تونس … «ربيع» الثقافة والفن وملتقى السينما العربية والعالمية

حجم الخط
1

تونس – «القدس العربي»:  يفرش السجاد الأحمر قبالة المسرح البلدي التاريخي في قلب العاصمة التونسية ليعلن انطلاق موعد جديد مع السينما التونسية والعربية والأفريقية والعالمية… إنه مهرجان قرطاج أحد أعرق المهرجانات السينمائية في العالم.   
لقد عاشت الخضراء خلال الأسبوع الماضي على وقع أيام قرطاج السينمائية المحببة لدى أبنائها وذلك بحضور  وجوه سياسية وثقافية تونسية وعربية وعالمية على غرار داني كلوفر وصبا مبارك ومنة شلبي وخالد أبو النجا وغيرهم… واللافت خلال الدورة الحالية هو إعلان مديرة المهرجان درة بوشوشة أن هذا اللقاء الفني الهام سيتحول إلى موعد سنوي بعدما كان يعقد كل عامين بالتناوب مع مهرجان أيام قرطاج المسرحية .
وتنافس خلال هذه الدورة حوالي 50 فيلما من 22 دولة عربية وأفريقية ومن شتى أنحاء العالم للفوز بمسابقات الأفلام الروائية الطويلة والوثائقية والروائية القصيرة. ويرأس الناقد اللبناني بيار أبي صعب لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الوثائقية كما يرأس الممثل والسينمائي الأمريكي الشهير داني غلوفر لجنة تحكيم مسابقتي الأفلام الطويلة والقصيرة.

لقد تهافت الشبان والشابات ومحبو الفن السابع من كل الأعمار بنهم لمتابعة أهم العروض التي قدمت في ثماني صالات تونسية وهو ما جعل تذاكر الدخول للعديد من الأفلام تنفد بصورة مبكرة بسبب الاقبال الكثيف. فرغم رمادية المشهد السياسي وعدم وضوحه وصعوبات الانتقال الديمقراطي إلا أن عشق الحياة والفن لم يندثر لدى التونسيين، بل لعله بات سلاحهم النفسي في معركتهم الطويلة ضد الإرهاب.
    
تمبكتو..شجن الطيور

لم تكن صدفة أن يتم اختيار «تمبكتو» للمخرج الموريتاني عبد الرحمان سيساكو لافتتاح الدورة 25 لأيام قرطاج السينمائية.. فالفيلم يختصر أزمات المنطقة التي تحول سكون صحاريها وقفارها إلى ضجيج  مرعب بعد سيطرة الجماعات التكفيرية على المشهد.
هناك.. في «اللامكان».. حيث جمال الطبيعة الأسطوري ينقل الفيلم على مدى ساعتين ملحمة الشمس في بلاد الواحات الساحرة. يتحدث عن تلطخ ذهب الرمال بالدم وكيف استطاعت الجماعات التكفيرية التسلسل إلى المنطقة مستغلة انفلات الوضع بعد تفجر موجات «الربيع العربي». كما تنقل كاميرا المخرج الموريتاني صمود السكان المحليين ودفاعهم المستميت عن عاداتهم وتقاليدهم وارثهم الحضاري المتنوع بوجه هذا المد الداعشي والزحف التكفيري.
يبدأ الفيلم بمشهد غزالة هاربة من رصاص التكفيريين الذين يطاردونها بين الرمال الذهبية للصحراء الكبرى الأفريقية.. وينتهي بمشهد طفلة طوارقية هائمة في الصحراء باحثة عن والديها اللذين تم إعدامهما على يد الجماعات التكفيرية. وفي خضم هذه المشاهد يصور المخرج معاناة أهل تمبكتو في إقليم أزواد المغاربي بعد سيطرة مجموعات تكفيرية متشددة عليها ويعرض عمليات القتل العشوائي والأحكام التي تنفذها هذه الجماعات باسم الدين. فكل الآفات والمشاكل الاجتماعية تلبس حلة الدين وتقدم على انها نوع من أنواع الجهاد. لقد دمرت هذه الجماعة المتشددة مقامات الصالحين ومنعت الموسيقى التمبوكتية الأصيلة والأغاني وسائر الفنون وحرمت كل ما له صلة بالحياة في هذا المجتمع النابض بالحرية. في الفيلم حرب بين عالمين، أحدهما يمثل بساطة الحياة الصحراوية بسكونها وهدوئها السحري، والآخر يمثل عالم الحقد والشر والقتل  الذي جاء به التكفيريون.
ولئن حاز العمل على إعجاب الحضور إلا أن هناك بعض المآخذ التي طالته، لعل أهمها تلك المتعلقة بتجاهله لمعاناة هذه المدينة من المستعمر الفرنسي الذي اضطهد أهلها وضمها بدون أي وجه حق بمعية إقليمها إلى دولة مالي، كما لم يتعرض الفيلم إلى معاناة شعب الطوارق المغاربي من حكومات مالي المتعاقبة التي اضطهدته أيضا وحرمته من التنمية وضيقت عليه سبل العيش. فمعاناة مدينة تمبكتو وإقليم أزواد لم تبدأ مع سيطرة التكفيريين بل تمتد جذورها إلى بدايات الغزو الفرنسي للصحراء الكبرى الأفريقية، وستتواصل مع الجيش المالي الذي سيبسط نفوذه على الإقليم مباشرة بعد مغادرة القوات الفرنسية التي افتكته من أيدي التكفيريين وهذا ما تجاهله مخرج الفيلم.

الحالة الجزائرية

السينما الجزائرية كانت حاضرة بقوة كعادتها في كل موسم سينمائي في تونس. ولعل أبرز الأفلام المعروضة كان  «سطوح» للمخرج الجزائري مرزاق علواش.
هو فيلم نقدي يصور مشاكل المجتمع في بلد المليون شهيد ويذهب بعيدا إلى عالم المهمشين فوق أسطح الجزائر العاصمة، في  أحياء القصبة وباب الواد وبلكور وسيدة أفريقيا، فينقل معاناة يوم مليء بالأحداث فوق أسطح عدد من العمارات القديمة.
أصوات سيارات الشرطة والإسعاف والطائرات المروحية تسمع في كل المشاهد وترافق الأحداث بالتوازي  مع ارتفاع الاذان لاقامة الصلوات الخمس. شقيق يقتل شقيقه في أحد الأسطح بعد أن سلط عليه شخصين أشرفا على تعذيبه إلى حد الموت وتورطا في قتل ثلاثة أنفار كانوا بصدد تصوير الجزائر العاصمة من فوق أحد الأسطح، وأسرة فقيرة نازحة من وهران متكونة من أم وابنة مصابة بالجنون وولد مدمن، تقتل صاحب البيت الذي يقطنونه في سطح عمارة بعد أن طالبهم بالرحيل ثم تلقي بالجثة في البحر بتدبير من صهر القتيل وهو رجل أمن متقاعد، وفتاة شاذة تلقي بنفسها من أعلى سطح العمارة، ومجنون مسجون في سطح من قبل أفراد أسرته ومكبل بالأغلال تحرره فتاة صغيرة من أقربائه من الأسر ويرجح أنه أجهز عليها. وفي سطح آخر يجتمع متطرفون دينيون ولا هم لهم سوى الجهاد.
لعل الرسالة التي اراد المخرج توجيهها هو أنه لا يمكن حل مشكلة الإرهاب وعديد الآفات الأخرى بالوسائل الأمنية بل يجب الذهاب بعيدا نحو معالجة الجذور والأسباب التي تؤدي إليها، وجب إيجاد حل للفقر والتهميش في هذا العالم الخفي فوق أسطح العمارات الواقعة في قلب العاصمة الجزائرية وليس فقط في الأحياء القصديرية والتجمعات السكنية في أطراف المدن الكبرى أو في الأرياف مثلما جرت العادة.
 
الحب والمرأة والتقاليد

في فيلم «فتاة المصنع» يعرض المخرج المصري العالمي محمد خان قصة فتاة شرقية حالمة، تبحث في مجتمع محافظ عن الحب المفقود  لكنها سرعان ما تصطدم بقيود المجتمع المصري الذي لا يختلف عن غيره من المجتمعات العربية المحافظة. «فــــتاة المصنع» من بطــــولة هاني عادل وياسمين رئيس وسلوى خطاب،  حصد على عديد الجوائز في افتتاح مهرجان الفيلم العربي والأفريقي بجنوب السويد. وقد اهدي العمل إلى روح الراحلة سعاد حسني.
هيام شابة تعمل في مصنع لحياكة الملابس وتقع في غرام رئيسها في المصنع. تعيش على وقع اغاني سعاد حسني. تحلم وتحب كغيرها من بنات جيلها لكن سرعان ما يتحول هذا الحب إلى لعنة عليها ومصدرا ليأسها بعد ان  اصطدمت بتقاليد المجتمع الذي يعتبر الحب عارا. وتسري شائعة حملها فتدفعها إلى الانتحار لكن المخرج أراد الانتصار لهذه المرأة فتنجو من الموت لتقرر فتح  صفحة جديدة في حياتها لينهي المخرج المشاهد بابتسامة تعبر عن إرادة الصمود رغم كل القيود. كما يتطرق الفيلم أيضا إلى قضية  فرض الحجاب بالقوة في مجتمعات تنظر إلى المرأة كعورة لا أكثر . 

ولئن كانت القصة التي يعرضها الفيلم كلاسيكية وتتحدث عن شابة من طبقة متواضعة تقع في غرام رئيسها الثري في العمل، إلا ان المؤثرات الصوتية وجمالية المشاهد إضافة إلى اداء الممثلين جعلت من هذا العمل  واحدا من أهم الأفلام التي قدمها خان والتي تصنف ضمن حلقات السينما الواقعية التي انتشرت  خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
 
عالم المهاجرين

ضمن فعاليات تكريم المخرج السوري العالمي عمر اميرالاي في أيام قرطاج السينمائية تم عرض الفيلم الوثائقي»العدو الحميم» الذي يتطرق إلى المشاكل التي يعاني منها المهاجرون في فرنسا ومنها مشكلة اندماج المسلمين.
طوال ساعتين يصور الفيلم الصراع حول الهوية والانتماء للوطن أو لبلد الاغتراب، ومشكلة الدونية التي يتم التعامل بها مع المسلمين في عاصمة الانوار. لكن في النهاية يصل أبطال العمل إلى قناعة مفادها أنهم ينتمون لهذا العالم وأنهم باتوا جزءا منه رغم تباين الهويات والايديولوجيات .
مسألة الإرهاب كانت حاضرة أيضا في «العدو الحميم». فرغم أن العمل يصور فرنسا في ثمانينيات القرن الماضي إلا أن المشاهد والأحداث تبدو معاصرة ووليدة هذا الزمن. في أحد المشاهد يعلق أحد مسلمي فرنسا على القتل الذي ينفذ باسم الدين قائلا:»أول كلمة في القرآن كانت اقرأ وليست اقتل» ليؤكد على الشرخ الواسع بين النص القرآني والفهم الخاطئ له لدى بعض الشباب الذي يتعرض إلى غسيل للدماغ من قبل الجماعات المتطرفة.
 
حُمّى لهشام عيوش

الصراع حول الانتماء لدى مجتمع المهاجرين في فرنسا كان حاضرا أيضا في فيلم «الحمى» لهشام عيوش. اذ يحاول العمل التطرق إلى الحالة النفسية للطفل بنجمان الذي ولد لأب مسلم وأم فرنسية من ديانة مختلفة. ينشأ الولد في كنف أمه ثم يجد نفسه فجأة وجها لوجه أمام عالم جديد لا يعرفه وأمام تقاليد المجتمع المسلم الذي ينتمي له والده، إذ أنه وبعد سجن والدته ينتقل إلى العيش مع والده المغاربي.
من هنا ينحت الفيلم ملامح جيل كامل تربى تائها بين مجتمعين وعالمين ويبرز الصعوبات والمشاكل الاجتماعية والنفسية العديدة التي تنجم عن هذا الاختلاط فما أصعب ان يشعر الابن ( ديدي ميشون) بالغربة عن والده ( سليمان دازي)؟ لكن مع توالي المشاهد وتتابع الأحداث نجد ان بنجامين لم يجد نقاط الالتقاء مع والده بل كانت المسافات تبعد أكثر فأكثر فيعبر عن مشاعره المتناقضة بالتمرد على كل شيء. ولئن عبرت الألوان القاتمة عن سريالية الواقع ورمادية مجتمع المهمشين في فرنسا، إلا أن الأداء التمثيلي المقنع للممثلين يجعل المشاهد يعيش لحظة بلحظة مع أبطال العمل ويخرج من بهو الصالة حاملا بعضا من أحزان هؤلاء التائهين ويلاحقه تردد الصدى عن أجيال نحتتها الغربة وكونت شخصيتها رغما عنها.

التحدي والنجاح

وبخلاف بنجامين فإن بطلة فيلم المخرج الجزائري بوعلام كرجو «دنبي رأسها عال» والتي أطلق عليها إسم «آية» نجحت في الإندماج مع عالمها الجديد. هي إبنه لأبوين مهاجرين من مالي، تجد نفسها يتيمة في باريس بعد أن توفي والدها بمعية شقيقها الصغير بعد أن احترق بيتهم. تناضل والدتها من أجل تربيتها وتربية أخيها، تتركهم أحيانا فرادى في البيت للعمل الليلي ولتحصيل لقمة العيش. حياة قاسية جدا في فرنسا بعيدا عن الأهل في ربوع القارة السمراء.
الأم لديها حلم يتمثل في نيل تعويض من شركة التأمين عن الحريق الذي تسبب في وفاة الزوج والإبن وتصر على كسب القضية رغم خسارتها في الطور الإبتدائي ورغم نقض الحكم الإستئنافي الذي أنصفها من قبل محكمة النقض وتنجح في الختام في رد الإعتبار لزوجها وليس حبا في المال كما تقول. كانت ابنتها تدفعها إلى اليأس في كل طور من أطوار التقاضي لكن تصر رغم كل شيء.
أما الفتاة فتحديها أكبر، فقد عشقت رياضة الملاكمة وأعطتها وقتها وجهدها وهو ما تسبب في فشلها الدراسي لكنها في النهاية وصلت إلى أعلى المراتب بعد أن آمن مدربها الفرنسي وصديقها المهاجر المغاربي «علي» بقدراتها. لقد أصبحت بطلة فرنسا في هذه الرياضة وأصبحت مصدر فخر للفرنسيين بعد وصولها إلى العالمية في نيودلهي، كانت تصب جام غضبها وما عانته من عقد ورواسب نفسية في الرياضة التي مكنتها من التصعيد وتحقيق التوازن النفسي.
لكن آية تتعرض إلى إصابة تجعلها غير قادرة على مواصلة مسيرتها الرياضية فتذهب باحثة عن آفاق جديدة، أرادت أن تكمل دراستها في المدارس الخاصة وتحقيق نجاحات جديدة رغم كل شيء، رغم العيش في بيئة مختلفة والعنصرية ورغم فقدان اللقب الرياضي العالمي، إنه التحدي في أبهى مظاهره.
ويختتم الفيلم بصور من مالي، بعودة إلى الأصول حيث تذهب العائلة في زيارة إلى الأقرباء في الفيافي والقفار الأفريقية، وهي رسالة من المخرج الجزائري المهاجر بأن الإنسان مهما حقق من النجاحات في بلد المهجر ومهما بلغت منزلته عليه أن لا يتنكر لأصوله وأن يظل وفيا إلى تلك الجذور.
لقد كانت الجزائر هي الحاضر الغائب في هذا الفيلم فلم تكن فيافي مالي وقفارها سوى إشارة لبلاد القبائل وجبال الأوراس. يستشعر المشاهد حنين بوعلام إلى وطنه وتعلقه به ورغبته في العودة إليه والشعور بدفئه كلما سنحت الفرصة لذلك.

انتظارات

المخرج السينمائي التونسي إبراهيم اللطيف صرح بأن هذه الدورة كانت ناجحة بكل المقاييس ورأى أن إقبال الجمهور الكثيف هو بحد ذاته نجاح للمهرجان.
وقال في حديث لـ «القدس العربي» «أنا من رواد المهرجان منذ أكثر من 25 سنة وهو ناجح بجمهوره. فأرقام الحضور كانت خيالية ويساوي جمهور الصالات في أسبوع فقط ما يعادل جمهور القاعات التجارية لمدة سنة». ويرى اللطيف أن أهمية الدورة تكمن في مجيئها بعد نجاح انتخابات 2014 وهذا ما يفسر بأن الأجواء كانت احتفالية.
ورغم النجاح فإن هناك عديد الاشكالات التي تواجه صناعة السينما وتطورها في تونس وفي هذا الإطار أوضح اللطيف قائلا: «صحيح لدينا قاعات مجهزة بالتقنيات الحديثة لكنها لا تكفي لإنجاح سينما على طول العام، كما أنه كان من المفروض أن يتم افتتاح الدورة في صالة سينما وليس في قاعة مسرح. هناك العديد من المشاكل العالقة لكنها ليست وليدة السنة بل هي نتاج سنوات من غياب الإرادة السياسية بتطوير كل ما يخص الثقافة بشكل عام وما يخص السينما بشكل خاص». واعتبر «البرمجة كانت جيدة لهذا العالم وأن الفيلم الجزائري»الوهراني»حاز على الاهتمام الأكبر وأيضا الفيلم التونسي للمخرج نصر الدين السهيلي كان من الأفلام المهمة التي عرضت. كما ان برمجة الأفلام القصيرة كانت أيضا جيدة». وفي هذا الإطار اعتبر اللطيف أن السينما التونسية رائدة عربيا ومتوسطيا في الأفلام القصيرة، كما أشار إلى الأفلام غير التجارية العالمية التي عرضت على غرار الفيلم التشيلي والكندي معتبرا أن ما يميز أيام قرطاج السينمائية هو انفتاحها على سينما العالم.
 لقد مثل هذا المهرجان الذي تنظــــمه وزارة الثقافة التونسية منذ انطلاقه سنة 1966 والذي تلبس بمناسبته العاصمة التونسية حلة جميلة جسرا للانفتاح على سينما العالم  ولعب دورا هاما في التعريف بقضايا المنطقة.

 
 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية