كانت واضحة لطهران وواشنطن الرسالة التي تضمنها خطاب رئيس الأركان، وكذا توقيتها: لا شك بأن إيران تتطلع لأن تكون دولة نووي عسكري، وهي مشكلة عالمية؛ فالعودة إلى الاتفاق النووي وحتى مع بعض التحسينات، ستكون سيئة. ولإحباط هذه الإمكانية، بدأ الجيش الإسرائيلي ينفض الغبار عن مخططاته العملياتية. أخطأ رئيس الأركان -في نظري- حين قال إنه “لا شك لدى أحد بأن إيران تتطلع لأن تكون دولة نووي عسكري”، فثمة منظومة من الأنباء المضللة بإلهام من طهران ومحبي مصلحتها، سواء في الولايات المتحدة أم في أماكن أخرى – بأن هذا هو ادعاؤها، أي أن إيران تطور قدرة نووية لأهداف مدنية فقط، وكل من يدعي غير ذلك، يعمل بخلاف الحقيقة والمصالح الأمريكية.
العودة إلى الاتفاق النووي وحتى مع بعض التحسينات، ستكون سيئة. ولإحباط هذه الإمكانية، بدأ الجيش الإسرائيلي ينفض الغبار عن مخططاته العملياتية.
هكذا نُشر مؤخراً، مثلاً “أمريكا وإيران”، كتاب جون غازفنيان، أكاديمي أمريكي من أصل إيراني، يدعي بأن “محافل أمريكية في مؤامرة مع إسرائيل والسعودية أفشلت محاولة التقدم الإيرانية نحو أمريكا”، وأن الأولى أبدت حتى، ظاهراً، استعداداً للاعتراف بدولة إسرائيل. وحسب الكاتب، ورداً على الرفض الأمريكي، طورت طهران علاقاتها مع “حزب الله” وحماس والجهاد الإسلامي. كما أنه يدعي بأنه “لم يعتقد أي إنسان جدي في إسرائيل بأن إيران تشكل تهديداً جدياً”. غازفنيان ليس الوحيد الذي يطرح ادعاءات كاذبة كهذه، فثمة مقالات في صيغة مشابهة نشرت أيضاً في “نيويورك تايمز” ووسائل إعلامية أخرى، بل وفي إسرائيل أحياناً، وثمة من يدعون إلى “تقارب بناء” مع طهران. يحتمل أن يكون روف مالي أيضاً، الدبلوماسي الأمريكي الذي عين لإدارة الاتصالات مع طهران، يشارك على الأقل في جزء من المواقف آنفة الذكر.
وعندما بدأت إدارة أوباما في 2014 بخطوات سرية مع آية الله، فقد كانت معركة كهذه. ففي ذاك الوقت تماماً صدر في أمريكا مسلسل تلفزيوني بعنوان “وزيرة الخارجية” عرض الإيرانيين كطالبي سلام، والمشككين في نواياهم الطيبة كقارعي طبول الحرب. وسواء عن قصد أو عن غير قصد، عمل المسلسل على تهيئة قلوب الجمهور الأمريكي للاتفاق. والمبررات التي طرحت في حينه في التلفزيون تتطابق تماماً والمبررات التي تطرح الآن أيضاً. في معركة الانتخابات الأمريكية وبعدها أيضاً ،كانت للرئيس بايدن ولمن يحيطون به تصريحات تدل على نية استئناف الاتفاق النووي كخطوة أولى والبحث في تغييرات محتملة، بما في ذلك مواضيع الصواريخ بعيدة المدى، والإرهاب، وميول الهيمنة الإيرانية، ونفاد القيود على النشاطات النووية. لكل ذي عقل ينبغي أن يكون واضحاً بأنها وصفة للفشل، ولكن ليس واضحاً أنه سيكون استنتاج الإدارة الجديدة. ربما أنها، مثلما لدى أوباما، ترى “الاتفاق الآن” كأمر أهم من نتائجه بعد ذلك.
لا يمكن أن تسمح إسرائيل لنفسها بأن تلعب لعبة “يخيل إليّ”. وأهمية رسالة كوخافي وتوقيتها جاءت في أعقاب التغييرات الاستراتيجية والجغرافية – السياسية في الساحة الإقليمية، أي الحلف بين إسرائيل والدول العربية البراغماتية، وتغيير الإدارة في واشنطن. بكلمات أخرى، إسرائيل ليست وحيدة في موقفها تجاه التهديد الإيراني، الذي هو بالفعل “مشكلة عالمية”. على الولايات المتحدة، التي لا تزال “الأمة الضرورية”، أن تقرر خطواتها في الموضوع مع مراعاة المصالح الحيوية لحلفائها في المنطقة أيضاً. وقد أعرب الرئيس الفرنسي ماكرون عن رأي مشابه.
انطلق في إسرائيل انتقادات ضد تصريحات رئيس الأركان بدعوى أن الأمور قد تمس بعلاقات إسرائيل مع الإدارة الجديدة. بعض النقد جاء من الدوائر إياها التي امتدحت في حينه “محافل أمنية رفيعة المستوى” عملت من خلف ظهر الحكومة، بما في ذلك في الولايات المتحدة، لإفشال خطوات محتملة ضد النووي الإيران. ولأن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي هو الذي قال أقوالاً قاطعة تزيل عنهم الظل السياسي، فذلك يسهل على رئيس الوزراء نتنياهو عرض موقف إسرائيل أمام الرئيس الأمريكي. وخير له، من هذه الناحية، أن قدم موعد الانتخابات، كي يتحرر رئيس الوزراء في إدارة الدولة من نير غانتس ورفاقه (بما في ذلك في موضوع مكافحة كورونا).
من ناحية العلاقات الحيوية مع إدارة بايدن، فإنه من الأفضل عرض الأمور كما هي في المراحل المبكرة، قبل أن تبلور الإدارة مواقفها، كي لا نعلق في خلاف مع سياسة انطلقت على الدرب. ومع ذلك، واضح أنه كان ينبغي لرسالة رئيس الأركان أن تترافق وخطوات دبلوماسية مكثفة ولا سيما تجاه الدوائر الواسعة في الحزبين والتي تتشارك مع إسرائيل في المواقف من الموضوع النووي الإيراني.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا العمل يستوجب وجوداً دائماً، 24/7، لمندوب دبلوماسي إسرائيلي كبير في واشنطن.
بقلم: زلمان شوفال
معاريف 2/2/2021