صدر مؤخرا للقاص رضوان إيار كتابه القصصي المعنون بـ«.. وماذا لودقوا جدران الخزان؟» الذي يحتوي على قصص قصيرة، تتخلق وتشتغل على هوامش تقبع خلف التاريخ واليومي. لهذا أتت هذه المحبوكات القصصية ساخنة، باعتبارها تسوق اليومي والسياسي منه، في استحضار للحظات بارقة من التاريخ السياسي الفلسطيني الذي يهم جميع العرب، بل الإنسان بشكل عام. مثل استحضار القائد ياسر عرفات في منام السارد، وهو يتبادل معه الرسائل، بواسطة تراسل الحواس، في تلميح لهفوات الأمة والمطامح المنكسرة. في هذا السياق، يمكن استحضار قصة «وماذا لو دقوا جدران الخزان» داخل المؤلف. فإذا كانت أحداث رواية «رجال في الشمس» للكاتب غسان كنفاني تقع داخل الخزان في رحلة لاجئين، لم يدقوا جدران الخزان، في اختيار للحلول الفردية. فإن القصة في هذا المؤلف تحاور ذلك بحس نقدي، عبر متخيل سردي جسّد الخزان في حانة، في رصد لشخوصها المتشابكة. وبالتالي فالخزان متعدد من المحيط إلى الخليج، فليس الحل في خيارات فردية، بل الأمر يقتضي عملا جماعيا منظما.
أبطال سياسيين ومنسيين
على هذا المنوال، القصص هنا تتخلق بين أوجاع اليومي، على محمل شخوص يتم تبئير بعضها، نظرا للأدوار غير المألوفة التي تضطلع بها. لهذا، فالمؤلف يجاور بين أبطال سياسيين ومنسيين، كأن الكل ماثل في المأساة، وبالتالي التوق لأفق آخر. نقرأ في قصة «وماذا لو دقوا جدران الخزان» في المؤلف قيد النظر: «وماذا لو دقوا جدران الخزان؟ وماذا لو قرعوا الجدران.. آش كان غايوقع كاع؟ لو أنهم ماتوا.. ببساطة فادحة سيختارون الحل الفردي. الناس تفرقوا.. سيحرقون شرايينهم بالتفكير.. سيعدمون أو يسجنون.. سيموتون بشتى الطرق.. وسيبتلعهم النسيان».
يبدو أن قصص المجموعة هذه، سائرة في هذا المنحى المتمثل في الانفتاح على الهامشي في تجلياته، في تركيز على اليومي الساقط من التدبير، أو ما لم يقله التاريخ والقول «الوقور». في هذه الحالة، تتم أسطرة اليومي إلى حد أن بعض الأبطال تمت أسطرتهم سرديا، نظرا لدورهم المغاير. في هذه اللحظة تتسرب مسحات من السخرية، تركز على الذي يخرج عن المألوف والرتيب، إضافة إلى حضور تقنية الحوار التي ينهجها الكاتب في أعماله السردية. إنه حوار مولد للأفكار أولا، في تعبير عن توجهات الشخوص، استنادا إلى مظاهرها. تركيزا على الجانب الفكري والنفسي.
فالأول يحضر من خلال التأمل في الشخوص ومساراتها. أما الثاني فيتجلى في تبئير لحظات نفسية لامعة من الألم. طبعا هي لحظات مندغمة في الأحداث التي تتطور خطيا، في تكسير للثلاثية المألوفة في بناء الحكاية (بداية ـ عقدة ـ حل). وبالتالي تتعدد عقد القصة الواحدة، في تصعيد درامي، ينتهي لذروة تبعث على التأمل، سعيا إلى دفع القارئ، للمشاركة الوجدانية والفكرية في الاقتراح والبناء. ومن الملاحظ، أن السارد يقوم بالربط بين المشاهد والتعليق، من خلال غوص في نفسيات الشخوص أو ما وراء الحدث المسرود. ورد في قصة «ثورة سرقت» ضمن مؤلف «ماذا لو دقوا جدران الخزان»: «قالت ذلك الصباح إن عليه أن يتخلص من دور البطولة.. فكل من يتقمصون دور البطل يتعبون.. اليومي يقتلهم، يعصرهم. عليه أن يتلخص من الرهانات والمراهنات، وأن يكون واقعيا.. فالواقع رمل يتحرك.. والحياة سافلة وبنت الحرام. لم تكن في يوم منصفة وواقعية».
وغير خاف، أن أفكار المتن القصصي، قدمت عبر لغة مطبوعة بالتعدد، فكل شخصية لها استعمالها اللغوي؛ وبما أن المجموعة تجنح نحو اليومي في تفاصيله، جاءت اللغة مركبة، منها الدارج، الفصيح، التعاليق، الحوارات، فأتت القصص مشبعة بالسجالات التي تمنح المعرفة والإخبار، فضلا عن رصد التناقضات، من خلال التفاصيل والمربعات الصغرى. وفي المقابل، فكل قصة في هذه المجموعة، تحتوي على عدة حكايا، أو قل عرض حكاية القصة بتعدد الرؤوس. في هذا السياق، فكل شخصية تمثل حكاية بين الواقع والمتخيل. ويبدو بشكل كبير، أن المجموعة هذه تنطلق من مداخل ذات مصادر (واقع، سياسة، ذاكرة…) من خلال اختيار وقائع ضاربة في المخيال الجمعي والذاكرة الجماعية، بما فيها ذاكرة السارد غير المنفصلة. فيتم تحويرها أو إعادة بنائها على مقربة من الواقع نفسه، عبر حوار مرفوق بالحركة وتراسل الحواس، ما أدى إلى مسرحة الوقائع. وهو ما يثبت أن السارد يحكي بكله وحواسه، وتأملاته، وانجذاباته… كل ذلك يتم عبر تخيل ذاتي، يجنح إلى الاختلاف، أو إثارة الأفكار المتقارعة. في هذه الحالة، تتحول الشخوص إلى أدوات بحث وإثارة الأسئلة، من خلال تقليب واقع جريح بين الكائن وما ينبغي أن يكون. نقرأ من قصة «بغلة القبور»: «كنا صغارا نسمع ليلا عن حرب الرمال وعن حروب الصومال وإثيوبيا وإريتريا والكونغو، وفي الصباح نجد سيارات نقل الأموات المقبلة من المستشفيات العسكرية مصطفة تحتمي بظلال الشجر. وكنا صغارا نقطع المسافة بين فم العنصر ومدارس يني ملال ولا حديث لنا إلا عمن مات ومن ما زال ينتظر دوره. نصف شبان القرية ماتوا هناك وكثيرون يموتون هنا، بدون سبب واضح. وكنت أخاف حينها أن تختفي القرية ذات صباح «.
لعبة الواقع والإيهام
بدون لعبة الواقع والإيهام، فالكاتب اليوم ـ بشكل عام ـ ضمن واقع متشظٍ ومتعفن، لأنه يحرس بنيته الموصدة على نفسها. أقول الكاتب يختارالفكرة الجديرة بالطرح والتأمل والأدبي. قصد تمرير رسائل للتاريخ والاجتماع البشري. طبعا هذه الرسائل يتم استجلاؤها من خلال فعل قرائي ممأسس. وفي التلقي العام، لا يمكن التخلي عن جماليات الأدب التي تعمق الفكرة تلك، في جدل خلاق بين المتن والمبنى. ويغلب ظني أن الكاتب رضوان إيار ينتصر للهوامش في الحياة والكتابة. فتأتي سردياته روائيا وقصصيا مشبعة بالأوجاع التي تخلق مجراها الجمالي الخاص. فالكاتب الذي يخطو للأمام، يضع اليد على الفكرة والمجرى أو الحالة في آن بغية البحث عن الطريقة ضمن بحر السرد.
شاعر وناقد من المغرب