الخميس الماضي، بعد انتهاء زيارته في العيادة المحلية إلى عرعرة في النقب، سار رئيس الحكومة نتنياهو نحو سيارته المصفحة. هذه وتيرة أخذت في تضاؤل صوت الهتافات السعيدة “أبو يئير، أبو يئير”. كان هؤلاء بضع عشرات من الشباب المؤيدين له في مكان غير متوقع، حتى أن أحد الشبان أحسن صنعاً ودعا رئيس الحكومة لتناول القهوة. في المجتمع البدوي هناك أيضاً رسالة لهذه الدعوة تقول: مرغوب بك في بيتي. في الحقيقة، لم يخرج اللقاء إلى حيز التنفيذ، لكن نتنياهو سُحر ببادرة حسن النية هذه.
“نشعر بهذا في كل مكان”، قال ناشط سياسي مخضرم من النقب، طلب عدم ذكر اسمه. في الجولتين الأولى والثانية للانتخابات، عمل هذا الشخص لصالح القائمة المشتركة، وساعد على نقل المصوتين إلى صناديق الاقتراع. “هناك عدد غير قليل من المستشارين ومقاولي الأصوات الذين يتجولون ويحاولون تجنيد الأصوات لليكود”، قال. وحسب قوله، أحياناً يتم ذلك بصورة فردية وأحياناً بصورة جماعية “عن طريق نشطاء ميدانيين ورؤساء عائلات، وحتى رؤساء سلطات محلية في السابق وفي الحاضر”. وأضاف بأن بعضهم كان في الانتخابات الأخيرة مع القائمة المشتركة أو مع أحزاب متماهية مع اليسار. “قد لا نتحدث عن تدفق وعن أعداد كبيرة، لكن لا ريب أن في النقب موطئ قدم لليكود، وهذا بارز جداً على الأرض. على مدى السنين، اعتبرت منطقة النقب مع سكانها البدو قاعدة لـ”راعم” (القائمة العربية الموحدة) التي فيها تمثيل محترم لأعضاء الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية. هذه القائمة سيطرت على مخازن الأصوات الكثيرة، سواء على صعيد القرى أو الحمائل. ويبدو أن الميل في هذه السنة يتغير، وليس بسبب اختراق الليكود فحسب.
ربما يكون ذلك بسبب الأزمة التي علقت بها القائمة المشتركة، وربما بسبب مغازلة نتنياهو. ولكن مصوتي النقب تحولوا فجأة إلى هدف لجميع الأحزاب. مثلاً، إلى جانب “راعم”، قامت “بلد” (الشريكة السابقة للقائمة) بوضع شخص بدوي من سكان النقب في مكان مضمون في القائمة، وهو عضو الكنيست السابق جمعة الزبارقة. وهناك من يفكرون بإعطاء صوتهم مباشرة لرئيس الحكومة الحالي، مثل سلطان أبو بكر الذي هو من سكان رهط، وهو الآن ينتظر رؤية التطورات الأخيرة في “راعم” قبل إعلانه هوية صوته. ولكن الليكود يظل خياراً بالنسبة له. وسواء أكان ذلك منصور عباس أو بنيامين نتنياهو، فإن المبدأ الذي يوجهه هو التأثير من الداخل. “إذا استمرت “راعم” بنفس الخط فقد أدعمها، شريطة أن تكون جزءاً من اللعبة السياسية، ولا تجلس جانباً”، وأضاف: “أتحدث مع الناس على الأرض، يقولون كفى، لا أحد ينجح في الدفع قدماً بأي شيء. وهناك حزب في السلطة يمكنه التأثير”.
قال أبو بكر إنه من أحد أصحاب الأراضي في قرية العراقيب غير المعترف بها، التي تم تدميرها وإخلاؤها عشرات المرات في السنوات الأخيرة. “لا أعتقد أن نتنياهو شخصياً هو المسؤول عن ذلك”، قال. “هناك ضغط عليه”. ويرى في هذا الموضوع أن هناك ثمناً للتصويت لمن سيجلس في الائتلاف أو يؤيده. “منذ عشرات السنين ونحن نناضل من أجل الحصول على الاعتراف. وطالما أننا في مكانة مراقب أو معارضة تقليدية فلن يساعد هذا في شيء”، وأضاف: “هذه المرة سنطالب بتغيير، لأننا نريد أن نعيش مثل بني البشر”. هنا يصل إلى مقولة عامة: “يجب أن ندرك بأن كثيرين الآن في المجتمع العربي يقيسون دعمهم بأمور أساسية، مثل السكن ومصدر الرزق والأمن الشخصي. واليمين، كما يبدو، هو الذي ينجح في دفع الأمور قدماً في الوقت الحالي”.
في الوقت الحالي، أقوال أبو بكر هذه لا تقلق بعد أحد رؤساء السلطات المخضرمين في النقب والمطلع على ما يحدث في الأحزاب العربية. كل الخطاب الحالي سيتبخر حتى موعد الانتخابات، قال. “سكان النقب غير ساذجين، ولن ينسوا من هدم البيوت وطرد مئات العائلات”، شرح. “بالطبع، هنا وهناك أشخاص سيصوتون لليكود، ولكنني أؤمن بأنه معظم الدعم سيكون للأحزاب العربية في نهاية المطاف”. وأضاف بأن التحدي الرئيسي ليس منع التصويت للأحزاب الصهيونية، ومنها الليكود، بل “نسبة التصويت”.
ولكن اهتمام الليكود الجديد ليس بالنقب بشكل حصري. فهناك نشطاء مخضرمون في الحزب في المجتمع العربي قالوا إن الحملة الإيجابية التي يقودها نتنياهو تؤثر بالصورة المطلوبة من جانبهم في هذا المجتمع. فهي لا تزيد الدعم فقط، بل تضعف المعارضة أيضاً. مجدي قاسم، مرشد في “شباب في ضائقة” هو مثال حي على ذلك، يقول على الرغم من أنه كمؤيد لنتنياهو يعتبر أقلية، إلا أن موقفه يحصل على التفهم أكثر فأكثر. “الناس اليوم أكثر براغماتية، فهم يبحثون عن الأمور الأساسية”، وأضاف: “لا تعنيهم المسائل السياسية الكبيرة”. وثمة بشرى في مسائل كبيرة؛ “الاتفاقات مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان”، قال. “هذه أمور تتفشى في المجتمع العربي ولا يجب الاستخفاف بها”. وحسب قوله، هو بعيد عن أن يشكل الأغلبية، لكن هناك آخرين يتفقون معه وسيصوتون لليكود. وحتى لو لم يعلنوا ذلك علناً، “سواء بسبب خيبة الأمل والاحتجاج على الوضع والنزاعات في القائمة المشتركة، أو بحثاً عن حلول واعتقاد بأن حزب السلطة وحده القادر على إحداث التغيير”.
وشرح يوسف مقالدة، من معهد ستيتنت (الذي يجري الاستطلاعات في هذا المجتمع)، بأن الليكود -حسب النتائج الحالية- يقترب من مقعدين من الجمهور العربي. ولكن هذا صحيح الآن، وليس بالضرورة أن يكون صحيحاً يوم الانتخابات. “هناك عدة سيناريوهات تمنح الأحزاب الصهيونية، وعلى رأسها الليكود، حوالي 25 في المئة من أصوات العرب”، قال. ولكنه أضاف على الفور بأن “هذا متغير جداً”. وحسب قوله: “يعتمد هذا الأمر بشكل كبير على سلوك الأحزاب العربية. إذا تنافست أخيراً في قائمتين متنافستين، فيمكن أن يخفض الدعم للأحزاب الصهيونية بدرجة كبيرة”.
الباحثون في الساحة السياسية أيضاً لا يسارعون إلى حسم تصويت العرب. مثلاً، البروفيسور أمل جمال، من قسم العلوم السياسية في جامعة تل أبيب، قال للصحيفة بأنه رغم كل هذه الضجة، فالتقدير بأن يكون هناك ارتفاع في دعم الليكود، ولكن ذلك سيكون هامشياً. وهناك أيضاً عنصر يجب أخذه في الحسبان – بداية حملة الأحزاب العربية، خصوصاً “راعم”، المتوجهة إلى نفس المجموعة السكانية التي يستهدفها الليكود: أشخاص في وضع اقتصادي – اجتماعي منخفض. “هناك تضخيم لقوة الليكود المتوقعة في المجتمع العربي”، قال، وأضاف: “الجمهور العربي يعرف نتنياهو جيداً، ويصعب أن يحدث أي تغيير كبير في نماذج التصويت بسبب حملة كهذه أو تلك”.
بقلم: جاكي خوري
هآرتس 1/2/2021