عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة، وضمن سلسلة (كتابات نقدية) صدرت مؤخراً دراسة رصينة بعنوان «الخطاب القصصي عند يوسف إدريس.. دراسة بنيوية عن رؤية العالم والشخصية المصرية» للباحث والروائي عمرو العادلي. ونظراً لأهمية إنتاج يوسف إدريس (1927 ــ 1991) في السرد المصري والعربي، ينتهج الباحث منهج عالم الاجتماع الفرنسي لوسيان غولدمان (1913 ــ 1970) وفكرته التي أصلها في أبحاثه، والمعروفة باسم (رؤية العالم) أو الرؤية الكونية، وهي أن يُنتج الظرف الاقتصادي والاجتماعي وعياً فردياً يتمثل فئة جديدة تكون جديرة بالتعبير عن صياغة رؤية شاملة لما يحدث، وبذلك يصبح صوت الفرد هنا معبّراً عن رؤية أشمل تتجاوز ذاته إلى تبني رؤية هذه الفئة التي تتصدر المشهد، بحيث تعيد مفهوم العلاقات وفق رؤيتها. مع الأخذ في الاعتبار مدى تأثر غولدمان نفسه بأفكار جورج لوكاتش (1885 ــ 1971) وتطوير ما أطلق عليه لوكاتش مفهوم (البطل المُشكِل). فكيف كانت رؤية إدريس للعالم من خلال قصصة القصيرة، وهل عبّرت هذه النصوص بصدق عن وقائع أشمل وأدق تجاوزت وعي صاحبها الفردي؟
الشخصية المصرية
بداية يرى الباحث أن دراسته تحاول رصد المتغيرات، التي واجهت المجتمع المصري في فترات معقدة من تاريخه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بدءا من منتصف الخمسينيات وحتى منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، ومنه قراءة الشخصية المصرية في قصص يوسف إدريس، منذ مجموعته الأولى «أرخص ليالي» وحتى الأخيرة «العتب على النظر». وجاء انتقاء الباحث لثماني قصص هي.. «أحمد المجلس البلدي، معاهدة سيناء، بيت من لحم، النداهة، الرحلة، مسحوق الهمس، نظرة، وأُمُه». ويرى الكاتب أن إدريس تميز بنظرته الجدلية للعالم والحياة، كذلك لم تقع قصصه في فخ الأيديولوجيات الفجة، التي تتحيز لفكرة واحدة، فقد كان ما يشغله هو الإنسان بشكل عام، لذلك لم نعرف عن شخصياته إن كانت تنتصر إلى الفكر الاشتراكي أو الرأسمالي، أو حتى الديني، فيمكنهم أن يكونوا كل هؤلاء في تركيبة واحدة. وبالتالي فقد اهتم إدريس بشيئين أساسيين، أولهما التعبير عن طبقات المجتمع ورؤيتها الحقيقية للعالم، وثانيهما يكمن في رسم الشخصية المصرية بصدق فني متطابق مع الواقع الاجتماعي.
رؤية العالم
من خلال العينة المختارة من القصص، يمكن ملاحظة وجهة النظر الجدلية، التي دائماً ما تضع الشخصية في اختبار ما، أو نهاية تتناقض والعالم الذي تعيشه بالفعل، فرؤية العالم من خلال الشخصيات لم تتوافق في معظمها، فهي شخصيات تعاني وتقع في الفخاخ باستمرار، نظراً للتفاوت بين ما تتخيله وتعيشه. وربما يأتي المنهج السوسيولوجي ورؤية غولدمان من أوفق المناهج لدراسة أعمال يوسف إدريس، لأن الرجل لا يكتب عن حالة، أو عن شخصية حقيقية يمكن تأويلها وتحميلها بالأفكار، أو حتى شخصية خيالة تماماً، تصبح نموذجاً لفكرة أشمل وأعم ـ شخصيات محفوظ تنتمي إلى ما سبق ـ لكن إدريس كان يصطنع أبطاله وشخوصه، حتى يعبّرون تماماً عن فكرة قوية تراوده، ويريد التعبير عنها من خلال هذه الشخصية، أو تلك، فالشخوص تعد أنماطاً أكثر من كونها تحمل متناقضاتها بينه وبين نفسها، بل بينها وبين العالم.
ومن هنا جاءت نتائج الدراسة التي أفرد لها الباحث الجزء الأخير من الكتاب، بعد تنظير وتأصيل لمفاهيم المنهج الذي اتبعه. ليصبح التناقض والمفارقة بين ما هو كائن، وما يجب أن يكون هو الكاشف لهذه القصص جميعها..
ففي قصة «أحمد المجلس البلدي» حاول الرجل تغيير واقعه عندما جاء إلى المدينة، بأن قام بتركيب ساق صناعية، لكنه يتخلى عنها ويعود إلى قريته كما كان. الأمر نفسه في «النداهة» حيث يطول القهر كلا من الرجل والمرأة، أيضاً المدينة شوّهت شخصية كل من الرجل وزوجته الفلاحة، فوهم تحقيق الحلم في المدينة يُظهر حقيقة الضياع التام للحالمين البسطاء. أما حالة الفقر فتنتج عنها حالة من التواطؤ أشد قسوة، كما في أشهر نصوص إدريس «بيت من لحم» حيث لم تستطع الشخصيات سوى الاستسلام إلى قدرها، وما السبيل إلى تجاوز الخطأ إلا بالتعود والألفة مع هذا الخطأ ـ وهو ما يؤكد وجهة نظرنا على أن معظم وإن لم يكن كل نصوص يوسف إدريس، ما هي إلا أنماط تتخلق من أفكار مجرّدة ـ وتأتي قصة «الرحلة» لتكشف ثقل زيف السلطة، وكيفية التشفي في التخلص منها، بل القسوة وانتظار تحلل الجسد، بل الاستمتاع بذلك، حتى لو كانت سلطة الأب ـ سمة كل حاكم مصري ـ فالرمز هنا لا يستطيع البطل احتمال رائحته، وقد أصبحت جثته ثقلاً لا يُطاق، فهو لا يستطيع البقاء أو حماية نفسه، وما هو في النهاية سوى صنم، صنعته الشعارات، وبالتالي لا يمكن الاحتفاظ به، أو البناء من خلال أفكاره، التي من المفترض ألا تموت بموت جسد صاحبها، لكن الأفكار المزيفة هي التي تكشف في النهاية مدى تفاهة صاحبها. وما بين قصة «نظرة» و«أُمُه» تأتي الرؤية الأشمل في الحلم بالتغيير وبين الواقع الميؤوس منه..
فالقصة الأولى كُتِبت عام 1954، بينما كُتِبت الثانية عام 1987، فبينما لم تغيّر الشعارات من مصير بطلة القصة الأولى، فقط هناك أمل ربما يتحقق، تأتي القصة الثانية لتكتمل الحلقة في عالم ميؤوس من تغييره.
فالشخصية المصرية في النهاية تتعامل مع القهر الاجتماعي وكأنه أمر واقع، وقدر لا تستطيع الفكاك منه.
كاتب مصري