هؤلاء الشياطين غيروا قواعد اللعب، فقد كان كل شيء واضحاً ومنظماً ومتناسقاً قبل مجيء كورونا، فالحكومة دفعت وهم ساعدوها. من أراد اعتبر ذلك نموذجاً لليبرالية متعددة الثقافات، ومن غضب من ذلك عض على شفتيه، لكنه عرف أنها معركة خاسرة إذ لا يمكن لدولة يهودية أن تحطم الروح اليهودية. الشخصيات الملتحية مع الشعر المسترسل والمعطف الطويل، صورة اليهودي الكلاسيكي في الكاريكاتورات اللاسامية، ترمز في إسرائيل إلى جوهر اليهودية المتعمقة في الدين والمتحدث بلغة الإيديش، وإلى ذريعة إقامة دولة اليهود. وقد كان للأصوليين دور مهم آخر؛ فقد منحوا لليهودية العلمانية والشرقية ما يسمى بـ “الصهيونية الدينية”، ومكانة اليهودية التقدمية، الليبرالية، التي تحب العلم والمعرفة، يهودية القوة والعظمة العسكرية، يهودية “لن يتكرر مرة أخرى” و”هكذا فقط”، يهودية المستوطنات والتلال، يهودية “الدماغ اليهودي” الذي يفوز بجوائز نوبل والمنتج العالمي للهايتيك. الغيتو الأصولي لعب دور المتحف اليهودي، دور “القربان” و”الكارثة أمام البطولة”، “الدائم أمام الآني”.
هؤلاء الشياطين غيروا القواعد، يقول العلمانيون. لو ظل الأصوليون منشغلين بتعلم التوراة وبقوا في المدارس الدينية يحذرون من عدم الاعتراف بالدولة الصهيونية، لكنهم يخضعون للسلطة، فما كان صبر الجمهور اليهودي الإسرائيلي لينفد، ولكان مستعداً لمواصلة الدفع من أجل صيانة هذه المحمية. ولكنهم دخلوا بزخم إلى السياسة، وحولوا أنفسهم إلى قوة فظيعة لا تستطيع الحكومات أن تتشكل بدونها، وأخذوا من الخزينة الكثير، بما يتجاوز نصيبهم، وفرضوا نمط حياة “يهودياً” على الدولة، وقد أصبحوا مواطنين في دولة لا يعترفون بها، دولة تعدّ الضرائب والخدمة العسكرية فيها هي أسس المواطنة واختبار للمساواة في تحمل العبء. وقد حصلوا على تصريح للتهرب من الأمرين، إذا لم يكن بشكل قانوني فبشكل فعلي. المفارقة هي أن أحد القطاعات الأكثر فقراً في الدولة يمسك بيديه القوة السياسية الأكثر قوة، وصلاحيات تنفيذية ضخمة تمسكها أيدي ممثليه الذين يشغلون وظائف وزراء ونواب وزراء. هم غير مذنبين بمكانتهم الاستثنائية، وحتى غير مذنبين في استغلالها. كان هذا هو الاتفاق. فجأة، يعتبرونهم تهديداً وجودياً، فهم لا ينفذون التعليمات، بل ويفتحون مدارس التوراة والمدارس الدينية خلافاً للتعليمات، ويرشقون الحجارة ويضربون رجال الشرطة ويحرقون الحافلات، ويبدو أنهم هم الذين يعدون كل إسرائيل بكورونا، ويهددون قدرة الحكومة على أداء دورها، ويشكلون تهديداً على مبدأ المساواة أمام القانون وعلى وسيادة دولة إسرائيل على كل حدودها.
تحولوا من يهودية مسكينة إلى يهودية فظة وعنيفة. وكأن إسرائيل بدون الأصوليين ستكون دولة ديمقراطية نموذجية ورمزاً للمساواة وسلطة القانون والفضيلة. والأخطر من ذلك: يقترح ليبراليون إسرائيليون تقليدهم وتبني تمردهم وتصميمهم، ويظهرون للسلطة ماذا يعني أن تكون أقلية مضطهدة.
في المقابل، يقترح ديمقراطيون متطرفون ضربهم على رؤوسهم وتعليمهم درساً وزيادة قوة الحكومة أمام المشاغبين وإلقاء المسؤولية عن ذلك على رأس الحكومة وعلى الحكومة كلها. هكذا أصبح الأصوليون هم من يحددون الديمقراطية الإسرائيلية وأمسوا فاحصي حوكمة الحكومة. يوجهون إليهم الآن معظم الاتهامات: الأصوليون هم الذين يحددون إذا كانت إسرائيل قد فشلت في اجتثاث الوباء، وهم من يقررون إذا ما كان رئيس الحكومة سينجح في حمل راية الانتصار على الوباء، وهم الذين يحسمون إذا كان مئات آلاف العاطلين سيعودون إلى العمل، وهم الذين يدفعون من يحرصون على حقوق الإنسان إلى الدفاع عن رجال شرطة عنيفين. يبدو أنه لم يعد من المهم لهم إذا كانوا سيخدمون في الجيش، أو يخرجون للعمل، أو يدرسون المواضيع الأساسية، فالمهم أن لا يصيبوا أحداً بالعدوى، وليواصلوا كونهم الآخر النهائي للإسرائيلية التي تحافظ على القانون، المتنورة والصحية، والتي بنت دولة مثالية بخصم الأصوليين منها.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 27/1/2021