاص المنتمي إلى البنية التعبيرية ذاتها التي انتهجها الشاعر، لتكون السبيل الذي سوف يُميّزه ويضعه على حدة ضمن مسار الشعر اللبناني.
هذه الرؤيا الموحية التي يعمل عليها سعادة نراها تتحرك إن شئنا الدقة، في نسق ريفي حالم ومواد البناء هي مفردات الحياة القروية في الغالب التي تنهل من منهل طبيعي له صلة بالطبيعة، كونها المنتج الذي يمدّ البنية الشعرية بعوامل التأسيس والهندسة لهذا المعمار الشعري، من أجل أن يقوم البناء المتخيل للقصيدة. من هنا نعثر دون كبير جهد على عيّنات لهذا البناء الذي شاءه الشاعر أن يكون شبه رومانطيقي، حالماً، أليفاً وخصباً، تتخلله مفردات البناء الريفية الوادعة: حطب، ورق أشجار، غابة، حقل، ثمار، نهر، غصون، شجر، حجر، تراب، فراشة، الراعي، الخراف، الذئاب، القبرة، موقد، نسيم ريش… ناهيك عن الرموز والعناصر التي تضفي الدلالة والصفة السيميائية على البنية الشعرية مثل: الرياح، الهبوب، الهواء، الماء، النيران، البحر، التيار، الدخان، الغيوم، المطر… إلى آخر العلامات والمفردات المستلهمة من كتاب الطبيعة.
بيد أن هذه الرؤيا لا تجعل منه شاعراً رومانطيقياً خالصاً، ضمن المفهوم الجامد للمدارس والتيارات الشعرية، كون هذا الشعر يتسم بطابع مغاير، طابع الفانتازيا الخيالية التي تسعى إلى تغيير النسق الريفي بإضفاء السرد الشعري الذي يستند إلى جمال الصورة التي تَميَّز عمله الشعري به، سرد يتضح لقارئه العادي انه نظام حكائي بعيد عن الشعرية، لكن ما أن يتوغل القارئ المتابع والحصيف حتى تتكشف له عملية الحذق الشعري الذي انتجته البراعة الحديثة والحساسية الشعرية الجديدة، تلك التي أحدثتها القصيدة المدوّرة الستينية والسبعينية الموزونة وفق نظام الخليل وقصيدة النثر التي تطورت على نحو كبير منذ هاتين الفترتين وحتى هذه الآونة الزمنية، وأعني هنا القصيدة المتواترة في حركة دائرية متوالية، كالتي يكتبها سعادة في جلّ أعماله الشعرية.
لكن الشاعر الذي يسعى إلى التجديد، تجنبا لتكرار النسق واجتراره في محطاته الفنية العديدة، نراه يتبنى النسق العنقودي المتسلسل أيضاً، على شكل حبّات وسطور قليلة وخفيفة ومحسوبة وغير ممتلئة وسمينة، وتارة نراه يلجأ وبخاصة في هذا الديوان إلى التشذير الشعري الذي يختصر القول بسطر أو سطرين صغيرين ناحلين كقوله: «برقة من يحمل طفلاً، يحاول أن يجعل من ذراعه نسمة» لتنتهي القصيدة في صفحة كاملة، أو: «في عيونه غيوم ويحدّق في الأرض علها تُمطر» صفحة كاملة، وغيرها: «اخفض الصوت أرجوك، أريد أن أسمع السكون ماذا يقول» صفحة كاملة وغيرها: «كيف للسابح أن يصل والبحر يغرق» وأيضاً تستغرق هذه القصيدة صفحة كاملة.
قد يلحظ القارئ في هذه الأبيات الموجزة والمكثفة والمائلة إلى الرشاقة تأثير فن الهايكو الياباني الشعري الذي اجتاح الشعر الأوروبي منذ أكثر من خمسة عقود، وشاع لدينا بدرجة أكثر منذ عقدين. في هذه المجتزءات الهايكوية يعتمد سعادة على حس المفارقة وقلب الصورة النمطية لمعنى الرؤية والقول والصورة أيضاً. أن هذه الصفة التي تعتمد على الموحى الدلالي نجدها تقريباً في مجمل أشعاره التي تقلب السياق المتعارف عليه إلى سياق آخر غير معهود ومعروف، لكي يكون مقنعاً من الوجهة الشعرية الإكزوتيكية، ولكي يكون في النهاية فناً لافتاً يشار اليه بالفرادة.
أما حول ما يستخدمه الشاعر من سرود شعرية فهي حقاً ترتسم بائنة في غير موضع شعري، وخصوصاً في أشعاره المتأخرة مثل «محاولة وصل ضفتين» و»غبار» و»نص الغياب» و»رتق الهواء» وعمله الجديد هذا، فهنا العديد من القصائد التي يطغى عليها هذا النوع من الكتابة المفتوحة المتخلصة من الجنوسة وهاجس التجنيس، كما يتوضح في سياق المسرد الآتي: «دقوا على بابه وقالوا: نحمل لك شفاء مدى الحياة وأبدية أيضاً، لا تغلق الباب، دعنا ندخل ونعطيك الدواء. ما كان يعرف أن شفاءه وخلوده موصولين بغرباء مارين في هذا الشارع. ما كان يعرف أن شفاءه وخلوده رهن طرقة على الباب. في بيتي موتى كثيرون، قال، ومرضى كثيرون. هل يكفي دواؤكم كلّ هؤلاء؟ لم يغلق الباب، كانت في الحوض زهرة فنظر اليها وإلى ورقة يابسة، ينظرون إليه، وينظر، وينظر إلى الورقة والزهرة، يتكلمون والورقة والزهرة صامتتان».
هذا المثال هو خير دالة وبرهان لتوضيح بعض السرود التي تتخلل أي عمل شعري لسعادة، عمل هو خلائط صنعة فنية تماهي الشعر لتدخله في حالة من التنصيص الرمزي، تحمله الرؤى لتكشف في المآل الماهية والسر الذي يدور حوله النص، بطبيعة الحال الرمز كامن في هذا المسرد الشعري، وكذلك الغاية الدلالية التي سعى اليها الشاعر وسط هذا الأكسير، فهي تتبدى في الرؤيا والتجليات التي تتهيأ للشاعر، أو تحاول أن تكون الموحية له، للشاعرالذي يرى أناساً كثيرين يموتون كل يوم ومرضى يتكاثرون كل يوم، فليس له من حل سوى الصمت كصمت الزهرة والورقة والنظر الموحي في هكذا مواقف.
أما الميزة الأخرى التي تكاد تشمل مساحات شاسعة من شعر سعادة فهي موضوعة التيه والغرباء والطرقات والغياب، إنها ثيمة تتمظهر في غير موقع من كل ديوان، إن لم تكن هي الشاغل الأساسي لتفكير الشاعر المغترب منذ سنوات ليست قليلة في أستراليا.
يبدو أن التيه لازمة للشعراء المجروحين بالغياب، شعراء الوجع والرؤيا، شعراء السفر المتوغل في الغموض والمجاهل، الشعراء المطرودين من الجنة، الشعراء الملعونين من الدهماء والسائد والنمطي ومن أرضهم كذلك، الأرض التي جبلتهم من طينة خاصة لتطردهم وتطاردهم حتى في البلاد البعيدة، بلاد المنافي والحيرات، تلك التي تراكم فيها الحنين، الحنين لأصغر تفصيل حياتي، كان ذات يوم جزءاً من حياة الشاعر والفنان، هنا الذكرى تُسترد جارحة كحد السكين في البلاد القصية حيث المطرود ملجأه الرصيف: «النائم على الرصيف يفتح عينيه بين وقت وآخر، يحدّق بي ويتمتم: ألا تعرفني، ألستَ أنا حين كنت أمشي، ألم نعبر الأرض معاً؟ مرات في سهونا عن الأرض».
أما الذكرى فهي تتحول إلى حزمة من الذكريات لدى العابر والغائب والطاعن في المجهول، فهي حطبه ووليمته أيضاً، بها يطرد البرودة عن حياته التي تكاد تتحول إلى شتاء دائم: «لديك ما يكفي من الذكريات، كي يكون معك رفاق على هذا الحجر، اقعد، وسلهم بالقصص، فهم مثلك شاخوا وضجرون، قصّ عليهم حكايات المسافات التي مهما مشت تبقى في مكانها… حدثهم عن العشب الذي له عيون وعن التراب الأعمى، عن الرياح التي كانت تريد أن تقول شيئاً ولم تقل، وعن الفراشة البيضاء التي دقت على بابك في ذلك الشتاء كي تدخل وتتدفّأ».
بينما نراها في مكان آخر، أي الذكرى تسطع بأثاث الطبيعة التي يتقن الحديث عنها الشاعر سعادة، طبيعة لبنان وبلاد الشام، تلك التي تمتد في القلب والروح والجسد وتحيي الحياة وتجددها وتكون منزلتها في الشرايين دون شك، الطبيعة التي شغلت مخيلة الشعراء والفنانين للتجسد فيما بعد، في أعمال جمالية وأدبية كقول الشاعر: «بقليل من الحطب أحيي الآن ذكرى الشجر، ذكرى غابات كثيرة نبتت في ذلك الماضي في رأسي وكنت طيورها وحطابها والمشتعلين في مواقدها، شجر أحاول بقليل من الحطب إحياء ذكراه».
إن الحديث عن وديع سعادة فيه طعم النظرة الأولى إلى الحياة، هذا الشاعر الذي يكاد أن يكون فطرياً جرّاء فعل مخيلته الخام التي لم تلوثها بعد مفاهيم الحداثة وما بعدها، انها مخيلة شاعر أعذر، حبّه العذري كامن في متون غابة ونهر وسرب عصافير محلقة في أفق غامض وبعيد، إنها مخيلة شاعر حطّاب ليس إلا، وأعني حطاب الرموز والمجاز والمعاني الدافئة التي تتمدّد تحت أفق الشاعر.
وديع سعادة: «قل للعابر أن يعود نسي هنا ظله» يليه «مَن أخذ النظرة التي تركتها أمام الباب؟». دار نلسن، بيروت 2012. 127 ص.

هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية