من المعلوم أنّ الدراسات اللغوية باتت تستفيد اليوم أكثر من أيّ وقت مضى من النتائج التشريحية السريرية ومن الدراسات النفسية العصبية، ولاسيّما تلك التي تشتغل على الإصابات الدماغية، في مواضع معينة، للحكم على وجوه من القصور في الأداء اللغوي، كاضطرابات النطق.
وبات من المعروف منذ القرن التاسع عشر وبعد اكتشاف جرّاح الأعصاب الفرنسي بول بروكا Paul Broca أنّ الحُبْسَة الحركيّة التعبيرية التي تؤثر في إنتاج سليم للكلمة، تنشيطا أو نطقا، ناتجة عن عطب في منطقة تقع في الفصّ الأمامي، في أحد جانبي الدماغ، ولاسيّما في الجانب الأيسر منه، التي باتت تعرف بمنطقة «بروكا» نسبة إلى الجراح المذكور، وفي هذه المنطقة ربطت عملية إنتاج الكلام في الدّماغ بينما ربطت منطقة فرنيك Wernicke (نسبة إلى طبيب الأعصاب الألماني كارل فرنيك) التي تقع في المنطقة الخلفية من التلفيف الصدغي العلوي، من نصف الكرة الدماغية بعملية فهم الكلام؛ وإصابة هذه المنطقة بتلفٍ عصبيّ من شأنه أن يحدث حبسة في مستوى التقبل، تسمى حبسة الاستقبال أو حبسة فرنيك.
المبحث الذي يعرف بالبراغماتية العصبية Neuropragmatics هو مبحث يعود إلى نهاية ستينيات القرن العشرين، ويهتم بدراسة الأسس العصبية للقدرات التواصلية الاجتماعية بين الأفراد، بأن يرجعها إلى معالجة الذهن لها. بعض مجالات الدراسة التي تعنينا ههنا تهتم بالعراقيل التي يمكن أن يتعرض لها الأفراد الذين يشكون من أمراض نفسية أو عصبية في الدماغ، لا تحرمهم من الكلام ولكنها تحرمهم من القدرة على فهم الكلام غير الحرفي.
أثبت المختصون في البراغماتية العصبية بداية من تسعينيات القرن الماضي (راجع دراسات Valentina Bambini في المسألة) أن شبكات دماغية متعددة تختصّ بالمعالجة البراغماتية للكلام، وأنّ بعض الذين يعانون من عاهات نفسية وعصبية، كالتي نراها في التوحد والخرف، تحدث لهم اضطرابات براغماتية، بأن يفشلوا في التعرف على المقاصد التواصلية الحقيقية، التي يريد المتكلمون تبليغها بأسلوب غير حرفيّ، أو مباشر، أي حين يستعملون في كلامهم المجازات والاستعارات والعبارات الجاهزة، والتهكّم والسخرية، وغيرها من الأساليب التي يطول عمل الذهن في استخراج مقاصدها.
في كتاب مهمّ في هذا المبحث عنوانه البراغماتية العرفانيةCognitive Pragmatics يبيّن المؤلّف الإيطالي Bruno Bara كيف أنّ التفاهم البشري بين الناس يمكن أن تدرس مقاصده، لا اعتمادا على معطيات فلسفة اللغة، مثلما هو معمول به، ولكن من وجهة نظر علم النفس العصبي، ومن خلال معطيات سريرية تجرى على من يشكون من فشل في إقامة التواصل بالكلام والتفاهم به. ويقرّر بارا أنّ التواصل الحقيقي – وهو يختلف عنده عن نقل المعلومات- هو ذلك التواصل الذي يتقاسم فيه الطرفان، أو الأطراف حالات ذهنية واحدة. فأن تقول لي صباح الخير وأجيبك بمثلها، أو بأحسن منها، لا يعود إلى سهولة العبارات بقدر ما يعود إلى أني أنا وأنت نتقاسم حالات ذهنية واحدة، تجعلني أراك فأعرفك، وأرى الوقت مناسبا لقول صباح الخير والعلاقة التي تربطني بك تسمح لك بأن تقول لي ذلك وغير ذلك، من المعطيات النفسية، التي أتواضع معك عليها وتيسر لي فهم صباح الخير منك. والتواصل بين الناس هو وفق رأي بارا ضربان، تواصل نمطي أو معياري نجريه بالكلام العادي أو الحرفي، وتواصل غير نمطي أو غير معياري يكون معروفا بالكلام غير الحرفي، كالذي نجده في الاستعارات والمجازات والتهكّم والسخرية، وغير ذلك من الكلام غير الحرفي. هذا الضرب من الكلام ليس متاحا فهمه لمن يشتكون من اضطرابات التطوّر، كالتوحّد عند الأطفال، أو المصابين باضطرابات في هشاشة الذاكرة، كالزهايمر عند المتقدمين في السنّ.
يمكن للطفل المتوحّد أن يجد صعوبات في فهم الكلام غير الحرفي، لوجود عجز في المطابقة بين المعنى المعجمي والمعنى الثقافي، وفي إيجاد صعوبات ذهنية في تتبع صحيح لمسار السلسلة الاستنتاجية الطويلة المفضية إلى المعنى المطلوب.
المشكل في الكلام غير الحرفيّ، يكمن في ما يسمّيه سيرل Searle بطول السلسلة الاستنتاجيّة، وما تؤدّي إليه من جهد ذهني يسمّيه العرفانيّون الجهد العرفاني. حين تكلمني بكلام واضح كأن تقول لي (أحبك) مثلا، فإنّي لا أبذل وأنا أعالج قولك جهدا ذهنيّا كبيرا، ليس لأنّ الجملة مفهومة فقط، بل لأنّ علاقتي بك يمكن أن تفرز هذا الضرب من القول الشفاف. فالشفافيّة ليست في وضوح الأقوال، بل في العلاقة الاجتماعية والنفسية التي تربط بيننا. الدليل على أنّ المسألة مرتبطة بالعلاقات أيضا يمكن أن تدرك من الجهد العرفاني، الذي ستبذله وأنت تفهم قول امرأة غريبة تمر بك في القطار وتقول لك وبدون سابق معرفة (أحبّك) ثم تنزل في المحطة المقبلة.
الأقوال غير الحرفيّة من نوع الاستعارات في قولك لمن تعشق (يَا عَسَلي الصغير) والتعابير الجاهزة من نوع ( على رأسه ريشة) أو الأعمال غير المباشرة من نوع (أصبحت باردا جدا معي) أو غيرها من الأقوال حتى تلك التي نسمعها في الأغاني (يا مسهّر النوم في عنيّا) هذه الأقوال يتطلب تأويلها سلسلة استنتاجية مطوّلة، لكي نفهم أنّها لم تعن معناها الحرفي، بل عنت شيئا آخر. ففي الاستعارة (يا عسلي الصغير) التي تقولها أمّ تتودّد لابنها الصغير، سيجد الطفل لأوّل مرّة عناء في أن يربط بين العسل وحلاوته وطعمه الجيّد في الأكل، ومعنى أثر الحبّ في قلب الأمّ لكنّه سيتعلّم ذلك بسهولة. لكنّ الدراسات تثبت أنّ طفل التوحّد يجد صعوبة ثابتة في فهم المعنى الحرفي، لمثل هذه الاستعارة الإشكال في النقص الذهني والتجريبي الذي يسمح بالربط الثقافي بين حلاوة العسل وحلاوة الروح، فالمعلومات الموسوعية الثقافية لم تكتمل لديه.
نتحدّث عن فشل في الفهم مَرَضيّ، إنْ كان الشخص الذي يسمع الأقوال غير الحرفية يفشل في فهمها، لأسباب مرتبطة بعطب دماغيّ أو بمشكل وظيفي، يعرقل فهم قول من نوع (أصبحت باردا معي) على أنّها لوم على التقصير في الحبّ، وعلى حدوث ضرب من الارتكاس العاطفي من جهة المخاطب. يمكن للطفل المتوحّد أن يجد صعوبات في فهم الكلام غير الحرفي، لوجود عجز في المطابقة بين المعنى المعجمي والمعنى الثقافي، وفي إيجاد صعوبات ذهنية في تتبع صحيح لمسار السلسلة الاستنتاجية الطويلة المفضية إلى المعنى المطلوب. ويقول الباحثون في هذا الميدان البراغماتي، إنّ الاستعارات ليست أكثر صعوبة على المتوحّد من السخرية، أو المزحة، وأنّ عدم التفاعل مع المزحات، ليس لبرود في الطبع، بل لعدم فهم للمعنى أصلا. يمكن للمتوحّدين أن ينجحوا في فهم السخرية، لكنّ ذلك لا يكون متاحا إلاّ إذا تطورت قدراتهم النفسية العاطفية، ولا يكون ذلك إلا في فترة متقدمة من السنّ والتجربة، وبالمساعدات المحفّزة التي تربط السخرية مثلا بتغيير نبرة الكلام. فهم الاستعارات في علم النفس العصبي العرفاني، يستفيد من تفاعل الأنظمة الذهنية المختلفة في شبكات الدماغ وهي تنشّط تنشيطا حركيّا بالاعتماد على الخصائص اللغوية والسياقية للموادّ، وهنا يشير العلماء إلى أنّ حداثة الاستعارات يمكن أن تكون عاملا معرقلا على التوصّل إلى فهم الكلام على النقيض من الاستعارات المتواضع عليها. وفهم الاستعارات يمكن أن يرتبط أيضا بعوامل ذاتيّة، من ذلك أنّ الأشخاص الأكبر في السنّ قادرون أكثر من الأطفال والشباب على فهم الخطابات الاستعارية، والكلام غير الحرفي بشكل عام، ذلك أنّ مناطق الدماغ المسؤولة عن فهم الاستعارات تكون في ما يبدو أوسع لدى الأشخاص الأكبر سنّا منها لدى الأفراد الأصغر سنّا. ربّما كان هذا الكلام صياغة علمية لعبارة عاميّة شهيرة: اللي فايتك بليلة فايتك بحيلة، نقول ربّما لأنّ المرضى الذين يعسر عليهم فهم الكلام غير الحرفي فاتت لياليهم وذهبت وأعيت الحيلة أدمغتهم.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية